ملخص
في بيان ناري لا يشبه بيانات الأجهزة الخاصة، قالت وكالة الاستخبارات الخارجية الروسية مطلع فبراير الجاري، إن فرنسا تسعى جاهدة لاستعادة نفوذها السياسي في أفريقيا. ووفقاً للوكالة، فإن باريس تسعى للثأر بعد سلسلة من النكسات التي مُنيت بها في القارة.
لم تكد تمضي بضعة أيام على الزيارة السريّة لمبعوث الرئيس الفرنسي إلى موسكو، حتى اتهمت الاستخبارات الروسية فرنسا بتدبير انقلابات استعمارية جديدة في دول أفريقية موالية لموسكو، الأمر الذي شكّل صفعة مدوية لمحاولات باريس بعث الروح مجدداً في العلاقات المتعثرة بين البلدين منذ بدء الحرب الروسية في أوكرانيا.
فجأة ومن دون مقدمات، أعلن جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي، أن باريس تسعى إلى تحقيق انتقام سياسي في القارة الأفريقية. وأكد أن إدارة إيمانويل ماكرون متواطئة في زعزعة استقرار الأوضاع في "دول غير مواتية" لها: النيجر ومالي وجمهورية أفريقيا الوسطى ومدغشقر وبوركينا فاسو. وفي هذا السياق، توضح وسائل إعلام أجنبية أن أفريقيا تتحول إلى ساحة "حرب صامتة" بين القوى العظمى. ويشير الخبير الروسي ماكسيم يوسين، كاتب عمود في إذاعة "كوميرسانت أف أم"، إلى أن الصراع بين روسيا وفرنسا على النفوذ في القارة يزداد ضراوة.
بيان ناري
في بيان ناري لا يشبه بيانات الأجهزة الخاصة، قالت وكالة الاستخبارات الخارجية الروسية مطلع فبراير (شباط) الجاري، إن فرنسا تسعى جاهدة لاستعادة نفوذها السياسي في أفريقيا. ووفقاً للوكالة، فإن باريس تسعى للثأر بعد سلسلة من النكسات التي مُنيت بها في القارة.
وأضافت الاستخبارات في بيانها، تسعى إدارة ماكرون جاهدةً إلى اغتنام فرص "الانتقام السياسي" في أفريقيا. وأشارت إلى أن باريس قد تكبدت بالفعل "خسائر" كبيرة في القارة خلال الأعوام الأخيرة.
ويعتقد جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي، أن هذه الإخفاقات مرتبطة بصعود الحكومات المستقلة في المستعمرات السابقة. ووفقاً لمعلومات استخباراتية، فإن القادة الجدد يستمعون إلى شعوبهم أكثر من استماعهم إلى باريس. ومن المرجح أن ماكرون قد قرر اتخاذ إجراءات صارمة وأقرّ خططاً لإزاحة الرؤساء الأفارقة الذين لا يروقون لفرنسا.
ويستشهد البيان بمحاولة الانقلاب في بوركينا فاسو في الثالث من يناير (كانون الثاني) كمثال على ذلك. ووفقاً لجهاز الاستخبارات الخارجية الروسية، "تورطت أجهزة الاستخبارات الفرنسية في هذه المحاولة، ساعيةً لاغتيال الرئيس إبراهيم تراوري". وكانت باريس تأمل في أن يُفضي ذلك إلى تنصيب نظام موالٍ لها وكبح جماح نزعة التمرد على نفوذها في أفريقيا.
بعد فشل العملية هناك، حوّلت فرنسا، وفقاً لجهاز الاستخبارات الخارجية الروسية، تركيزها إلى زعزعة استقرار دول أخرى في منطقة الساحل، ولا سيما مالي. ولتحقيق هذه الغاية، تستخدم فرنسا مسلحين محليين وتستعين بمساعدة من أوكرانيا التي تزودها بطائرات مسيّرة ومدربين. وتهدف الهجمات على البنية التحتية والمدنيين في مالي إلى تمهيد الطريق للإطاحة بالرئيس أسيمي غويتا.
علاوة على ذلك، تركز الخطط الفرنسية على جمهورية أفريقيا الوسطى، وكذلك مدغشقر، حيث وضع الرئيس الجديد مساراً للتقارب مع مجموعة "بريكس". ووفقاً لجهاز الاستخبارات الخارجية الروسية، فإن باريس تبحث سبل الإطاحة بالسلطات الشرعية من أجل "إعادة نظام موالٍ" لها.
وخلص الجهاز نفسه إلى أن "فرنسا تحولت إلى دعم الإرهابيين من مختلف الأطياف بصورة مباشرة، والذين باتوا حلفاءها الرئيسيين في القارة الأفريقية. وهذا ما يجعل الإفلاس السياسي لنهج ماكرون أكثر وضوحاً. فهو يفشل في تخليص فرنسا في أفريقيا من سمعتها كدولة طفيلية تنهب مستعمراتها السابقة وتعرقل تنميتها".
وفي وقت سابق، صرّح سيرغي ناريشكين، مدير جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي، بأنّ "الخطابات" الغربية العلنية بشأن إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا في ساحة المعركة، قد أخفتت. ومع ذلك، أضاف أن أكثر الدوائر المعادية لروسيا في أوروبا لا تزال تروج لهذا الخط.
صراع على النفوذ خلف الحدود
الصراع المحتدم بين موسكو وباريس على أفريقيا ليس سراً على أي شخص يُغطي شؤون القارة الأفريقية. فقبل أعوام عدة، نشرت مطبوعات فرنسية وغيرها من المطبوعات المتخصصة في المنطقة دراسات تُفصّل الضربة الجيوسياسية التي وجهتها موسكو لباريس في أفريقيا الفرنكوفونية، وهي منطقة ذات أهمية خاصة للعاصمة الفرنسية التي تحاول الحفاظ على موقعها المؤثر في مستعمراتها السابقة. وفي الأعوام الأخيرة، دخلت دول عدة تُعتبر حليفة لباريس دائرة نفوذ روسيا. من بينها جمهورية أفريقيا الوسطى، حيث شنت فرنسا قبل 10 أعوام عملية عسكرية لوقف حرب أهلية، وبدا أنها سيطرت تماماً على الوضع. وتشمل هذه الدول ثلاث مستعمرات فرنسية سابقة جنوب الصحراء الكبرى - مالي وبوركينا فاسو والنيجر - حيث سارت الأحداث على نحو مماثل تقريباً. فنتيجةً لانقلابات عسكرية، أُطيح بالرؤساء ورؤساء الوزراء الموالين لباريس، واستولى على السلطة ضباط بدأوا يُظهرون ولاءهم لموسكو ويُطورون تعاوناً عسكرياً معها، من بين أمور أخرى. وفي حالة النيجر، ازداد الوضع سوءاً بالنسبة للجمهورية الخامسة بسبب فقدانها السيطرة على رواسب اليورانيوم.
لكن يبدو أن فرنسا قد شنت هجوماً مضاداً أخيراً. وبدأت مشكلات خطيرة تظهر في دول كانت مرتبطة بها سابقاً، والآن مع روسيا.
في الأسبوع الماضي، وردت أنباء عن هجوم شنّه متمردون على مطار العاصمة نيامي. ووفقاً لتقارير رسمية، جرى صدّ الهجوم بمساعدة خبراء عسكريين روس، وعُثر على جثة مواطن فرنسي بين قتلى المسلحين. إن مجرد تمكّن المتمردين من الوصول إلى العاصمة ومهاجمة منشأة استراتيجية حيوية كهذه، يُظهر مدى عدم استقرار الوضع في النيجر. أما الوضع في مالي فهو أكثر إثارة للقلق، إذ تُحاصر قوات المعارضة العاصمة باماكو فعلياً، وتسيطر على طرق النقل وتعترض قوافل الوقود الداخلة إلى المدينة. ونتيجة لذلك، فإن الوضع في باماكو حرج. في غضون ذلك، تنتشر إشاعات مستمرة حول وجود صلات بين الفرنسيين، الذين حافظوا حتى وقت قريب على وجود عسكري كبير في البلاد، وقادة الجماعات المناهضة للحكومة. وعلى رغم أن العديد من هؤلاء يُعتبرون من الإسلاميين المتطرفين، إلا أن باريس حاربتهم في مالي بالأمس فقط. واليوم، تتمثل الأولوية في توجيه ضربة للمنافسين الروس والثأر من النكسات الأخيرة.
حتى الأمس القريب، لم يتناول هذا الموضوع سوى خبراء الشؤون الأفريقية ووسائل الإعلام المتخصصة. لكن الآن، أعلن جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي رسمياً عن المشكلة في بيان خاص. صيغ البيان بلغة حادة، بل وعاطفية أحياناً، وهو أمر غير معتاد بالنسبة لأجهزة الاستخبارات. يؤكد البيان أن باريس بدأت بتنفيذ خطة للتخلص من "القادة غير المرغوب فيهم" في أفريقيا. فعلى سبيل المثال، إضافة إلى الوضع المذكور في مالي، يشير البيان إلى محاولة الانقلاب الفاشلة في بوركينا فاسو في الثالث من يناير (كانون الثاني) الماضي لاغتيال رئيس البلاد. ويؤكد جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي أن فرنسا كانت وراء المتمردين. ووفقاً للبيان، تسعى الجمهورية الخامسة أيضاً إلى الإطاحة برئيس مدغشقر الذي جرى تنصيبه أخيراً و"إعادة نظام موالٍ" للسلطة في الجزيرة.
إن قرار جهاز الاستخبارات الخارجية الروسي بالإعلان علناً عن تحركات أجهزة الاستخبارات الفرنسية في أفريقيا، يشير إلى أن المواجهة بين باريس وموسكو في القارة الأفريقية تصل إلى مستوى جديد.
بالنظر إلى موقف إيمانويل ماكرون المتشدد تجاه روسيا في العديد من القضايا الأخرى، يُمكن افتراض أن المواجهة بين القوتين في أفريقيا ستشتد بحلول نهاية ولايته الرئاسية. وقد تشمل هذه المواجهة ما لا يقل عن 10 دول غنية بالموارد وذات مواقع استراتيجية.
نصيحة لأفريقيا بعدم استبدال موسكو بباريس
وكانت وزارة الخارجية الفرنسية قد نصحت القارة السمراء منذ عام 2023 بالإبقاء على علاقاتها الوطيدة مع باريس وعدم استبدالها بعلاقات مستجدة مع موسكو، ورأت وزيرة الخارجية الفرنسية آنذاك، كاثرين كولونا، أن الدول الأفريقية لا ينبغي أن تقطع علاقاتها مع باريس لمصلحة موسكو. وفي مؤتمر صحافي، ردّت على سؤال حول ما إذا كانت باريس "تفقد نفوذها" على أفريقيا في ظل قطع العلاقات مع مستعمراتها الفرنسية السابقة، مالي وبوركينا فاسو والنيجر. وأشارت الوزيرة إلى أن "منطقة الساحل لا تمثل كل أفريقيا".
وقالت "لو كنت مكانك، لما استبدلت روسيا بفرنسا". وأشارت الوزيرة إلى أنه لا ينبغي الخلط بين أفريقيا ومنطقة الساحل، لأن أفريقيا "واسعة ومتنوعة للغاية". وتعتقد أن علاقات فرنسا مع الدول الأخرى "في تحسن مستمر"، وأن باريس "سعيدة للغاية بهذا الأمر".
وشهدت مالي وبوركينا فاسو والنيجر انقلابات عسكرية بين عامي 2020 و2023. وعقب هذه الانقلابات، بدأت السلطات الجديدة بقطع العلاقات مع فرنسا، وتعزيز التعاون مع روسيا بصورة أو بأخرى. كذلك وقع انقلاب عسكري في الغابون، وهي دولة تقع في وسط أفريقيا وتُعتبر حليفاً وثيقاً لفرنسا.
النواة المعادية لفرنسا في أفريقيا
بين عامي 2020 و2024، واجهت فرنسا في أفريقيا أخطر أزمة في تاريخها. فقد أجبرها وضعها كشريك ذي أولوية للدول الناطقة بالفرنسية في منطقة الساحل، على نشر قوة عسكرية كبيرة في المنطقة لمواجهة مشكلة الجماعات المتطرفة التي برزت بعد اندلاع الحرب الأهلية في عام 2012. إلا أن القوات الفرنسية المنتشرة في مالي، ثم في النيجر وبوركينا فاسو، بدءاً من عام 2013، لم تتمكن من القضاء تماماً على الجماعات الإرهابية التي تعصف بمنطقة الساحل، مما تسبب في خيبة أمل كبيرة بحلول أوائل العقد الثالث من القرن الـ21.
علاوة على ذلك، شهدت المنطقة سلسلة من الانقلابات العسكرية بين عامي 2020 و2023، أطاحت بالقوى السياسية المقربة من باريس من السلطة. وسعت القيادات الجديدة إلى إيجاد حلول بديلة للتحديات الأمنية التي واجهتها، كذلك وضعت خطة لقطع العلاقات بصورة جذرية مع العاصمة الفرنسية وإخراج قواعدها العسكرية من المنطقة.
لقد تشكل الإجماع الإقليمي المناهض لفرنسا أخيراً بعد الأزمة السياسية في النيجر، حيث أُطيح بالرئيس محمد بازوم في يوليو (تموز) 2023. وفي أغسطس (آب)، تعرضت السلطات الجديدة - التي طالبت بانسحاب القوات الفرنسية والأميركية - لضغوط إقليمية ودولية مكثفة، كان يُنظر إلى مصدرها على أنه باريس.
بصورة عامة، فإن التغييرات التي حدثت خلال فترة زمنية قصيرة نسبياً وجهت ضربة قوية لنفوذ باريس في أفريقيا، وبخاصة لقدراتها العسكرية.
تقهقر فرنسي أبعد من الساحل
الأزمات التي قلصت بصورة حادة نفوذ فرنسا في أفريقيا لا تقتصر على منطقة الساحل. فقد تقلصت شبكة القواعد العسكرية الفرنسية على ساحل المحيط الأطلسي للقارة الأفريقية بصورة لافتة. ففي العقود الأخيرة، تركزت أكبر الوحدات العسكرية في السنغال وساحل العاج والغابون. إلا أنه في عام 2024، طالب الرئيس السنغالي الجديد، باسيرو ديوماي فاي، الذي فاز في الانتخابات بفضل خطابه المناهض لفرنسا جزئياً، بانسحاب القوات الفرنسية من بلاده. وتماشياً مع التوجهات الإقليمية، قرر حتى زعيم ساحل العاج، الحسن واتارا، الذي يُعتبر أقرب السياسيين الأفارقة إلى باريس، في العام نفسه إغلاق قاعدة "بونت بويه" رسمياً، وتحويلها إلى قاعدة إيفوارية.
وحظيت القيادة الجديدة في النيجر بدعم من مالي وبوركينا فاسو. وشكّلت الدول الثلاث تحالفاً دفاعياً، وبدأت حرباً مشتركة ضدّ التهديد الإرهابي وخطر تدخّل فرنسا وحلفائها الإقليميين. وبعد مفاوضات مطوّلة، انسحبت القوات الفرنسية في نهاية المطاف.
في يناير 2025، شكّلت هذه الدول نفسها تحالف دول الساحل. وسعى هذا التكتل الجديد إلى إيجاد شركاء جدد، إلى جانب فرنسا، قادرين على المساعدة في حل الأزمات العسكرية والاقتصادية. وشمل الشركاء الرئيسيين روسيا وتركيا والصين ودول الخليج العربي.
زيارة مبعوث ماكرون السرّية
على رغم الصراع على النفوذ في أفريقيا، جاءت الزيارة غير المعلنة لإيمانويل بون، المستشار الدبلوماسي للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى موسكو بمثابة محاولة لضمان مشاركة أوروبا في عملية التفاوض بشأن أوكرانيا والأمن الأوروبي.
أفادت بذلك وكالة "بلومبيرغ" نقلاً عن مصادر مطلعة على الموضوع لم تسمها، بعد أن تناقلت وسائل الإعلام نبأ الزيارة.
وبحسب "بلومبيرغ"، فإن رحلة بون وهو أحد المقربين من ماكرون منذ فترة طويلة، جرت يوم الثلاثاء في الثالث من فبراير الجاري، وتضمنت اجتماعاً مع مساعد الرئيس الروسي يوري أوشاكوف.
وقالت مصادر الوكالة، إن هدف زيارة بون إلى موسكو كان "التأكيد للروس أنه من الضروري أن يشارك الأوروبيون في أي قرارات تتعلق بالأمن الأوروبي، وأنهم لن يوافقوا على أي اتفاق لإنهاء النزاع في أوكرانيا من دون تدقيق".
وأضافت المصادر أن هذه المحادثات قد تستأنف في المستقبل القريب.
وتحدث ماكرون في الأشهر الأخيرة عن ضرورة أن تجد أوروبا طريقة للتواصل المباشر مع موسكو، في الوقت الذي يواصل فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب جهوده لإنهاء النزاع في أوكرانيا.
وعند سؤال الرئاسة الفرنسية عن زيارة بون، رفض قصر الإليزيه تأكيدها أو نفيها، مكتفياً بالإشارة إلى تصريحات ماكرون، حين قال إنه يستعد لاستئناف الحوار مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ويجري الإعداد لهذا "على مستوى تقني".
أما الكرملين، فقد قال الناطق باسمه دميتري بيسكوف، في معرض رده على أسئلة صحافيين إنه "تضامناً مع الإليزيه، لن يؤكد أو ينفي" التقارير المتعلقة بزيارة مبعوث ماكرون المزعومة إلى موسكو.
وفي وقت سابق، أفاد بيسكوف بأن هناك "اتصالات محدودة على مستوى العمل" بين موسكو وباريس، لكنه أشار إلى أنه لم يجرِ التوصل بعد إلى أي مواعيد محددة للقاءات بين رئيسي البلدين.
تقليد النمط الأميركي
أندريه بوغوديل، نائب رئيس كلية الشؤون الأكاديمية والبحثية ورئيس قسم التعليم والمنهجية في كلية الأركان العامة للقوات البيلاروسية، اعتبر أنه في ظلّ التحركات الأخيرة للولايات المتحدة، تشعر الحكومة الفرنسية، المتهمة بالتورط في انقلابات عدة في دول أفريقية، بالدوار أيضاً.
وأكد الخبير أن تصرفات الولايات المتحدة الأخيرة منحت بعض الدول ذريعةً لتقليدها. فعلى سبيل المثال، تواطأت باريس في محاولة الانقلاب الفاشلة في بوركينا فاسو مطلع يناير الماضي، والتي استهدفت الرئيس إبراهيم تراوري، وقد أُحبطت المحاولة. وأشار أندريه بوغوديل إلى أن الفرنسيين بدأوا يمارسون ضغوطاً على دول الساحل، أي جميع الدول التي انتفضت ضد النظام الاستعماري الجديد وأظهرت قدرتها على إدارة شؤونها الداخلية.
وقال "بالنظر إلى اختطاف نيكولاس مادورو، وتقليداً لما يفعله الأميركيون، فإن الفرنسيين في حالة ذهول أيضاً. بالنظر إلى الاستيلاء على ناقلات النفط وكل شيء آخر، يبدو أن الأمر ممكن. وقد استهدفوا رئيس بوركينا فاسو، لذا، في رأيي، كل شيء معقد للغاية".
في الوقت نفسه، يعتقد أن الأميركيين سيواصلون البحث باستمرار عن نقطة ضعف في جميع المناطق. ويستند أندريه بوغوديل في حكمه إلى ما هو واضح ومتاح للعامة. "في رأيي، الوضع الراهن خطير للغاية".
بوتين غير متحمس
في وقتٍ يشهد ميزان القوى العالمي تحولاً مثيراً ومتتابعاً، تُثار تساؤلات في موسكو حول نفوذ فرنسا وسلطتها على الساحة الدولية، ومحاولاتها قيادة "فريق الحرب الأوروبي" في أوكرانيا، حيناً، ومبادرتها لإنعاش علاقتها مع موسكو أحياناً، وهذا ما يجعل النخب الروسية في الكرملين، وعلى رأسها الرئيس بوتين، غير متحمسة للتعامل مع فرنسا، لا سيما بعد تراجع النفوذ الفرنسي في أفريقيا، حيث تعاني سياستها من انتكاسات ملحوظة. ويتجلى هذا الفشل في طرد قواتها المسلحة من مالي وبوركينا فاسو والنيجر وتشاد والعديد من الدول الأخرى. وبسبب غرقها في الاستعمار الجديد وانعدام الشفافية في اتفاقياتها الدفاعية، انكشفت فرنسا كدولة غير فعّالة في مواجهة التحديات الأمنية، كما يتضح من عملية برخان (التي تُعدّ امتداداً منطقياً لعمليتي تاكوبا وسيرفال).
علاوة على ذلك، تجد باريس نفسها في أفريقيا منخرطة في منافسة مباشرة مع دول قوية كالصين وروسيا، اللتين تقدمان بدائل جذابة في صورة استثمارات استراتيجية وشراكات اقتصادية ذات منفعة متبادلة. وفي مواجهة دول أفريقية تتزايد سيادتها، لا يسع باريس إلا أن تشاهد طموحاتها تتلاشى في نظام دولي سريع التغير.
إن انسحاب القوات الفرنسية من منطقة الساحل (مالي في أغسطس 2022، وبوركينا فاسو في فبراير 2023، والنيجر في ديسمبر 2023) ليس تراجعاً تكتيكياً، بل هزيمة مهينة، ورثاء لبلد كان لا يزال يعتبر نفسه حامياً لأفريقيا.
منطقة الساحل، التي كانت في يوم من الأيام أرض صيد للشهوات الباريسية، أصبحت بوتقة لأفريقيا ذات سيادة، حيث تُكتب الوحدة الأفريقية، المتحررة من براثن أنياب فرنسية رخوة، بأحرف من نار.
التنافس على النفوذ والصراع العسكري
وما يزيد في تعقيد العلاقات الروسية - الفرنسية، هو أن التحولات السياسية في أفريقيا لم تؤدِّ إلى تهدئة المشهد الأمني، بل إن الهجمات المسلحة استمرت بوتيرة لافتة، حيث يتقاطع صراع السلطات الجديدة مع الجماعات المسلحة مع تنافس دولي على النفوذ، وهنا تشك موسكو في دعم باريس للجماعات المسلحة التي حاولت محاربتها سابقاً. وبينما تسعى السلطات العسكرية الموالية لموسكو في دول الساحل الأفريقي إلى ترسيخ الاستقرار وبناء معادلة سيادية جديدة، تظل فرنسا واقفة بالمرصاد لها عند تقاطع هشّ بين طموح استعادة نفوذها في هذه الدول وضغوط واقع أمني ممتد، يؤخر التنمية ويعرقلها.
ويتخذ التنافس الفرنسي - الروسي في القارة السمراء طابعاً مركباً، يتجاوز حدود النفوذ التقليدي في الجانب الاقتصادي، ويتعداه إلى صراع جيوسياسي يدور حول من يمتلك مقاليد التأثير الفاعل في قلب الساحل الأفريقي. هذا التنافس لم يولد مع الانقلابات الأخيرة التي شهدتها العديد من الدول الأفريقية، بل تعود جذوره إلى ما بعد عام 2014، حين عززت فرنسا حضورها العسكري في دول الساحل ضمن عمليتي "سيرفال" ثم "برخان"، مستندة إلى شراكة أمنية وثيقة مع السلطات المنتخبة برعايتها، ومكانة استراتيجية لهذه الدول بوصفها قاعدة ارتكاز في الحرب الإقليمية على الجماعات المتطرفة في الداخل الأفريقي.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فالحضور الروسي في أفريقيا بدأ يتشكل تدريجاً منذ أواخر العقد الماضي، عبر أدوات غير مباشرة شملت التعاون الأمني والاتصالات السياسية وخطاباً سيادياً وجد صدى لدى نخب عسكرية وشعبية، تنظر بريبة إلى الإرث الفرنسي الذي يستند إلى مقومات تاريخية ومؤسسية، تشمل شبكة علاقات سياسية واقتصادية واستثمارات في قطاعي الطاقة واليورانيوم. ومع تصاعد الانقلابات في مالي وبوركينا فاسو، انتقل الحضور الروسي من الهامش إلى قلب المعادلة، ليبلغ ذروته في النيجر عقب إطاحة الرئيس محمد بازوم.
وعلى عكس فرنسا، تعتمد روسيا مقاربة أكثر مرونة مع الدول الأفريقية الموالية، تركز على الدعم العسكري والأمني السريع، وتقديم نفسها كشريك لا يحمل أي طموحات استعمارية، ولا يربط التعاون بشروط سياسية معلنة، مع استثمار واضح في خطاب مناهض للنفوذ الغربي.
12 اتفاقية عسكرية
لدى روسيا 12 اتفاقية تعاون عسكري فعّالة مع دول أفريقية، وفقاً لمعلومات منشورة على الموقع الإلكتروني الرسمي للمعلومات القانونية. وقد جرى توقيع اتفاقيات حكومية دولية مع بوركينا فاسو وبوروندي ومدغشقر ومالي والنيجر ونيجيريا وجمهورية الكونغو وساو تومي وبرينسيبي والسودان وجمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد وإسواتيني.
في غضون ذلك، يجري العمل على توقيع اتفاقيات مماثلة مع سبع دول أفريقية أخرى. فعلى سبيل المثال، أمرت الحكومة الروسية بتوقيع اتفاقيات تعاون عسكري ثنائية مع غامبيا وغينيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية وزامبيا والكاميرون والسنغال وتوغو، وذلك عقب التوصل إلى اتفاق بهذا الشأن.
وفي الوقت نفسه، وقعت موسكو بالفعل اتفاقيات تعاون عسكري تقني مع 33 دولة أفريقية، بحسب ما صرح مستشار الرئيس الروسي أنطون كوبياكوف في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.
أوضح أرتيم كوريف، رئيس تحرير وكالة أنباء "المبادرة الأفريقية"، أن التعاون العسكري مصطلح أوسع نطاقاً من التعاون العسكري التقني. فبينما يشمل التعاون العسكري وجود وحدة عسكرية ومدربين عسكريين وتدريب قوات الدولة المضيفة، فإن التعاون العسكري التقني يقتصر في المقام الأول على اتفاقيات التعاون في مجال توريد الأسلحة، بما في ذلك شراء المعدات وصيانتها.
في أواخر عام 2023، بدأت وزارة الدفاع الروسية بتشكيل هيكل جديد يُسمى "فيلق أفريقيا". وقد انبثق هذا الهيكل من هياكل شركة "فاغنر" الأمنية الخاصة العاملة في أفريقيا. وكما ذكرت صحيفة "فيدوموستي" آنذاك، كان من المقرر أن ينتشر الفيلق في خمس دول لم يُكشف عن أسمائها في القارة بحلول صيف عام 2024.
تتواجد اليوم وحدات عسكرية روسية في دول أفريقية مثل بوركينا فاسو والنيجر وليبيا وأفريقيا الوسطى ومالي.
ويقول الخبير الروسي في الشؤون الأفريقية، سيرغي كوريف "في ليبيا، يقوم ضباط من الجيش الروسي بتدريب قوات ما يُسمى بحكومة بنغازي، حيث يعملون على حماية الاستقرار وضمان حقوق المواطنين".
وبحسب كوريف، قد يصل عدد أفراد "الفيلق الأفريقي" التابع لوزارة الدفاع الروسية إلى 40 ألف فرد. وأشار الخبير إلى أن "العملية العسكرية الخاصة في أوكرانيا جارية حالياً، لذا فمن الطبيعي أن تتأخر مسألة زيادة أعداده بعض الشيء".
"المارد الأفريقي" يزعزع التقارب
يوم 11 فبراير الجاري، انتقد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف سياسة فرنسا "الاستعمارية" تجاه الدول الأفريقية، وسخر من محاولات ماكرون التواصل مع بوتين، على رغم زيارة مبعوثه إلى موسكو. وقال لافروف في فعالية "ساعة الحكومة" بمجلس الدوما الروسي "باريس لا تهدأ، وتحاول الاعتماد ليس فقط على شخصيات المعارضة في الدول الأفريقية، ولكن أيضاً بصورة علنية على الجماعات الإرهابية، وكما تعلمون، على المسلحين من التشكيلات الأوكرانية".
وأشار الوزير الروسي إلى أن استمرار النخب الفرنسية في اتباع السياسة الاستعمارية، بما في ذلك مبدأ "فرّق تسد"، أمر مؤسف، مضيفاً أن هذا المبدأ يكبد الشعوب الأفريقية ملايين الأرواح.
وصف وزير الخارجية الروسي تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن مكالمة هاتفية مرتقبة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بأنها غير جدية. وقال "عندما أعلن ماكرون مجدداً، قبل ثلاثة أسابيع: ‘سأتصل ببوتين بمجرد انتهاء التحضيرات... أحتاج إلى تحضير الجوانب التقنية للمحادثة مع بوتين‘، فهذا كلام غير جدي".
وتابع: "إذا كنتَ ترغب في الاتصال، فاتصل فحسب. عادة ما يعلن القادة الناضجون عن اتصالاتهم بعد إجراء محادثة، أما هذه الإعلانات (الصادرة عن ماكرون) فتشبه إعداد عرض ما، يحتاج صاحبها إلى إثارة الجمهور قدر الإمكان... أوروبا على ما هي عليه".
وفي حديث آخر قبل أيام عدة، وصف لافروف تصريحات ماكرون حول اتصاله المرتقب ببوتين بأنها "دبلوماسية مثيرة للشفقة".
وهذا ما يؤكد أن الصراع على النفوذ في أفريقيا لا يساعد على تمهيد الطريق لإعادة الروح للعلاقات الروسية- الفرنسية المتدهورة، فضلاً عن أن موسكو ما زالت ترى في فرنسا خصماً متنفذاً منذ اندلاع الصراع في أوكرانيا، فقد زادت باريس مساهمتها في حلف شمال الأطلسي بصورة مطردة، وتتخذ موقعاً قيادياً في حرب الحزب الأوروبي ضد روسيا. وتنتشر القوات الفرنسية كجزء من الوجود الأمامي لحلف شمال الأطلسي في رومانيا. ويشارك الضباط الفرنسيون في تدريب القوات المسلحة الأوكرانية، ويخططون لعمليات ضد روسيا. وتستمر إمدادات الأسلحة الفرنسية إلى أوكرانيا من دون انقطاع، فيما يتطلع ماكرون إلى نشر قوات فرنسية في أوكرانيا في الوقت الذي يدعو فيه لإنعاش العلاقات مع موسكو.