ملخص
يأتي توجه الصين نحو ذهب أفريقيا في وقت تضاعف فيه سعر المعدن الأصفر عالمياً أكثر من مرتين خلال عام واحد، إذ تجاوز العتبة التاريخية المقدرة بـ5 آلاف دولار للأونصة.
ونجحت الصين منذ عقود في تكريس نفوذ غير مسبوق في القارة السمراء من بوابة القروض والاستثمارات في مجال البنى التحتية وغيرها.
في تحول يحمل دلالات سياسية واقتصادية على حد سواء، نجحت الصين في الاستحواذ على مناجم للذهب في كل من مالي وإثيوبيا وساحل العاج، في توقيت حساس تسجل فيه الأسواق الدولية ارتفاعات قياسية في سعر المعدن الأصفر.
ووصفت إذاعة فرنسا الدولية الصفقات الضخمة، التي أبرمتها شركة "زيجين ماينينغ"، بـ"الهجوم الصيني الواسع" على الذهب الأفريقي، إذ بلغ حجم هذه الصفقات 28 مليار يوان (ما يعادل 3.9 مليار دولار)، ويشمل مناجم قيد الإنتاج.
وتعتبر مالي من أكبر منتجي الذهب في أفريقيا بعد غانا وجنوب أفريقيا، لكن الاضطرابات السياسية والأمنية تعرقل استغلال المعدن الأصفر من الحكومة المركزية في باماكو.
أما ساحل العاج فتعرف طفرة في التعدين، وسط تكهنات بأن تتحول إلى قطب رئيس لإنتاج الذهب في القارة، فيما تملك إثيوبيا احتياطات واعدة، لكن البنية التحتية الهشة تعوق تطوير القطاع.
ملاذ آمن وسلاح سياسي
ويأتي توجه الصين نحو ذهب أفريقيا في وقت تضاعف فيه سعر المعدن الأصفر عالمياً أكثر من مرتين خلال عام واحد، إذ تجاوز العتبة التاريخية المقدرة بـ5 آلاف دولار للأونصة.
ونجحت الصين منذ عقود في تكريس نفوذ غير مسبوق في القارة السمراء، من بوابة القروض والاستثمارات في مجال البنى التحتية وغيرها.
ويعتقد الباحث السياسي نزار مقني أن "صفقات الصين في الذهب الأفريقي لا تبدو خبراً اقتصادياً عابراً، بل أقرب إلى عنوان في فصل كامل من فصول الصراع الدولي، إذ إن من يملك الموارد يملك القرار، ومن يحكم قبضته على الذهب والمعادن النادرة يحكم قبضته على القرن الـ21".
وتابع مقني "في ظاهره يبدو الأمر استثماراً طبيعياً في سوق صاعدة، لكن ما وراءه هو الأهم، وهو أن الصين تعيد رسم خريطة النفوذ داخل القارة السمراء".
وشدد على أن "توقيت هذه الصفقات ليس تفصيلاً، فالعالم يعيش على وقع اضطراب شامل، حيث حروب معلنة وأخرى مؤجلة، واقتصاد دولي يتنفس بصعوبة، وأسواق لا تثق إلا في معدن واحد لا يعرف التصريحات السياسية ولا البيانات الصحافية، وهو الذهب"، لافتاً إلى أن "في هذه اللحظة، ومع تشقق الثقة في العملات والأسواق، يعود الذهب لدوره القديم كملاذ آمن وسلاح سياسي أيضاً والصين تعرف ذلك، وربما أكثر من غيرها، لأنها تدرك أن الصراع مع الغرب لم يعد على الحدود فقط، بل على العملة والاحتياط وقوة التمويل".
عملية تمركز
وعلى الأرجح تسعى الصين إلى استغلال انتكاسات الغرب المتوالية في أفريقيا لبسط نفوذها على المعادن الثمينة، إذ دخلت في السنوات الماضية شركات غربية عدة عاملة في مجال الذهب في خلافات حادة مع دول أفريقية على غرار "باريك غولد" الكندية.
ويعتقد مقني أنه "لا ينبغي أن ننسى أن أفريقيا في المخيال الاستراتيجي للقوى الكبرى ليست قارة بعيدة، بل خزاناً المواد الخام الذي يقرر مستقبل الصناعات، لذلك فإن شركة ’زيجين ماينينغ‘ لم تكتف بصفقة واحدة، بل توجهت لشراء مناجم رئيسة عدة. مناجم قيد الإنتاج في مالي، ومناجم قيد الإنتاج في ساحل العاج، ومشروع كبير في إثيوبيا من المقرر تشغيله في عام 2026".
وأكد أن "هذه ليست مجرد حركة تجارية، بل عملية تمركز، فالصين لا تدخل أفريقيا لكي تشتري ثم تخرج، بل لتبقى. الصين لا تنافس الغرب في أفريقيا بالطائرات ولا بالأساطيل، بل تنافسه بشيء أكثر فعالية، وهو الاستثمار الذي يتحول إلى نفوذ".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
حصانة اقتصادية
وباتت أفريقيا منذ سنوات ساحة للتنافس بين القوى الدولية، إذ نجحت روسيا والصين في ترسيخ نفوذ أمني وعسكري واقتصادي كبير على أنقاض النفوذ الغربي، الذي تلاشى خصوصاً في غرب القارة إثر انقلابات عسكرية مثيرة.
وقال الباحث السياسي المتخصص في الشؤون الأفريقية محمد تورشين إن "اندفاعة الصين نحو ذهب أفريقيا ومعادنها النادرة يعود لسببين، الأول هو رغبة بكين في الاستحواذ المطلق والكبير على الذهب والمعادن الثمينة في القارة، خصوصاً وأن لها تاريخاً طويلاً من استغلال هذه الثروات، وبالتالي لديها الخبرة في استخراجها وغير ذلك، وهذه الصفقات تعزز مكانتها الدولية".
وأردف تورشين أن "السبب الثاني هو أن محاولة الاستفادة من ذهب أفريقيا له انعكاس على الاقتصاد الصيني، خصوصاً أن بكين تربطها علاقات جيدة مع هذه الدول على غرار مالي وساحل العاج".
وأشار إلى أن "الصين تدرك أن الرهان على الذهب الأفريقي يمكن أن يوفر لها حصانة وملاذاً في حال نشوب حرب مع الولايات المتحدة، إذ يتيح لها المعدن الأصفر حماية لاقتصادها".
معضلة أفريقية
مع ذلك، حذرت تقارير دولية من أن الصفقات الصينية المتسارعة في الذهب الأفريقي تفتح ملفاً شديد الحساسية، وهو اعتماد الدول المنتجة في أفريقيا على الشركات الأجنبية والأثر البيئي للتعدين وطبيعة توزيع العائدات.
ويعتقد الباحث السياسي نزار مقني أن "هذا هو جوهر المعضلة الأفريقية، فحين تدخل الشركات الكبرى إلى بلدان أفريقية هشة، لا تكون المشكلة في الاستثمار نفسه، بل في قدرة الدولة على ضبطه. الصين مثل غيرها تبحث عن مصلحتها أولاً، ومن واجب الدول الأفريقية أن تبحث عن مصالحها أيضاً، لكن التاريخ يقول إن الطرف الأضعف في التفاوض يدفع الفاتورة دائماً". ويرى أن "في خلفية التمدد الصيني الهادئ في قطاع التعدين، تبرز معادلة دولية آخذة في التشكل داخل أفريقيا، تقوم على نوع من تقاطع الأدوار بين بكين وموسكو، فبينما تتقدم الصين عبر قوة الاقتصاد بشراء المناجم وتأمين الموارد الاستراتيجية طويلة الأمد، تستثمر روسيا بالتوازي في قوة الأمن عبر عقود الحماية والتسليح وتثبيت الأنظمة في مناطق هشة، لا سيما في دول الساحل وغرب أفريقيا".
واستنتج مقني أنه "بذلك تبدو القارة أمام نموذج نفوذ جديد لا يعتمد على الاحتلال أو القواعد العسكرية المباشرة، بل على تقسيم عمل غير معلن، حيث الصين تمسك بالذهب والمعادن وسلاسل الإمداد، وروسيا تمسك بالأمن وإدارة الأخطار، في وقت يتراجع فيه الحضور الغربي تدريجاً تحت ضغط الإرث الاستعماري، وارتفاع الكلفة السياسية للتدخل، وانشغال أوروبا بالحرب في أوكرانيا. وهذا ما يجعل الذهب الأفريقي ليس مجرد مادة خام، بل جزء من إعادة رسم موازين القوى داخل القارة، وربما في النظام الدولي ككل".