Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"عش الطمع" مسلسل مغربي ينكأ جرح الاتجار بالرضع

يرى كثير من المشاهدين والمتابعين أنه نجح في تجاوز الثنائية التقليدية التي تجابه الخير بالشر والأبيض بالأسود

تطرق مسلسل "عش الطمع" إلى ظاهرة الأمهات العازبات في المغرب لكونها أحد أبرز الأسباب التي تفضي إلى جرائم الاتجار بالأطفال (وسائل التواصل)

ملخص

يتطرق مسلسل "عش الطمع"، لمخرجه الشاب أيوب الهنود، إلى موضوع اجتماعي شائك قلما تطرقت إليه الإنتاجات الدرامية المغربية، باعتباره أحد "التابوهات" المجتمعية المسكوت عنها، وهو الاتجار بالرضع والأطفال حديثي الولادة، فضلاً عن ظاهرة "الأمهات العازبات".

بصم المسلسل الدرامي "عش الطمع"، الذي يعرض في شهر رمضان الجاري على القناة الأولى الحكومية في المغرب، على انطلاقة قوية، آملاً في التربع على قائمة أكثر الأعمال التلفزية مشاهدة في خريطة البرامج الرمضانية لهذا العام.

ويتطرق مسلسل "عش الطمع"، لمخرجه الشاب أيوب الهنود، إلى موضوع اجتماعي شائك قلما تطرقت إليه الإنتاجات الدرامية المغربية، باعتباره أحد "التابوهات" المجتمعية المسكوت عنها، وهو الاتجار بالرضع والأطفال حديثي الولادة، فضلاً عن ظاهرة "الأمهات العازبات".

وفي وقت يرى بعضهم أن هذا المسلسل يحمل في طياته بذور النجاح والتألق والتفرد لتطرقه إلى موضوع غير مستهلك، يلفت آخرون إلى أنه عمل ظهر متأثراً بالدراما المصرية، مع جرعة زائدة من مشاهد "العنف" تبث في رمضان، شهر الرحمة.

علاقات متشابكة

بحبكة تشويقية تصاعدية، انطلقت مشاهد المسلسل الدرامي "عش الطمع"، المعروض حالياً على شاشة القناة الأولى، باقتحام البطلة "حنان"، التي اتخذت لها اسماً مستعاراً "ماريا"، من أجل الغوص في أعماق عصابة نسائية بأحد الأحياء الشعبية، تقوم بالاتجار في الرضع والمواليد الجدد.

وتتفاجأ ماريا، التي تعرضت لانتزاع رضيعها، باقتحام شبكة معقدة من العلاقات الاجتماعية والنفسية والإنسانية للعصابة النسائية التي تقودها امرأة صارمة الملامح تدعى "شاما"، والمحاطة بنساء يقوين عضدها في تنفيذ الأنشطة غير المشروعة، وبدعم أيضاً من بعض الشباب من ذوي السوابق.

ويستعرض المسلسل، الذي جاء ثمرة لكتابة جماعية من بسمة الهجري وإيمان عزمي وجواد لحلو، مسارات بحث الأم، التي قدمت نفسها لشبكة الاتجار بالرضع على أنها تعمل مولدة (قابلة)، عن الحقيقة داخل سراديب من المتاهات والتواطئات وعلاقات الابتزاز والتهديد والوعيد، مما عقد مهمة العثور على ابنها، وأيضاً فضح صفقات بيع الرضع.

وتطرق المسلسل المذكور إلى ظاهرة الأمهات العازبات، لكونها أحد أبرز الأسباب التي تفضي إلى جرائم الاتجار بالأطفال حديثي الولادة، إذ تضطر "الأم العازبة"، نتيجة حمل غير شرعي، في عدد من الأحيان إلى "بيع رضيعها" أو التخلص منه بطريقة أو بأخرى.

ويحسب للمسلسل، وفق عدد من المشاهدين والمتابعين، أنه نجح في تجاوز الثنائية التقليدية التي تجابه الخير بالشر، والأبيض بالأسود، إذ حاول العمل المذكور سبر أغوار الشخصيات لإفهام المشاهد أن الأمر يتعلق بتقاطعات متشابكة لعلاقات اجتماعية واقتصادية تنبني على المنفعة والمصلحة و"السلطة للأقوى" داخل حي شعبي، يأوي عدداً من النماذج البشرية العصية على الاستيعاب والاحتواء والخارجة عن "قوانين الأخلاق والضمير".

وفي مقابل ثنائية "الخير والشر" المعمول بها في كثير من الأعمال الدرامية "الكلاسيكية"، انبرى مخرج "عش الطمع" ليضع ثنائية في مقابل أخرى تتمثل في الاستسلام والمقاومة، إذ بدت شخصيات ترضخ لواقع المر أمام غواية المال، بينما ظهرت أخرى مقاومة لهذا التردي الأخلاقي والاجتماعي.

جرعة العنف وتأثير الدراما المصرية

في المقابل، يقول مصطفى الطالب، ناقد فني وسينمائي، إنه للوهلة الأولى يبدو أن مسلسل "عش الطمع" يتطرق فعلاً إلى موضوعين اجتماعيين يتمثلان في الاتجار بالرضع والمخدرات، وهو ما يمنحه قيمة اجتماعية واضحة، لا سيما أنه سعى إلى اعتماد مقاربة واقعية تعزز صدقية الطرح، إلى جانب أداء جيد لعدد من الممثلين والممثلات ولمسة فنية تضمن له قدراً من التفرد.

وعلى رغم هذا الاجتهاد الغني، يورد الطالب عدداً من الملاحظات في شأن المسلسل المذكور، ويقول "أولاً هو يكرس تأثير الدراما المصرية في الإنتاج الدرامي المغربي، مثل السنة الماضية مع مسلسل ’الدم المشروك‘، فالدراما المصرية كانت سبقت في معالجة مواضيع المخدرات والاتجار بالبشر والأطفال وغيرها من القضايا التي تستهوي شريحة معينة من المتفرجين، بخاصة الشباب، من خلال عناصر التشويق وشخصيات مستمدة من واقع العصابات والمافيا وتجار المخدرات، بـ’ستايل‘ مختلف عن بقية الناس".

وثاني الملاحظات، وفق الناقد عينه، أن هناك تأثيراً واضحاً لبعض الأفلام المغربية في "عش الطمع"، وهي أفلام تطرقت إلى عالم الجريمة والمخدرات والتهريب والاتجار بالبشر، بالشخصيات السيكوباتية نفسها تقريباً، وبمشاركة بعض الممثلين الذين أعادوا أداء الأدوار ذاتها وبالواقعية الفجة نفسها، وأحياناً باستعادة بعض المشاهد الفيلمية. يضاف إلى ذلك عنصر العنف اللفظي والجسدي، الذي يوظف بكثرة في مثل هذه القصص.

ولفت الطالب، في هذا الصدد، إلى أن القناة الأولى زادت في الآونة الأخيرة من جرعة العنف في المسلسلات التي تقدمها، بهدف استقطاب جمهور عريض في ظل منافسة غربية وعربية شرسة. غير أن هذا التوجه لم يعتد عليه الجمهور المغربي، بخاصة في شهر رمضان الفضيل، مبرزاً أن "هذه الأعمال موجهة إلى الأسرة، بما في ذلك الفئة الناشئة التي ينص قانون "الاتصال السمعي البصري" على ضرورة حمايتها من مشاهد العنف، ومنها مشاهد وردت في إحدى حلقات "عش الطمع".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأما الملاحظة الثالثة، يكمل الطالب، فتتعلق بعنوان هذا العمل الدرامي، إذ إن اسم المسلسل لا يحمل عنصر التشويق أو الإثارة بالقدر الكافي، فضلاً عن أنه يبدو سطحياً لا يرتبط بصورة واضحة بقصة العمل أو عوالمه، من دون إغفال ضعف بعض المشاهد التي حاولت إضفاء لمسة كوميدية على المسلسل من دون انسجام تام مع سياقه العام.

وساق الطالب ملاحظة رابعة تتمثل في أن "الدراما الاجتماعية المغربية، إلى غاية الآن، استنفدت أغراضها وبدأت تسقط في التكرار على مستوى القصص والرتابة في المشاهد والحوارات، وبالتالي حان الوقت لإعطاء فرصة أكبر للدراما التاريخية العميقة وللدراما الأدبية التي تنبش في المتن الأدبي المغربي، الذي سئمت منه رفوف المكتبات من وطأة الإهمال والرطوبة"، وفق تعبيره.

استلهام من أحداث واقعية

من جهتها، قالت الباحثة في علم الاجتماع ابتسام العوفير، في هذا السياق، إن هذا المسلسل يتطرق إلى موضوع لم يطرح سابقاً في الدراما المغربية، مما يمنحه نقطة قوة، إذ تسلح بالجرأة والشجاعة لإثارة هذا "التابو" بطريقة حذرة، بعناصر تشويقية تتضمن المكان والشخصيات التي أتقنت الأدوار المنوطة بها.

وأفادت المتحدثة ذاتها بأن هذا العمل مقتبس من قصص واقعية تتعلق بالاتجار بالبشر، خصوصاً المتاجرة بالرضع والأطفال المولودين حديثاً من أمهات عازبات بالأساس، يضطررن تحت مطرقة الحاجة وسندان الهشاشة الاجتماعية والاقتصادية إلى التخلي عن فلذات أكبادهن لصالح جهات تتحين مثل هذه الفرص لتبني أطفال، أو استعمالهم في أعمال التسول وغير ذلك، بينما الوسطاء في هذه العمليات يجنون الأموال الوفيرة.

وبدا واضحاً أن كاتبي قصة مسلسل "عش الطمع" استلهموها من حوادث واقعية تتعلق بالاتجار في الرضع حديثي الولادة، وبخاصة الحادثة الشهيرة التي شهدتها المدينة في عام 2024، عندما فككت السلطات الأمنية شبكة معقدة للاتجار بالرضع، عبر استغلال حاجة "الأمهات العازبات".

وتتلخص القصة التي هزت الرأي العام المغربي حينها في توقيف أكثر من 35 شخصاً، من بينهم 18 حارس أمن وطبيب واحد وممرضتان ووسطاء وأشخاص آخرون كانوا يعملون داخل شبكة للمتاجرة بالرضع والحصول على أموال طائلة، بالتواطؤ مع "أمهات غير متزوجات" لإخراج رضع حديثي الولادة من المستشفى بدعم من الطبيب والممرضتين.

وفي حالة أخرى، اعتقلت السلطات الأمنية مساعدة صيدلي في عقدها الخامس داخل مستشفى حكومي بمدينة الدار البيضاء، منتحلة صفة ممرضة أو طبيبة بارتدائها مريولاً أبيض، وكانت متلبسة بالتفاوض مع سيدة ولدت توأماً، بهدف تسليمها أحدهما في مقابل مبلغ مالي كبير.

وقبل هذه الحادثة أيضاً، شهدت مدينة المحمدية واقعة "شراء" سيدة كانت تعاني العقم رضيعة حديثة الولادة من أم عازبة، وقالت للشرطة عند اعتقالها إنها متزوجة منذ أعوام، وإنها اهتدت إلى هذه الطريقة حتى لا يطلقها زوجها بسبب عدم الإنجاب.

اقرأ المزيد

المزيد من فنون