Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

تطبيقات التواصل تداوي "غربة رمضان" لدى اللبنانيين

المغتربون والسجناء ونزلاء دور الرعاية يتشبثون بالشاشة لكسر العزلة

التطبيقات الرمضانية تكسر الشعور بالوحدة خلال الشهر الفضيل (أ ف ب)

ملخص

قلص الهاتف والتطبيقات المسافات بين الأهالي المقيمين داخل لبنان والأبناء في الاغتراب، إذ يتشارك هؤلاء الطقوس الرمضانية وجلسات الدعاء والصلاة. وينسحب الأمر على نزلاء السجون الذين يعيشون واقعاً صعباً، ناهيك بالمقيمين في دور الرعاية والأطفال الأيتام وفي المستشفيات.

على مائدة الإفطار في رمضان، يحتل "الفيديو كول" مساحة واسعة، فهو رفيق العائلة الدائم وصلة الوصل بين الأهل المقيمين داخل لبنان، وأولئك الذين يعيشون في المهجر. عند غروب كل يوم، تقوم السيدة رولا بعقد اتصال جماعي لجمع من فرقتهم المسافات، فهي منذ أن سافر ابنها البكر إلى ألمانيا لإكمال دراسته، تبقى على اتصال دائم معه ومع إخوته من خلال "غروب العائلة"، إلا أن المشهد في رمضان يتخذ بعداً وجدانياً، وأكثر حميمية. تقول السيدة الخمسينية "تتجدد الغصة في كل عام مع الإفطار الأول، وأجد نفسي شبه وحيدة لولا الاتصال عبر الفيديو. فلقد خفف من ألم الغربة، ولكن يبقى للاتصال المباشر نكهة مختلفة". تضع السيدة رولا الهاتف قبالتها على الطاولة، تقوم بتقييم الأطباق وتنتظر بعض الشيء إلى أن يحين موعد الآذان في برلين، ومع تذوق كل طبق تردد "يا ليتك كنت إلى جانبنا، أعلم أنك تحبها، وإن شاء الله خلال العام المقبل تجتمع العائلة حول مائدة واحدة". تقول السيدة "لقد خففت الاتصالات من حدة الغربة، ولا يقتصر الاتصال على وقت الإفطار، ولكن في كثير من الأحيان نتشارك، ابني وأنا، في إعداد بعض الأطباق، أرشده إلى كيفية طهي الأكلات اللبنانية وإعداد السلطات والحساء، وألح عليه لتنويع الأطباق كي لا يتضور جوعاً خلال فترات الصيام الطويلة".

التطبيقات في قلب رمضان

دخل الهاتف إلى صلب الأجواء الرمضانية، وأصبح جزءاً لصيقاً من الحياة العائلية. ويلفت المتخصص التكنولوجي عمر قصقص "دخلت التطبيقات الرقمية شيئاً فشيئاً إلى صلب الأجواء الرمضانية، لا بل إنها أصبحت جزءاً منها على غرار المسلسلات ولمة العائلة، وأصبح الهاتف شريكاً في العادات والتقاليد التي تنتشر عبر الشاشة".

لا يقتصر دخول التطبيقات على مستوى التواصل، وإنما يتجاوزها إلى مستوى الطقوس وتعليم الطبخ. ويلاحظ عمر قصقص ازدهاراً كبيراً لمتجر التطبيقات التي تشمل العبادات ومواقيت الصلوات والبث المباشر لصلاة التراويح، وأصبحت هذه التطبيقات شريكة الشباب المغترب في يومياته الذي يلجأ إلى تطبيقات دليفري لأطباق تشبهه ثقافياً واجتماعياً.

يعتقد قصقص أن "ثمة تطبيقات غيرت العادات اليومية، التي خلقت ديواناً رمضانياً في الفضاء الافتراضي"، وأسهم "واتساب" إلى جانب باقي التطبيقات في خلق جو عائلي وجلسات أصدقاء، إذ بات هناك "سهرات أونلاين، ازدهرت في أعقاب جائحة كورونا"، منوهاً "لم تدخل التطبيقات أجواء رمضان فحسب وإنما أصبحت جزءاً منه، ونقلت أجواء رمضان من المستوى التقليدي إلى التفاعل الرقمي". و"أسهمت التطبيقات في كسر شعور الغربة لدى المغتربين، والمقيمين بعيداً من عائلاتهم". وبحسب قصقص "في السابق، كان رمضان يمر ببرودة وأجواء الوحدة بسبب غياب لمة العائلة أو صوت المسحراتي، ولكن هذه المشاعر تراجعت بفعل مكالمات الفيديو على الإفطار ومجموعات ’واتساب‘ العائلية ونقل صلاة التراويح، والفضائيات التي تبث البرامج المحلية والمسلسلات".

يعتقد قصقص أن "التكنولوجيا قلصت المسافات إلا أنها لم تتمكن من إضفاء اللمسة العاطفية والإنسانية التي نشعر بها حول المائدة العائلية"، و"ما زال هناك فارق بين رؤية رمضان على الشاشة أو عيشه على أرض الواقع بين الأهل". كذلك "تنتشر بين كبار السن تطبيقات القرآن ومواقيت الصلاة، إلى جانب التطبيقات التي تشعرهم بالتواصل شبه المباشر والقرب من الناس على غرار "فيسبوك" و"واتساب"، إضافة إلى "يوتيوب" الذي يضج بالقراءات القرآنية والخطب والمسلسلات العربية القديمة التي يمكنهم تكرارها واسترجاع الذكريات.

تكريم الأيتام

يشكل شهر رمضان مناسبة استثنائية لرعاية الأطفال الأيتام والمقيمين في دور الرعاية. في منشأة دار الأيتام الإسلامية يحاول المشرفون والمشرفات تعويض الأطفال الصائمين عن الشعور بالفقد والوحدة. ويلفت مدير المنشأة في سير الضنية شمال لبنان رامي علم، نبذل قصارى جهدنا في رعاية 70 طفلاً وطفلة في الدار، متحدثاً عن تكافل اجتماعي ملحوظ، وإقبال المحسنين لإشعار الأطفال بقيمة صيامهم وجهدهم. ويلفت "أصبح الجدول اليومي شبه مكتمل، إذ يقوم أهل الخير بدعوة الأطفال إلى مائدة العشاء، وبعضهم يقدم لهم فعاليات وألعاباً للتسلية وقضاء أوقات مليئة بالفرح". كذلك يتطرق علم إلى فتح الدار الباب واسعاً أمام السماح للأطفال بقضاء بعض الأيام في كنف أجدادهم والأوصياء عليهم، أيضاً تنظم الدار موائد الإفطار الجماعي للأطفال والمتبرعين، واحتفاليات استقبال رمضان والعيد.

السجناء أقرب

يعود رمضان مثقلاً بهموم السجناء، إذ يكرر هؤلاء شكواهم من الاكتظاظ وتأخير المحاكمات وسوء الخدمات ونقص التغذية. وتشهد هواتف السجن ازدحاماً وتسابقاً على الهاتف لإجراء مكالمات قصيرة، وطمأنة الأهل في بداية الشهر الفضيل أن الأمور ستسير بخير. يتحدث أحمد الذي يقطن مع 15 سجيناً آخر في غرفة صغيرة بطول ثلاثة أمتار وعرض ثلاثة أمتار، عن وجع السجناء في رمضان بسبب البعد من الأهل. ويشير إلى الحصول على كميات قليلة من الخضراوات والفاكهة، بمعدل موزة وليمونة يتقاسمها كل سجينين، ورأسي بندورة لكل خمسة سجناء. ويشرح كيف يكسر "الاتصال الهاتفي بالأهل الحصار الذي يعيشه السجناء". وتكشف الناشطة الحقوقية رائدة الصلح عن "بعض أوجه النشاط الرمضاني في السجن، إذ أنشأ السجناء موقداً سرياً"، لأن المواقد ممنوعة في الغالب، إذ يبتكر السجناء وسائل تسخين بدائية مثل استخدام الأسلاك الكهربائية لتسخين المياه. كذلك "يلجأ السجناء في السجون التي تمنع الهواتف إلى الرسائل الورقية"، فيما ينتظر كثر "إدخال طبلية طعام من تحضير الأمهات أو الزوجات، وهو أمر ممنوع حالياً في سجون لبنان" حسب الصلح، التي تتحدث عن محاولات للتعويض من خلال "التكافل في إعداد الطعام وتجميع ما تقدم من إدارة السجن، ومن ثم إضافة بعد المعلبات والمنكهات إليه"، ناهيك بجلسات الذكر والصلوات الجماعية.

اخترنا لبنان

لعب الهاتف دوراً كبيراً في تقصير المسافات، إلا أن شريحة ملحوظة من المغتربين فضلت القدوم أو ستأتي قريباً إلى لبنان لقضاء بعض الأيام خلال رمضان بين الأهل والأصحاب. وتعد السيدة هناء واحدة من هؤلاء، وهي للعام الثاني على التوالي تحرص على أخذ إجازتها السنوية خلال الشهر المبارك. تتحدث عن "نكهة مختلفة لشهر رمضان في لبنان"، مشيرة "في البلاد الإسكندنافية نفتقد لمات الأهل والأصحاب، في ظل ساعات صيام طويلة للغاية". وتلفت "نحاول تجاوز شعور الغربة من خلال تزيين المنازل وتجهيز أنظمة الصوت في المنزل بالأناشيد والموشحات العربية، كذلك نشتري ملابس مطرزة وفوانيس للأطفال، ولكن للحياة في لبنان نكهة مختلفة على رغم جميع الأزمات التي تمر بها البلاد". وتؤكد هناء "عندما آتي إلى لبنان، أصر على جمع العائلة كما كانت أمي المرحومة تفعل، إذ يتحول منزل العائلة إلى حاضن لأكبر إفطار رمضاني منذ أعوام"، و"بت أحضر معي أولادي الذين تغيرت نظرتهم إلى البلاد بعدما قضوا في زيارتها مدة من الزمن".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

رمضان فرصة جديدة

يمتاز شهر رمضان عن باقي الأشهر بالأجواء العائلية والاجتماعية، لذلك فإن "ألم البعد يكون مضاعفاً" وفق علماء الاجتماع. ويقول المتخصص في علم الاجتماع عبدالحميد عزو "يحظى المجتمع اللبناني بشريحة كبيرة من المهاجرين والمغتربين من أجل العمل أو الدراسة، بالتالي فإن البعد لصيق مع العائلة اللبنانية، إذ تفتقد كل منها إلى شخص يعز عليها غيابه". وتطرق إلى "استبدال الجمعات العائلية بالفيديو كوول من أجل تشارك أجواء رمضان"، و"الأمر ينسحب على السجناء أو الأشخاص المقيمين في المستشفيات بسبب المعاناة من أمراض صعبة والموجودين في دور الرعاية، أو حتى البعيدين بسبب ظروف العمل حيث يشعر هؤلاء بالاهتمام". ولكن في المقابل، يلاحظ عزو "تراجعاً في العلاقات الاجتماعية على أرض الواقع. ففي السابق، كانت هناك عادة السكبة وإرسال الطعام إلى الجيران، وغيرها من العادات التي اندثرت بفعل المدنية، فيما تتمسك بعض العائلات بالدعوات على العشاء داخل المنازل لما فيها من أجواء عائلية".

يرى عزو أن الشعور بالبعد يكون مضاعفاً في مراكز الرعاية، ويقول "لا شك أن أبناء وأحفاد بعض المسنين، وهؤلاء أقلية، يحاولون مشاركة ذويهم اللحظات اليومية والمناسبات الاجتماعية. ولكن خلال معظم الأوقات يُترك المسن داخل المركز وحيداً، إذ يأتي رمضان وهو يعيش حالة من العزلة والوحدة". وينطلق عبدالحميد عزو من مبادئ علم الاجتماع التي تعتقد أن الإنسان كائن اجتماعي يشعر بالأمن والطمأنينة والسلام عندما يشارك الطقوس مع أقاربه وأحبائه، وهو ما يجب أخذه في الاعتبار عند التعامل مع تلك الشريحة الاجتماعية التي قد تعاني أيضاً أوضاعاً صحية صعبة.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات