ملخص
فتح سقوط نظام الرئيس السابق بشار الأسد في الثامن من ديسمبر (كانون الأول) 2024 شهية كثير من شركات الإنتاج لتقديم كواليس السجون والمعتقلات وقضايا الفساد، ونظرة خاطفة على موسم رمضان 2026 تبين عدداً من الأعمال التي تتناول، وربما للمرة الأولى، جوانب من حياة السوريين كان من الصعب أو المستحيل وضعها في سياق عمل درامي.
من المعروف أن الرقابة في عهد النظام البعثي كانت لها سطوة شديدة على لجان قراءة النصوص وعمليات التصوير، إضافة إلى سيطرة رجال أعمال مقربين من الأسد على أكبر شركات الإنتاج التلفزيوني، وكانت مسلسلات من مثل "الخروج إلى البئر" و"القيصر: لا مكان لا زمان" و"السوريون الأعداء" من أبرز الأعمال التي باتت اليوم تسمي الأشياء بمسمياتها، ولكن يبقى السؤال: هل تحقيق الجرأة السياسية كفيل بتحقيق جرأة فنية في هذه الأعمال؟
تعد الإعلانات الترويجية لقائمة من أعمال الدراما التلفزيونية السورية لهذا العام جمهورها بمعالجات فنية مغايرة، ولا سيما بعد دخول شركات إنتاج وازنة في أعمال الدراما السياسية.
سقف مفتوح وإنتاج وفير وأسماء كتّاب ومخرجين وممثلين من الصف الأول تتصدر الشاشات، و"الخروج إلى البئر" يأتي على رأس قائمة الأعمال التي كتبها سامر رضوان عن الاستعصاء الذي شهده سجن صيدنايا العسكري في يوليو (تموز) 2008 وراح ضحيته عشرات المعتقلين، ويقول الكاتب رضوان مدوّناً على صفحته في "فيسبوك" عن هذا العمل، "ناقشت في هذه الرواية التلفزيونية التي أنهيت كتابتها قبل أربعة أشهر من سقوط نظام الأسد مرحلة دقيقة مرت بها سورية عام 2008، في مقاربة لواقع التيارات الإسلامية مع النظام الأمني البائد ومنعكساتها الاجتماعية الخطرة، وصحيح أن مرحلة الأسدين الأب والابن تحتاج إلى مئات الأعمال لشرح الشروخ المجتمعية والمآسي التي خلفها هذا النظام ليستمر طوال عقود في تدمير سورية، إلا أنه العمل الأخير الذي أتعرض فيه للشأن السياسي والاجتماعي لتلك الحقبة السوداء، فقد أتممت مهمتي وأترك الباقي للكتّاب السوريين الآخرين عساهم يسدوا العجز في ما قلته عن تلك المرحلة".
وجرى تصوير "الخروج إلى البئر" (شركة ميتافورا) بين مناطق متفرقة من لبنان وأربيل شمال العراق تحت إدارة المخرج الأردني محمد لطفي، والعمل من بطولة جمال سليمان وعبدالحكيم قطيفان ومازن الناطور ونضال نجم وكارمن لبس ونانسي خوري ونوار بلبل، ويروي مجموعة من القصص المتشابكة عن معتقلين عايشوا أساليب تعذيب وحشية في سجن صيدنايا، إذ يقترب العمل من أن يكون وثيقة حية عن شهادات جمعها الكاتب عن خفايا أشهر سجون الأسد دموية، وما تخلل ذلك من مذكرات سجناء سياسيين قضوا أعواماً طويلة في ظروف احتجاز غير إنسانية.
حقبة الأسد الأب
ويأتي مسلسل "السوريون الأعداء" المأخوذ عن رواية بالاسم نفسه للكاتب فواز حداد على قائمة الأعمال التي تتناول حقبة الأسد الأب، ولا سيما أحداث مجزرة حماة عام 1982، ويعود المسلسل الذي تصدى لإخراجه الفنان ليث حجو بالمشاهد لعام 1970 عبر حكاية ثلاثة أشقاء: ضابط ومحام ومهندس تجمع بينهم الأحداث وتتقاطع عبر مسارات درامية عدة وصولاً إلى اندلاع الثورة السورية عام 2011، ويشارك في بطولة العمل (ميتافورا) نخبة من نجوم الصف الأول منهم سلوم حداد وبسام كوسا ويارا صبري وروزينا اللاذقاني ووسام رضا، وجرت عمليات تصويره بين ريف اللاذقية ودمشق، لكن العمل لم يلحق بهذا الموسم لأسباب امتنع القائمون عليه من ذكرها.
ويشارك في موسم رمضان لهذا العام مسلسل "القيصر... لا زمان لا مكان" في السياق ذاته، إذ يجسد عبر 10 ثلاثيات متصلة منفصلة قصصاً واقعية مقتبسة من السجون والمعتقلات السورية، عبر قصة ضابط بارز من ضباط الأسد يشهد مواجهات مع ذوي الضحايا، ويطل "القيصر" أيضاً على أبعاد اجتماعية لحكايا المعتقلين وعائلاتهم من غير الانصراف إلى التشويق والبوليسية، بقدر ما يبحث عن الآثار العميقة التي عاشها المعتقلون من تجويع وإذلال ممنهج.
ويفيد العمل من الوثائق التي سرّبها عسكري منشق عن جيش النظام البائد والتي أطلعت العالم للمرة الأولى عبر مجموعة هائلة من الصور والوثائق على خفايا التعذيب داخل معتقلات الأسد بين عامي 2011 و2014، ويجسد بطولة هذا المسلسل (باور برودكشن) كل من غسان مسعود وسلوم حداد وصباح الجزائري وسامر إسماعيل، فيما تصدى لإخراجه الفنان صفوان نعمو.
ويوثق مسلسل "عيلة الملك" لمخرجه محمد عبد العزيز الساعات الأولى لسقوط نظام الأسد، مستدرجاً سلسلة من أحداث تقودها حكاية جبري الملك (سلوم حداد) التاجر الدمشقي الذي غزل شبكة من علاقات مشبوهة مع ضباط ومتنفذين في عهد النظام البائد.
ولا يبتعد "عيلة الملك" عن سياق الموسم الحالي بل يحاول صُناعه الإطلالة على الساحات الخلفية لرجال النظام وتحالفاتهم مع طبقة من الأثرياء نهبت المال العام وتغلغلت في مفاصل القرار، في مفارقات اجتماعية وطبقية يرصدها العمل (أيهم قبنض ميديا) الذي كتبه كل من شادي كيوان ومعن سقباني وميادة إبراهيم، ويؤدي بطولة "عيلة الملك" كل من عبد الهادي الصباغ وديمة بياعة وسلمى المصري وشكران مرتجى وآخرون.
ملفات البعث
ولا يبتعد مسلسل "سعادة المجنون" لمخرجه سيف الدين سبيعي من فتح ملفات النظام البعثي، لكن هذه المرة من بوابة العمل الجنائي، إذ تلعب دراما الجريمة والعصابات دورها في تدمير القضاء ونشر الفساد، والعمل الذي كتبه علاء مهنا جرى تصويره في لبنان يناقش بهدوء خفايا السلطة الأمنية وقدراتها في بث الخوف والرعب عبر شبكة عملاء مستترة بالجاه والمناصب.
وتمتد أحداث العمل بين عامي 2022 و2024، الفترة التي شهدت اضطرابات اقتصادية حادة وحوادث اغتيالات سياسية وأمنية غامضة، ويغوص "سعادة المجنون" (غولدن لاين) في أتون بنية اجتماعية مفككة ومضطربة، مستعيراً أنماطاً غرائبية من شخصيات يقودها الهوس بالسلطة والمال والجشع إلى تدمير ذاتي ممنهج، إذ يلعب بطولة المسلسل كل من عابد فهد وجهاد سعد وسلافة معمار وباسم ياخور.
ويمكن إدراج مسلسل "مطبخ المدينة" (شركة بنتالنس) في سياق الأعمال التي تتناول حقبة نظام الأسد من غير اللجوء إلى المباشرة الفنية، فالعمل الذي كتبه كل من علي وجيه وسي رضا حامد حاول الولوج إلى واقع ما سمي بالغالبية الصامتة في ظل حكم البعث، ويروي العمل الذي أخرجته رشا شربتجي حكاية طاه شغوف بتحضير أطباق دمشقية يجمع فيها بين الأصالة والمعاصرة، لكن اختطاف ابنته الوحيدة سيدفعه إلى مقايضات صعبة، فالمطعم الذي كان ملاذه لتربية أبنائه الأربعة يستحيل رمزاً عن واقع يأكل فيها الأخ أخاه، فتتخلل القيم العائلية العريقة، وتندلع صراعات يذكيها انتشار الفساد في لعبة شيطانية تضع الجميع في مواجهة الجميع، و"مطبخ المدينة" من بطولة عباس النوري ومكسيم خليل وأمل عرفة وعبد المنعم عمايري وميسون أبو أسعد وفادي صبيح وآخرين.
وغير بعيد من هذه الكوكبة من الأعمال السياسية يطل مسلسل "مولانا" (الصبّاح إخوان) لمخرجه سامر برقاوي ومؤلفته لبنى حداد، إذ يروي العمل حكاية سليم العادل (تيم حسن) الذي يستحوذ عن طريق المصادفة على أوراق رسمية لرب عمله، فينتحل شخصيته ويستولي على ممتلكات العائلة التي تشتهر بأن جدها البعيد صاحب كرامات، ويستغل العادل هذا التفصيل، ويجد نفسه محط اهتمام وتقدير من أهالي البلدة التي أتى للإقامة بينهم.
وفكرة المخلّص هنا ليست بعيدة من طابع الأعمال السياسية بقدر ما تحاول تقديم مكاشفة مع واقع تتلاعب به السلطات وأصحاب الأموال ورجال الدين المزيفين على السواء، وثلاثية يناقشها "مولانا" بأسلوبية درامية حذرة، تاركاً مسافة بين مقولة العمل والجمهور من خلال توظيف الإثارة والتشويق، جنباً إلى جنب مع تشريح هادئ لشخصية مشعوذة تدعي معرفة الغيب وتوظفه لخداع الجماهير، ويلعب بطولة "مولانا" كل من فارس الحلو ومنى واصف ونور علي وهيما إسماعيل ونانسي خوري.
النظام البائد
وفيما عكفت معظم الأعمال لموسم رمضان 2026 على مسلسلات تستعيد حقبة النظام البائد، اختارت أعمال أخرى سياقاً مغايراً وعلى رأسها مسلسل "أنا وهي وهيا" لمؤلفه إياد أبو الشامات ومخرجته نور أرناؤوط.
ويروي المسلسل (شركة إيبلا) حكاية هيا التي تكتشف خيانة زوجها فينهار العقد الاجتماعي بينهما، وتبدأ الأحداث بالتصاعد بعد مواجهات بين العشيقة والزوجة في إطار تبادل أدوار يلعب فيها الزوج الخائن لعبة نفسية تقود شريكة حياته إلى الانهيار العصبي، في عمل من بطولة كل من باسل خياط وتاج حيدر ورهام قصار ولجين إسماعيل وتيسير إدريس ونادين خوري، وجرى تصويره بالكامل في لبنان.
ولا تغيب الكوميديا عن الدراما التلفزيونية السورية وتحضر بخجل عبر ثلاثة أعمال هي سلسلة "ما اختلفنا" لمخرجها وائل أبو شعر وتأليف مجموعة من الكتّاب، ومسلسل "بنت النعمان" لمؤلفه وبطله محمد أوسو وإخراج سيف الشيخ نجيب، إضافة إلى مسلسل "يا أنا يا هي" لمخرجه فادي وفائي وبطولة أمل عرفة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتبدو الأعمال الثلاثة غير بعيدة من تقديم وجبة من السخرية اللاذعة لآليات الفساد الإداري والوظيفي والاجتماعي أيام نظام البعث، ولكن عبر إبراز مفارقات ومواقف وقفشات تحاول استرداد مجد مثل هذه النوعية من الأعمال التي أسست لنقد تلفزيوني لافت، في ظل رقابة صارمة على النصوص خلال فترة النظام المخلوع.
ولا تغيب مسلسلات ما بات يعرف بـ "البيئة الشامية" عن موسم هذا العام، إذ سجلت شركات الإنتاج حضورها عبر أكثر من عمل أبرزها مسلسل "النويلاتي" (غولدن لاين) لمخرجه يزن شربتجي ومؤلفه عثمان جحا، ويروي العمل قصة الغواص (سامر المصري) الذي يعود بعد غياب لحيه الدمشقي باحثاً عن الثأر ممن كانوا سبباً لتغييبه عن عائلته وأهالي حارته، لكن الأقدار تقوده لاكتشاف كنز مرصود دفنته العائلة منذ عقود، ليخوض بطل العمل تفكيك أسرارها عبر لعبة درامية مشوقة ولعبة لا تفتر حتى تعود وتضطرب ضمن قالب شعبي فانتازي، في عمل من بطولة ديمة قندلفت ونادين تحسين بك وفايز قزق وفادي صبيح وغزوان الصفدي.
ويحضر إلى مائدة الفرجة الرمضانية لهذا العام مسلسل "اليتيم" لمؤلفه قاسم الويس ومخرجه تامر إسحاق، وتدور أحداث العمل (شركة قبنض) ضمن دهاليز الحارة الدمشقية أيام الانتداب الفرنسي على سورية، وتروي قصة العمل حكاية عرسان (سامر إسماعيل) الشاب الذي يقتل أباه في ظروف غامضة، وتقوده الظروف المضادة للصراع مع عمه هايل في أثناء بحثه عن غريمه وقاتل أبيه.
ويحاول العمل محاكاة مسرحية "هاملت" لويليام شكسبير في إطار بيئة دمشقية وسط صراعات عائلية وخيانات متتالية، تفضي ببطل المسلسل إلى مغامرات لا تحمد عقباها، فبين التردد والشك يتورط في نزاعات ذات البين، ويفقد آخر أمل لديه للعثور على الحقيقة، في عمل من بطولة شكران مرتجى ونادين خوري وفاديا خطاب وزينة برافي وأيمن رضا وآخرين.