Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القصر الكبير المغربية... مدينة منكوبة أنجبت شعراء وعلماء

موقعها الجغرافي جعلها مركزاً للتعايش بين شعوب وديانات مختلفة شكلت حضارة مشتركة تشهد عليها البنية العمرانية الحالية

وادي المخازن المحاذي لمدينة القصر الكبير (وكالة الأنباء المغربية)

ملخص

يقول الأكاديمي والمؤرخ المغربي إبراهيم القادري بوتشيش إنه "لا يمكن فهم الأهمية التاريخية لمدينة القصر الكبير بمعزل عن وسطها البيئي والجغرافي، فهي تقع وسط حوض اللوكوس بالشمال الغربي للمغرب، وفي مجال جغرافي خصيب تتخلله شبكة مائية مهمة، يخترقه نهر اللوكوس الذي ينبع من جبال الريف، إذ تتجمع مياهه بسد وادي المخازن قبل أن تكمل مسارها نحو المحيط الأطلسي".

تحولت مدينة القصر الكبير، التي تقع شمال المغرب، بين عشية وضحاها إلى "مدينة أشباح"، بعد أن أصبحت شبه خالية من سكانها، الذين يبلغ عددهم 124 ألف نسمة، وفق إحصاء رسمي لعام 2024، بسبب التخوفات المتزايدة من فيضانات مدمرة قد لا تبقي ولا تذر، جراء امتلاء سد وادي المخازن المحاذي للمدينة، الذي يشهد عمليات تفريغ بعد بلوغه نسب ملء قصوى.

وخلت مدينة القصر الكبير من مظاهر الحياة بعد إجلاء عشرات الآلاف من السكان، وقطع الكهرباء، وإغلاق المحال، وهي المدينة التي تضم عدداً من المآثر التاريخية، وأنجبت نخباً وشخصيات مشهورة في مجالات الأدب، خصوصاً الشعر منه، والعلم، والفن، والتصوف أيضاً.

ويعزو باحثون إنجاب مدينة مهمشة تنموياً منذ استقلال المغرب لقامات كبيرة في مجالات الأدب والتلحين والعلم إلى "طبيعة المحيط المجتمعي والثقافي والفكري الذي يسمح ببزوغ هذا النوع من الكفاءات، متمثلاً في غياب الصخب ووتيرة الحياة السريعة التي تسود المدن الكبرى".

نظرة على التاريخ

يقول الأكاديمي والمؤرخ المغربي إبراهيم القادري بوتشيش إنه "لا يمكن فهم الأهمية التاريخية لمدينة القصر الكبير بمعزل عن وسطها البيئي والجغرافي، فهي تقع وسط حوض اللوكوس بالشمال الغربي للمغرب، وفي مجال جغرافي خصيب تتخلله شبكة مائية مهمة، يخترقه نهر اللوكوس الذي ينبع من جبال الريف، إذ تتجمع مياهه بسد وادي المخازن قبل أن تكمل مسارها نحو المحيط الأطلسي".

هذا الموقع الجغرافي الاستراتيجي لمدينة القصر الكبير، يتابع بوتشيش، هو ما جعلها مركزاً للتعايش بين شعوب وديانات مختلفة، شكلت حضارة مشتركة تشهد عليها البنية العمرانية الحالية، فإلى جانب المسجد الأعظم توجد كنيسة القلب المقدس، وبيعة في حي الملاح الذي كان يقطنه اليهود، كما أن المعالم المعمارية تجمع بين العمارة المغربية التقليدية ونظيرتها الإسلامية، وتحضر اللمسة الحديثة من خلال ما خلفه الاستعمار الإسباني للمنطقة.

ووفق المؤرخ نفسه، لا يعرف تاريخ دقيق لتأسيس مدينة القصر الكبير، لكن الأكيد أنها كانت ضمن المراكز السكنية الضاربة الجذور في القدم، وهو ما تؤكده الرسوم الحجرية واللقى التي تم اكتشافها في المغارات، والتي تعود للعصر النيوليتي القديم، بينما ترجح بحوث تاريخية أن مدينة القصر الكبير أقيمت على أنقاض قلعة رومانية قديمة (أوبيدوم نوفوم).

وبعد أن سرد بوتشيش عدداً من المحطات والأحداث التاريخية التي كانت القصر الكبير في قلبها، خصوصاً بعد الفتح الإسلامي وإبان الدولة المرابطية، وتلتها الموحدية، ثم المرينية، توقف عند أهم حدث تاريخي عرفته المدينة في مطلع التاريخ الحديث، وهو انتصار معركة وادي المخازن، التي استأصل فيها المغاربة شأفة البرتغاليين في يوم الرابع من أغسطس (آب) 1578، وصار المغرب في عهد السعديين على إثرها قوة إقليمية قوية.

وأبرز المتحدث نفسه أن هذا الانتصار الكبير الذي أحرزه الجيش المغربي بقيادة السلطان السعدي عبد الملك السعدي وقع على وادي المخازن، على مرمى حجر من مدينة القصر الكبير، وبذلك شكلت مدينة القصر الكبير سداً منيعاً وقف في وجه الحروب الصليبية التي قادها ملوك الدول المسيحية، وأنهت أطماع البرتغال في نشر المسيحية بالمغرب.

وفي حقبة التاريخ المعاصر، يكمل بوتشيش، "كانت مدينة القصر الكبير معقلاً للمقاومة ضد الاستعمار الإسباني، إذ جمعت بين المقاومة المسلحة والنضال السياسي الثقافي، وإن أسفرت من الناحية الحضارية عن استيطان عائلات إسبانية بمدينة القصر الكبير، مما أدى إلى انتشار الطراز المعماري الإسباني في المدينة وبعض العادات المشتركة".

 

شعراء وصلحاء

إذا كانت مدينة فاس اشتهرت بكونها أفرزت نخباً سياسية ومالية وأرستقراطية عريقة في المملكة، وعرفت منطقة سوس بكونها أخرجت للبلاد نخباً تجارية مرموقة، فإن القصر الكبير أنجبت عدداً من الشخصيات التي برعت واشتهرت في مجالات الأدب والفكر والعلوم والفنون أيضاً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأنجبت تربة مدينة القصر الكبير شعراء وأدباء بارزين يعتبرون من أكبر الشخصيات الإبداعية في البلاد وخارجها أيضاً، من قبيل الشاعر الراحل محمد الخمار الكنوني، أحد أكبر شعراء القصيدة المغربية المعاصرة، والشاعر الراحل محمد الخباز، والشاعر الراحل محمد عفيف العرائشي، والشاعر الراحل حسن الطريبق، والشاعر أحمد الطود، والشاعرة وفاء العمراني، والشاعرة وداد بنموسى، وآخرين كثر.

وأخرج رحم القصر الكبير إلى الوجود شخصيات ومشاهير في الفنون أيضاً، لعل أبرزهم الراحل عبدالسلام عامر، وهو موسيقار مغربي كفيف يعد من أشهر الملحنين في العالم العربي، وسبق له التعامل مع عمالقة الطرب العربي مثل عبدالحليم حافظ.

وقبل عامر، أنجبت القصر الكبير الراحل عبدالسلام الزفري، أحد أكبر الشيوخ في فن الملحون، وهو شعر مغنى عرف بالمغرب منذ قرون، كما أنها أنجبت حميد القصري، أحد أبرز أعمدة الموسيقى الكناوية في المغرب، وهو اسم معروف على الساحة الدولية.

وفي مجالات البحث والتأريخ، أعطت أرض القصر الكبير المنكوبة حالياً أسماء بارزة، من قبيل المؤرخ عبدالسلام الجباري، والمؤرخ عبدالرحمن بنخليفة، ومحمد العربي العسري، والمؤرخ محمد أخريف، وآخرين.

وولد في المدينة ذاتها مثقفون بارزون حملوا لواء الكلمة والثقافة في البلاد، من أبرزهم محمد العربي بن المهدي العسري، وفي مجال البحث والترجمة محمد سعيد الريحاني، كما ولد في رحابها رياضيون، أبرزهم لاعب كرة القدم المعتزل عبدالسلام لغريسي، والعداء العالمي عادل الكوش، والعداء البارالمبي أمين الشنتوف، وغيرهم، بينما في عالم السياسة اشتهر خالد السفياني وإدريس الضحاك وآخرون.

وعرفت مدينة القصر الكبير متصوفة وصلحاء عرفوا بـ"سبعة رجال"، ومعظمهم شاركوا في معركة وادي المخازن، من أبرزهم الفقيه عبدالجليل القصري، كما برزت شخصيات عرفت بالعلم والزهد والصلاح، من بينهم منتسبون إلى الأسرة الجبارية العريقة بالمدينة.

 

من التهميش ما تألق

حول تفسير تفرد القصر الكبير عن عدد من مناطق المغرب بإنجاب الشعراء والصلحاء، أفاد الباحث في سوسيولوجيا المدن محمد شقير بأن هناك ظاهرة اجتماعية وسياسية وثقافية تميز المدن الصغيرة بالمغرب، إذ إنها كثيراً ما أنجبت نخباً فنية وسياسية، مثل "صفرو" و"تاونات" وغيرها، خصوصاً تلك التي توجد بالجوار الجغرافي لبعض المدن الكبرى، مثل فاس ومراكش والدار البيضاء.

وأوضح شقير أن القصر الكبير تمثل هذا النموذج، إذ إنه على رغم التهميش السياسي والإداري والاقتصادي الذي تعانيه هذه المدينة منذ الاستقلال، فإنها ارتبطت بمجموعة من الأسماء الموسيقية، مثل الملحن الضرير عبدالسلام عامر، وعدد من الشعراء والمثقفين الآخرين.

واستطرد الباحث بأن "التهميش عادة ما يولد هذا النوع من الكفاءات كنوع من التحدي، وكذا طبيعة المحيط الثقافي والفكري الذي يسمح بتبلور هذه الطاقات، متمثلاً في غياب الصخب الذي يسم وتيرة الحياة السريعة التي تعرفها المدن الكبرى".

ومضى شقير قائلاً إن القصر الكبير تتميز بمجموعة من الخصائص الفكرية والتاريخية التي أسهمت في تولد هذه الظاهرة الثقافية، من أهمها الترسبات الحضارية التي تجمعت في المدينة بين الموروث الروماني والإسلامي والأندلسي، إلى جانب أن موقعها الجغرافي جعل منها مفترق طرق تجارية بين فاس وطنجة، مما أسهم في تنقل الأفكار مع تنقل التجارة، باعتبار أن التجارة عادة ما تسهم في خلق زخم فكري يشكل أرضية لكل إبداع، سواء كان لحناً أم شعراً أم نصاً أدبياً أم تاريخياً.

ولم يفت شقير الإشارة إلى عامل حاسم آخر، هو أن مدينة القصر الكبير تحمل عمقاً تاريخياً يميزها عن بقية الحواضر والمدن الصغرى، فإضافة إلى طابعها الديني والصوفي المتمثل في ارتباطها بأسماء عدد من الصلحاء والأولياء والمتصوفين، فقد شكلت معقلاً لإمارات عدة صغرى، كإمارة الخضر غيلان وغيرها، وكانت مسرحاً لمعركة فاصلة في تاريخ المغرب أعادت للمغرب قوته الإمبراطورية وهيبته الخارجية.

وأكمل المتكلم عينه بأن "روح معركة وادي المخازن هي التي ما زالت تلهم وتفرز إبداعات أبناء هذه المدينة، وتجعل منها مجالاً خصباً لمختلف الإبداعات"، مستدلاً بالموسيقار عبدالسلام عامر الذي أبدع مقطوعته "القمر الأحمر"، والتي لن تتكرر ـ وفقه ـ في منطقة أخرى إلا في مدينة القصر الكبير، التي تختزن مخزوناً روحياً وسياسياً وتاريخياً مستمداً من هذه المحطة السياسية والعسكرية والفكرية في تاريخ المغرب العريق.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير