Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

غولدرز غرين من ملاذ يهودي آمن إلى بؤرة هجمات على قلب لندن

يعاني اليهود في بريطانيا منذ حرب غزة موجة متصاعدة من العنف فيما أعلنت جماعة ذات صلة بإيران مسؤوليتها عن الهجوم الأخير

مسيرة نظمتها حملة مكافحة معاداة السامية مقابل داونينغ ستريت في وسط لندن، 30 أبريل 2026 (أ ف ب)

ملخص

تحوّل حي غولدرز غرين شمال لندن، الذي عُرف طويلاً كملاذ يهودي آمن، إلى ساحة قلق متصاعد في ظل موجة من الهجمات التي تستهدف الجالية اليهودية، وفي حين يجري تحميل جميع اليهود مسؤولية أفعال الحكومة الإسرائيلية، فإن اليهود في بريطانيا يشكلون طيفاً واسعاً من المواقف تجاه قضايا الشرق الأوسط، وقد أعلنت جماعة مرتبطة بإيران مسؤوليتها عن بعض الهجمات، مما دفع الحكومة إلى تعزيز الأمن بتمويل إضافي يبلغ 25 مليون جنيه إسترليني، وتحقيقات إرهابية موسعة على نطاق واسع.

للمرة الثانية خلال أسابيع قليلة، يشهد حي غولدرز غرين شمال لندن هجوماً يستهدف مواطنين بريطانيين يهود، حيث تعرض رجلان يهوديان للطعن على يد بريطاني من أصل صومالي، في هجوم عدته الشرطة البريطانية حادثة إرهابية.

جاء الهجوم الذي أصيب فيه الرجلان، أحدهما في السبعينيات من عمره والآخر في الثلاثينيات، بعد نحو شهر على هجوم استهدف أربع سيارات إسعاف تابعة لجمعية خيرية يهودية داخل موقف كنيس في غولدرز غرين، المنطقة التي يغلب على سكانها اليهود، إضافة إلى سلسلة من هجمات الحرق استهدفت ممتلكات يهودية شمال لندن خلال أبريل (نيسان) الجاري.

قصة حي اليهود

يعود تاريخ اليهود في حي غولدرز غرين لنحو قرن وربع من الزمان، ووفقاً لمؤلفة كتاب "مكان أسميه بيتي اليهودي: ذكريات المعبد اليهودي الليبرالي 1911-2011"، لبام فوكس، وهى أول دراسة تاريخية متكاملة عن المجتمع اليهودي في غولدرز غرين، وصل أول ساكن يهودي إلى غولدرز غرين قبل نحو 125 عاماً، لكن أعداد اليهود لم تزد بصورة ملاحظة إلا بعد افتتاح مترو الأنفاق عام 1907 وتوافر مساكن ضاحية جديدة، فبعد أن أصبح اليهود أكثر ثراء تمكنوا من الانتقال إلى مناطق أبعد مثل سانت جونز وود خلال سبعينيات القرن الـ 19، وهامبستيد في تسعينيات القرن الـ 19، وبروندزبري في بدايات القرن الـ 20، وأصبحت المساكن الجديدة في غولدرز غرين الهادئة شبه الريفية متاحة في الوقت والسعر المناسبين.

ووفق الدراسة التي عرضتها مجلة "الدراسات التاريخية اليهودية" في إنجلترا، توضح فوكس كيف تشكلت هوية يهودية وبنية تحتية خاصة بالمجتمع في الحي الجديد ولكن ليس بصورة فورية، فلم يكن بالإمكان شراء خبز كوشير محلياً حتى ثلاثينيات القرن الـ 20، ولم يُفتتح أول بيت صلاة أرثوذكسي إلا عام 1932، ولم يُنشأ أول كنيس سفاردي إلا عام 1958.

وترى الكاتبة أن نجاح واستدامة غولدرز غرين كمنطقة يهودية نابضة بالحياة يعود لعوامل السكن والبنية التحتية اليهودية متعددة المستويات، وتماسك المجتمع وقدرته على استيعاب الوافدين الجدد، إضافة إلى العلاقات الجيدة عموماً مع الجوار غير اليهودي الذي أصبح أكثر تعددية ثقافية.

ومع تعاقب موجات مختلفة من المهاجرين اليهود من ألمانيا والنمسا والدول العربية والهند وجنوب أفريقيا، وحتى إسرائيل، ولاحقاً من المجتمع الحريدي والناطقين بالفرنسية، ومع تنوع الانتماءات الدينية ظل المجتمع اليهودي، الذي هو في الواقع خليط من مجتمعات فرعية، غير محدد المعالم بطبيعته، ووفق أحدث إحصاء رسمي يعود لعام 2021، يمثل اليهود نحو نصف سكان حي غولدرز غرين ويغلب عليهم اليهود الأشكناز.

هجمات متزايدة ضد اليهود

منذ حرب غزة يعاني اليهود في بريطانيا موجة متصاعدة من معاداة السامية، ففي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي قُتل يهوديان وأصيب ثلاثة آخرون بجروح خطرة خلال هجوم دهس وطعن خارج كنيس في مدينة مانشستر، وخلال أبريل الجاري تعرض اثنان من المعابد اليهودية شمال لندن للهجوم بزجاجات تحوي مواد قابلة للاشتعال، وأظهر استطلاع رأي تصاعد الشعور بمعاداة السامية، إذ يرى 82 في المئة من اليهود البريطانيين أن معاداة السامية تمثل مشكلة "كبيرة جداً" أو "كبيرة إلى حد ما"، فيما يقول 47 في المئة إنها "كبيرة جدا"، مقارنة بـ11 في المئة فقط عام 2012.

وأصبحت الحوادث أكثر شيوعاً بخاصة الإساءات اللفظية وعبر الإنترنت، وفي عام 2024 أفاد 32 في المئة من اليهود بتعرضهم لحادثة واحدة في الأقل، وتراجع الإحساس بالأمان بصورة حادة، ففي عام 2025 قيّم 35 في المئة من اليهود مستوى أمانهم في بريطانيا بين صفر وأربعة على مقياس من 10 نقاط، مقارنة بتسعة في المئة فقط عام 2023 قبل هجمات السابع من أكتوبر 2023.

حرب غزة تتعارض مع القيم اليهودية

وفي حين يجري تحميل جميع اليهود مسؤولية أفعال الحكومة الإسرائيلية فإن اليهود في بريطانيا يشكلون طيفاً واسعاً من المواقف تجاه قضايا الشرق الأوسط، وأظهر الاستطلاع الذي أجراه "معهد أبحاث السياسة اليهودية" في لندن العام الماضي وشمل 4800 يهودي بريطاني، تزايد انتقاد سلوك إسرائيل في غزة، إذ قال 40 في المئة إن الحرب أضعفت ارتباطهم بإسرائيل، و51 في المئة يرون أنها تتعارض مع قيمهم اليهودية، فيما أظهر استطلاع آخر صادر عن المعهد نفسه أن أكثر من نصف يهود بريطانيا يرون أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، مقارنة بأكثر من 70 في المئة عام 2010.

وفي أبريل 2025 دان عشرات الأعضاء في أكبر هيئة تمثل اليهود في المملكة المتحدة، حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب ما وصفوه بـ "الحرب المفجعة" في غزة، وفي رسالة مفتوحة نُشرت في صحيفة "فايننشال تايمز" قال 36 عضواً من مجلس نواب اليهود البريطانيين إنهم لا يستطيعون "غضّ الطرف أو التزام الصمت إزاء تجدد فقدان الأرواح وسبل العيش، نتيجة الهجوم الإسرائيلي المتجدد على غزة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وحذّر الموقعون على الرسالة التي تنتقد الهجوم الإسرائيلي في غزة من أن "روح إسرائيل تتعرض للتمزيق، ونحن كأعضاء في مجلس نواب اليهود البريطانيين نشعر بالقلق على مستقبل إسرائيل التي نحبها ونرتبط بها ارتباطاً وثيقاً"، وكذلك انتقدت الرسالة الحكومة الإسرائيلية معتبرة أنها اختارت "خرق وقف إطلاق النار والعودة للحرب في غزة"، بدلاً من الانضمام إلى الجهود الدبلوماسية والاتفاق على المرحلة التالية من اتفاق الهدنة.

وكانت إسرائيل منعت دخول الغذاء والدواء والإمدادات الأخرى في الثاني من مارس (آذار) 2025 ثم استأنفت الحرب بعد أسبوعين، وقالت إن ذلك جاء لأن حركة "حماس" لم تقبل مقترحاً لتمديد المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار والإفراج عن مزيد من الرهائن البالغ عددهم 59، إذ كان يعتقد أن 24 منهم لا يزالون على قيد الحياة.

"حركة أصحاب اليمين الإسلامية"

تشكل حماية يهود بريطانيا تحدياً متزايداً للحكومة البريطانية، وأعلنت منظمة حركة "أصحاب اليمين الإسلامية"، وهي جماعة مرتبطة بإيران، مسؤوليتها عن الهجوم عبر تطبيق "تيليغرام" مهددة بما وصفته بـ "الإعدام في الشوارع"، وقد تبنت المنظمة نفسها الشهر الماضي هجمات سابقة، بينها إحراق أربع سيارات إسعاف تابعة لجمعية يهودية في "غولدرز غرين" أيضاً، ومحاولة هجوم بطائرة مسيّرة على السفارة الإسرائيلية.

وتبنّت "حركة أصحاب اليمين الإسلامية" كثيراً من الهجمات على مصالح تابعة ليهود في أوروبا خلال الشهرين الماضيين بصورة أوسع، وأثارت مخاوف من أن إيران قد تزيد من استخدام الخلايا النائمة ووكلائها الذين يجري تجنيدهم عبر الإنترنت، بما في ذلك قُصّر يُعرض عليهم المال لتنفيذ أعمال تخريب وشن حملة انتقام ضد الدول التي يُنظر إليها على أنها تدعم الحرب الأميركية - الإسرائيلية التي بدأت أواخر فبراير (شباط) الماضي.

وفي وقت سابق من الأسبوع الجاري جرى استدعاء السفير الإيراني إلى وزارة الخارجية البريطانية بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي وُصفت بأنها تحريضية، من بينها دعوة للإيرانيين في الخارج إلى أن يكونوا "مستعدين للتضحية بحياتهم" دفاعاً عن الجمهورية الإسلامية، وقد نفت طهران أنها تسعى إلى التحريض على العنف.

25 مليون جنيه إسترليني لحماية اليهود

وعلّقت وزارة الخارجية الإسرائيلية على هجوم غولدرز غرين قائلة إن "الحكومة البريطانية لم تعد تستطيع الادعاء بأن الوضع تحت السيطرة"، وطالبتها باتخاذ "إجراءات حاسمة وعاجلة"، ولذلك أعلنت الحكومة أنه سيجري تخصيص 25 مليون جنيه إسترليني إضافية لتعزيز أمن المجتمعات اليهودية بعد الهجوم، وسيُوجه التمويل لزيادة دوريات الشرطة وتعزيز الحماية حول المعابد والمدارس والمراكز المجتمعية، لكنها تواجه ضغوطاً لاتخاذ خطوات أبعد، بما في ذلك دعوات إلى حظر المسيرات المؤيدة للفلسطينيين.

وأضافت الحكومة أن تشريعات تمنح سلطات شبيهة بالحظر لملاحقة الأفراد والمنظمات التي تعمل لمصلحة جهات مدعومة من دول معادية سيجري تسريع إقرارها خلال الأسابيع المقبلة، فيما أشارت وزيرة الداخلية شابانا محمود إلى أنها قد تنظر في حظر "الحرس الثوري" الإيراني، وقالت في تصريحات لوسائل الإعلام إنه "من غير المناسب تأكيد مثل هذه الخطوة قبل إقرار القوانين، لكنها ستنظر في جميع المنظمات التي قد تندرج ضمن نطاق التشريع الجديد"، مضيفة أن "السبب الوحيد لعدم تقديم تعليق أوسع هو أننا لا نعلّق أبداً على الجهات التي ندرس إدراجها ضمن نظام الحظر أو النظام الجديد"، متوقعة اتخاذ قرارات قريباً في شأن الجماعات التي سيجري تصنيفها على أنها مرتبطة بدول.

وعدّت شرطة لندن الحادثة عملاً إرهابياً مؤكدة أن وحدة مكافحة الإرهاب تقود التحقيق، خصوصاً مع وجود مؤشرات على أن الهجوم استهدف اليهود بصورة مباشرة، وجرى اعتقال المهاجم وتبين أنه بريطاني من أصل صومالي يبلغ من العمر 45 سنة، وقال مفوّض شرطة لندن الكبرى مارك رولي من موقع الحادثة إن المشتبه فيه "لديه تاريخ من العنف الخطر ومشكلات في الصحة النفسية".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير