Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ممرات الظل: كيف تمر صفقات العقوبات وثروات أفريقيا عبر الإمارات؟

شبكات سرية تنقل موارد القارة السمراء نحو مراكز مالية مزدهرة في دبي عبر شركات واجهة وسفن بلا هوية

تغذي تجارة الذهب التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات النزاع في السودان (رويترز)

ملخص

من مناجم القارة السمراء وآبار نفط روسيا، تتشابك خيوط تجارة معقدة وتقارير أممية عن تمويل نزاعات وغسل أموال، إذ تدار الصفقات بعيداً من أعين الرقابة، فمن يدفع الثمن في نهاية المطاف؟

في عرض البحر، توجد سفن لا يفترض أنها موجودة بالأساس، تسير في الظل مغلقة أجهزة التتبع الخاصة بها، تخفي ملكيتها خلف طبقات من الشركات الوهمية، وتغير أسماءها بين رحلة وأخرى لنقل نفط خاضع للعقوبات ومعادن مجهولة المصدر وشحنات غامضة المنبع والتوجه. 

هذه السفن التي يطلق عليها خبراء الملاحة البحرية اسم "الأسطول المظلم" نامية بصورة خفية داخل صناعة الشحن العالمية، تتخذ مسارات عدة بتفاهم ما، وفي قلب كثير من هذه المسارات تقع منطقة الخليج، تحديداً الإمارات مثلما كشفت تقارير دولية عدة خلال الأعوام الأخيرة.

1000 طن يورانيوم 

فخلال السنوات الأخيرة، وثق محققون وخبراء في تتبع العقوبات كيف تتقاطع بعض عناصر "الأسطول المظلم" مع تجار ووسطاء وشركات تعمل من الإمارات. فمن نفط خاضع للعقوبات يُعاد توجيهه، إلى ذهب أفريقي وسلع عالية القيمة تدخل الأسواق العالمية عبر مراكز إعادة التصدير، تلوح من قلب أفريقيا عملية جديدة تتعلق بألف طن يورانيوم بقيمة 250 مليون دولار، حائرة لا تجد مشترياً جراء خلاف قانوني بين النيجر وفرنسا. وفي وقت يشكك الخبراء في قدرة المجلس العسكري الحاكم للنيجر على العثور على مشترٍ للشحنة التي استولى عليها من شركة "أورانو" الفرنسية بعد تأميم أصولها في يونيو (حزيران) عام 2025، أبدت شركة مقرها الإمارات اهتماماً بالشحنة. 

ووفق صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية، كشف وزير المناجم في النيجر عثمان أبارشي عن أن شركة "أكسيا باور" ومقرها الإمارات أبدت اهتماماً، وقال "نحن نناقش معهم"، مؤكداً أن النيجر ليست لديها تفضيلات. لكن ما يثير الشكوك في شأن الجهة الحقيقية للشحنة أن إدارة شركة "أكسيا باور"، وهي شركة غير معروفة على نطاق واسع، ضمت موظفاً سابقاً رفيع المستوى في شركة "روساتوم"، الشركة النووية الروسية المملوكة للدولة، على رغم أنه ذكر في حسابه على "لينكدإن" أنه غادر الشركة في أغسطس (آب) عام 2025.

ويرجح المراقبون أن تكون روسيا هـي المرشح لنيل الصفقة لأنه بحسب الخبير المقيم في مالي لدى مؤسسة "كونراد أديناور" الألمانية أولف لايسينغ، فإن أي مشترٍ عادي سيواجه فوراً مطالبة قانونية من الجانب الفرنسي، وأضاف "أنت بحاجة إلى دولة مارقة لشرائه". 

تحتاج النيجر بصورة عاجلة إلى إبرام صفقة لإنعاش خزائنها المتضائلة، لكن مصدراً مقرباً من القيادة أفاد بأنها تدرك أن التقارب الشديد مع روسيا قد يأتي بنتائج عكسية. وربما المخاوف من مزيد من التوتر مع الغرب بعد استيلاء السلطة العسكرية في البلاد على مناجم اليورانيوم التي كانت تديرها شركة "أورانو" الفرنسية منذ عقود، يدفع النيجر إلى العثور على وسيط لبيع اليورانيوم، على طريقة بيع النفط الروسي الواقع تحت العقوبات. 

وتصدّر النيجر نوعاً من اليورانيوم يعرف باسم "الكعكة الصفراء"، وهو مركز يورانيوم معالج يستخدم لإنتاج وقود محطات الطاقة النووية، ويمكن كذلك تخصيبه لاستخدامه في برامج الأسلحة، وقبل استيلاء الجيش على السلطة عام 2023 كانت النيجر توفر ما يصل إلى ربع اليورانيوم الطبيعي المستخدم في محطات الطاقة بأوروبا.

ذهب أفريقيا

يورانيوم النيجر يعود بنا لقصة معدن نفيس أخر، فيقول خبراء ومسؤولون أفارقة إن كميات كبيرة من الذهب الأفريقي تمر عبر دبي سواء كان ذلك قانونياً أو مهرباً. فوفق تحذير سابق لمنظمة "سويس- إيد" غير الحكومية في برن، فإن أرباح هذه التجارة الملطخة بالدماء لا تزال تجد مشترين، بصورة رئيسة عبر مركز الذهب المزدهر في الإمارات التي تدعم قوات "الدعم السريع" التي ارتكبت جرائم وفظائع في مدينة الفاشر في السودان. 

وتقول "سويس- إيد" إن أحدث نتائجها تؤكد "دور الإمارات كوجهة رئيسة للذهب السوداني المهرب"، كما هو موثق ضمن تقريرها عن الذهب الأفريقي الذي نشر في مايو (أيار) عام 2025. ووفق معهد "تشاتام هاوس" للأبحاث في لندن، فإن "تجارة الذهب التي تبلغ قيمتها مليارات الدولارات تغذي النزاع في السودان". 

وصرّح سفير السودان لدى مكتب الأمم المتحدة في جنيف حسن حامد خلال مؤتمر صحافي هناك في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2025 بأن "مورد الأسلحة لقوات ’الدعم السريع‘ معروف جيداً. وللأسف، إنها الإمارات"، فيما تنفي أبو ظبي المزاعم الدولية التي تلاحقها بدعم وتسليح قوات "الدعم السريع" المتهمة بارتكاب جرائم حرب. 

وربط تحقيق حديث أجرته منظمة "ذا سنتري"، شركات مقرها دبي بغسل الذهب السوداني غير المشروع لمصلحة ممولي قوات "الدعم السريع". وبين عامي 2022 و2024، أدرجت مجموعة العمل المالي (فاتف) المعنية بمراقبة الجرائم المالية العالمية، الإمارات ضمن قائمتها الرمادية، بسبب مساهمة سوق الذهب بدبي في تمكين التدفقات المالية غير المشروعة. 

229 طناً من ذهب غانا 

وكشف تقرير آخر لـ"سويس- إيد" عن أن غانا تخسر مليارات الدولارات سنوياً من الإيرادات بسبب عمليات التهريب في قطاع تعدين الذهب المزدهر لديها، حيث يتدفق جزء كبير من هذا الذهب إلى دولة الإمارات. ووجد التقرير فجوة تجارية هائلة بلغت 229 طناً مترياً، تعادل 11.4 مليار دولار، بين صادرات غانا من الذهب والواردات المقابلة لها خلال خمسة أعوام فقط، مع انتهاء معظم الذهب المهرب في دبي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووفق وصف أولف لايسينغ، فإن "هذا مجرد غيض من فيض"، وأضاف أن "الذهب المحمول يدوياً لا يتعين التصريح به في دبي... وغالباً ما يجري إدخال الذهب غير الرسمي عبر الرحلات الجوية"، مشيراً إلى طرق أخرى غير شفافة لتهريب ذهب أفريقيا إلى الإمارات.

وأوضح تقرير "سويس- إيد" أن ذهب غانا يُهرب في الغالب إلى توغو قبل أن ينتهي به المطاف في دبي، بينما يمر جزء من السبائك عبر بوركينا فاسو إلى مالي مستفيداً من الحدود السهلة الاختراق. ووفق وكالة "رويترز"، وصف مسؤول رفيع في هيئة المعادن التنظيمية في غانا نتائج "سويس- إيد" بأنها "حقيقة معروفة".

ويذكر تقرير أممي صدر في مايو 2025 أن التعدين غير الرسمي يوفر سبل عيش لأكثر من 10 ملايين شخص في أفريقيا جنوب الصحراء، لكنه أصبح بصورة متزايدة قناة لتمويل الجريمة المنظمة والنزاعات المسلحة.

رؤوس أموال مهربة

وكشفت دراسة صادرة عن جامعة "أكسفورد" في يناير (كانون الثاني) الماضي عن أن النخب والشركات الأفريقية تتجه بصورة متزايدة نحو مراكز مالية آسيوية، ولا سيما دبي وسنغافورة وهونغ كونغ كملاذات آمنة لتهريب رؤوس الأموال. 

ويلحق هروب رؤوس الأموال خسائر فادحة بالاقتصادات الأفريقية، إذ تنزف القارة أكثر من 88 مليار دولار سنوياً بحسب أرقام الأمم المتحدة. وأصبحت المراكز المالية الآسيوية الثلاثة وجهات جذابة على نحو متزايد لهذه الأموال، بل أضحت من بين "أسرع الروابط العابرة للحدود نمواً وأكثرها أهمية بالنسبة إلى أفريقيا"، بعد تشديد الملاذات المالية التقليدية مثل سويسرا إجراءاتها الرقابية والمالية. 

الدراسة التي أعدها أستاذ العلوم السياسية في معهد "سيانس بو" وباحث أول في جامعة "أكسفورد" ريكاردو سواريس دي أوليفيرا، تقول إن من بين المراكز المالية الآسيوية، تبرز دبي بوضوح بسبب روابطها المالية العميقة مع أفريقيا، ليس فقط من خلال وجود شركات إماراتية كبرى في القارة، بل أيضاً من خلال دور دبي في التدفقات المالية غير المشروعة وعمليات غسل الأموال القائمة على تجارة السلع.

تهريب النفط الروسي

وعلى خرائط الأقمار الاصطناعية، يتكرر المشهد بين الحين والآخر، فتختفي سفينة من أنظمة التتبع قرب ساحل ما، ثم تعود للظهور بعد أيام على بعد آلاف الأميال، وقد تغيرت أوراق شحنتها وتبدل مسارها، وتمر المدفوعات عبر وسطاء في مراكز مالية تعرف بالسرعة والمرونة، إذ كشف تحقيق استقصائي نشرته صحيفة "فايننشال تايمز" البريطانية أمس الجمعة عن أن خطأ تقنياً في خادم بريد إلكتروني خاص أتاح تتبع شبكة تضم 48 شركة تبدو مستقلة، لكنها تعمل بصورة منسقة في تجارة النفط الروسي معظمها يعمل من الإمارات. 

وحدد التحقيق 442 نطاقاً إلكترونياً تستخدم الخادم ذاته، وبمقارنة أسماء النطاقات مع سجلات الجمارك في روسيا والهند، تبين أن هذه الكيانات صدّرت نفطاً تتجاوز قيمته 90 مليار دولار. وأظهر التحقيق أن معظم هذه الشركات مسجلة في الإمارات، حيث استخدمت المناطق الحرة لتأسيس شركات قصيرة العمر تستبدل بسرعة لتفادي العقوبات.

كذلك برزت الإمارات كنقطة عبور لإعادة توجيه الشحنات وإخفاء منشأ النفط، عبر ترتيبات تشمل شركات وسيطة وإعادة تصنيف الخام تحت مسميات عامة. وبعض الشحنات مرّ عبر موانئ الدولة أو عبر هياكل تجارية مسجلة فيها، مما صعب تتبع المصدر الحقيقي، خصوصاً بعد فرض العقوبات الأميركية على شركتي "روسنفت" و"لوك أويل". ويرى خبراء شحن أن هذه الآليات، فضلاً عن الاعتماد على "أسطول الظل" وتغيير أسماء السفن ومديريها، شكلت منظومة متكاملة للالتفاف على سقف الأسعار والعقوبات الغربية مع استمرار تدفق النفط الروسي للأسواق.

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير