ملخص
قالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة طبقا لما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية، إن أكثر من 115 ألف شخص نزحوا من منطقة كردفان، بين أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وبداية فبراير (شباط) الجاري.
علاقة طردية وأرقام باتت تسيطر على مشهد ليس أكثر منه قسوة في تاريخنا المعاصر، فمع كل بضعة آلاف من الدولارات يجري ضخها في تلك الحرب التي عصف بحياوات مئات آلاف البشر في السودان، يزيد عدد الضحايا ويتشرد آلاف آخرين. فأرقام الأمم المتحدة هي واحدة من الشهود على جرائم ميليشيات "الدعم السريع" التي لا تلوح لها نهاية في الآفق في ظل إمدادات متواصلة بالمال والسلاح.
فكشفت الأمم المتحدة يوم الثلاثاء عن نزوح أكثر من 100 ألف شخص من منطقة كردفان في السودان في غضون ثلاثة أشهر ونصف شهر فقط، في ظل ارتفاع وتيرة العنف بين الجيش وقوات "الدعم السريع" مع اقتراب الحرب من عامها الثالث.
وقالت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة طبقا لما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية، إن أكثر من 115 ألف شخص نزحوا من منطقة كردفان، بين أكتوبر (تشرين الأول) الماضي وبداية فبراير (شباط) الجاري.
من الفاشر إلى كردفان
واشتدت المعارك في منطقة كردفان، بعد أن أحكمت قوات "الدعم السريع" المدعومة من الإمارات، قبضتها على إقليم دارفور المجاور في نهاية أكتوبر، إذ ارتكبت فظائع مروعة صنفتها الأمم المتحدة "كجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية". وكردفان غنية بالأراضي الزراعية والنفط، وتعد طريقاً حيوياً بين دارفور في الغرب والعاصمة الخرطوم ومدن شرق السودان الواقعة تحت سيطرة الجيش.
وبحسب بيان المنظمة، "تم تسجيل أكبر عدد من النازحين في ولاية شمال كردفان، تليها ولاية النيل الأبيض، وكذلك ولاية جنوب كردفان". وأكد المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك، خلال جلسة لمجلس حقوق الإنسان خصصت للسودان أمس الإثنين، أنه "خلال أسبوعين ونصف أسبوع، حتى السادس من فبراير، بحسب توثيق قام به مكتبي، قتل نحو 90 مدنياً، وأصيب 142 في ضربات بالمسيرات شنتها قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية".
وأفادت منظمة الصحة العالمية الأحد بأن ولاية جنوب كردفان تعرضت لهجمات استهدفت ثلاث منشآت صحية خلال الأسبوع الأخير، أسفرت عن مقتل أكثر من 30 شخصاً. وإلى الغرب من كردفان، في إقليم دارفور الذي يمثل نحو ثلث مساحة السودان نزح أكثر من 120 ألف شخص من مدينة الفاشر في شمال دارفور منذ سقوطها في يد قوات "الدعم السريع" أكتوبر الماضي.
وأدت موجات النزوح الضخمة، بحسب الأمم المتحدة، إلى زيادة خطر المجاعة في شمال دارفور بسبب "التدفق الكثيف" للمدنيين، مما أسفر عن "استنزاف موارد وقدرات المجتمعات المحلية وزيادة انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية الحاد". وحذرت الأمم المتحدة مراراً من احتمال تكرار سيناريو الفاشر في مدن كردفان، مع احتدام القتال بين الجيش و"الدعم السريع".
ويتحارب الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" منذ أبريل 2023، مما أسفر عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح أكثر من 11 مليوناً في ما تصفه الأمم المتحدة بأسوأ أزمة إنسانية في العالم.
مسيرات "الدعم السريع"
وتعكس مسيرات "الدعم السريع" مثالاً وحشياً على المزيج السام من التكنولوجيا والقسوة والإفلات من العقاب الذي أصبح يميز حرباً أودت بحياة ما يصل إلى 400 ألف شخص، وفقاً لتقديرات بعض الخبراء.
ووفق تحقيق سابق لصحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، فإن مسيرات "الدعم السريع" في دارفور تنطلق من قاعدة تقول الإمارات إنها تدير فيها جهداً إنسانياً لمساعدة الشعب السوداني، في إطار ما تصفه بأنه "أولوية عاجلة" لإنقاذ الأرواح البريئة ومنع المجاعة في أكبر حروب أفريقيا.
وقد غذت حرب السودان، الدولة الشاسعة الغنية بالذهب التي تمتد سواحلها لنحو 500 ميل على البحر الأحمر، تدخلات دول عدة أجنبية مثل إيران وروسيا، إذ تزود أطراف النزاع بالأسلحة أملاً في ترجيح الكفة لتحقيق أرباح أو مكاسب استراتيجية، بينما يقع الشعب السوداني وسط نيران الصراع، لكن مسؤولين يقولون إن الإمارات تلعب الدور الأكبر والأكثر تأثيراً، إذ تعلن علناً سعيها إلى تخفيف معاناة السودان بينما تؤججها سراً.
وأكد تقارير أممية عدة الدور الإماراتي في تسليح وتمويل "الدعم السريع"، مشيرة في تقرير صدر أبريل العام الماضي إلى أدلة موثوقة على خرق الإمارات لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة منذ عقدين على السودان. وتصر الإمارات على أنها تسعى فقط إلى إنهاء الحرب ومساعدة الضحايا، مشيرة إلى تقديم مئات الملايين من الدولارات من المساعدات الإنسانية، بينما يقول مسؤولون أميركيون إن واشنطن واجهت أبوظبي مراراً بأدلة استخبارية على دعمها العسكري السري.
وسابقاً أشارت مذكرات دبلوماسية أوروبية إلى أن تسليم طائرات مسيرة ومدافع وصواريخ مضادة للطائرات لقوات "الدعم السريع" ساعدها في تقويض التفوق الجوي للجيش السوداني، كما يعتقد أن الدور الإماراتي جزء من توسع أوسع في أفريقيا، إذ استثمرت مليارات الدولارات وتدخلت سابقاً بطائرات مسيرة في حرب إثيوبيا.
معسكر تدريب سري بتمويل إماراتي
وكشف تحقيق لوكالة "رويترز" الأسبوع الجاري عن تعاون إثيوبي إماراتي لدعم وتدريب مسلحين لـ"الدعم السريع"، وتستضيف إثيوبيا معسكراً سرياً لتديب آلاف المقاتلين من أجل قوات ميليشيات "الدعم السريع"، بتمويل من الإمارات.
وقالت ثمانية مصادر، من بينها مسؤول حكومي إثيوبي كبير، إن الإمارات مولت بناء المعسكر وقدمت مدربين عسكريين ودعماً لوجيستياً للموقع، وهو ما ورد أيضاً في مذكرة داخلية صادرة عن أجهزة الأمن الإثيوبية، وبرقية دبلوماسية اطلعت عليهما "رويترز".
ولم يتسن لـ"رويترز" التحقق بصورة مستقلة من مشاركة الإمارات في المشروع أو الغرض من المعسكر، وقالت وزارة الخارجية الإماراتية، رداً على طلب التعليق، إنها ليست طرفاً في الصراع ولا تشارك "بأية صورة من الصور" في الأعمال القتالية.
وفي السادس من يناير (كانون الثاني)، أصدرت الإمارات وإثيوبيا بياناً مشتركاً تضمن دعوة إلى وقف إطلاق النار في السودان، إضافة إلى الاحتفاء بالعلاقات التي قالتا إنها تخدم الدفاع عن أمن كل منهما.
وتحدثت "رويترز" إلى 15 مصدراً مطلعاً على تشييد المعسكر وعملياته، من بينهم مسؤولون ودبلوماسيون إثيوبيون، وحللت صور الأقمار الاصطناعية للمنطقة. وقدم مسؤولان بالاستخبارات الإثيوبية وصور الأقمار الاصطناعية معلومات تؤكد التفاصيل الواردة في المذكرة الأمنية والبرقية، وتشير صور الأقمار الاصطناعية إلى أن النشاط تزايد في أكتوبر (تشرين الأول) في المعسكر، الذي يقع في منطقة بني شنقول-قمز النائية غرب البلاد، بالقرب من الحدود مع السودان.
وفي أوائل يناير، كان 4300 مقاتل من "الدعم السريع" يتلقون تدريبات عسكرية في الموقع، وورد في مذكرة أجهزة الأمن الإثيوبية أن "الإمارات توفر الإمدادات اللوجيستية والعسكرية لهم".
واتهم الجيش السوداني في السابق الإمارات بتزويد "الدعم السريع" بالأسلحة، وهو اتهام يلقى صدقية لدى خبراء بالأمم المتحدة ومشرعون أميركيون.