ملخص
بعد خمسة أيام من العروض التي كان بعضها جد مخيب، أطل أخيراً على مشاهدي مهرجان برلين السينمائي (12 - 22 فبراير / شباط)، فيلم ”زوجتي تبكي“ (مسابقة) للمخرجة الألمانية المجدّدة أنغيلا شانلك، ليحدث انقلاباً سلمياً على كل ما سبق أن شاهدناه.
يدور فيلم ”زوجتي تبكي“ حول يوميات ثنائي (فلاديمير فوليفيك وأغات بونيتزر) على شفير الانفصال، عبر سلسلة لقطات ثابتة، الا اذا قررت الكاميرا أن تتعقب دراجة هوائية على الخط السريع.
هذا عمل مغاير يتطور في اطار خاص به، لا يطلب إعجاب أحد، له منطقه، ولا يسعى إلى إقناعنا بجدواه. فيلم يقف في منطقة رومنسية باردة، متحفّظة، بلا أي سعي لتقديم مفاتيح سهلة أو انفعال عبار، ولا خلاصات أو أحكام مبرمة، وإنما يتركنا عالقين في زمن يتقدّم، بينما العاطفة تظلّ في مكانها. هذا كله من خلال 92 دقيقة لا غير، في واحد من أقصر أفلام المسابقة. شانلك لا تحتاج إلى أكثر من هذه المدة لتقول ما لديها وهو قول يتحدر من المدرسة التقليلية، حيث القليل يعني الكثير. اسلوب يتموضع بين المسرح والأجواء التي تعمّق الإحساس بأننا أمام شاشة حيث كل شيء زيف بزيف.
نحن أمام تجربة بصرية يصعب نقلها بكلمات، تؤكّد براعة المخرجة في التقاط تفاصيل القصص التي تبهت، مع ان شانلك التي سبق ان فازت بجائزة ”الدب الفضي“ عن ”كنت في البيت، ولكن…“ تلخص الحكاية بالقول بأنها تتعلق بثلاثة أيام في حياة توماش وكارلا والألم المرتبط بها، وهو ألم يبقى ماثلاً في وجدانهما“. هذا التحديد الزمني الصارم لا يقود إلى تطوّر درامي بالمعنى الكلاسيكي، وإنما إلى مراقبة دقيقة لتحوّلات لا نراها بالعين المجردة.
تمر الأيام والأشخاص يتنقلون من مكان إلى مكان، لكن شيئاً ما في دواخلهم يبقى مكتوماً. الفيلم ينطلق من سؤال: ماذا لو كان الزمن عاجزاً عن شفاء ما يحدث في الداخل؟ من هنا، لا يعود السرد مركز قوة، بقدر أهمية الإحساس بالتواصل القاسي للحياة رغم تصدّعها. من خلال بناء سينمائي يفتقد للذروة والانفراج، نشهد على حضور متواصل ورتيب لألم لا يحمل مسمّى.
سينما تجريبية
الفيلم قد يصنفه البعض في اطار السينما التجريبية، مع انه ربما أسهل أعمال شانلك بعد سلسلة منها لا تلتزم بتقنيات السرد التقليدية. الفيلم مشبّع بالكلام والمونولوغ والحوارات التي تنطقها شخصيات تحيط بتوماش وكارلا، وأحياناً يتحدثون كأن لا أحد ينصت اليهم. الكلام في الفيلم لا يحمل وظيفة التوضيح، ولكنه يحضر كعبء على كاهل الشخصيات فتحاول التنازل عنه. تربط شانلك الحديث بالألم، ففي نظرها ان كلمة واحدة قد تفضي إلى ألم. ”حتى مجرد التحدّث، أو الشعور بأنك مضطر للتحدث، يمثّل بالنسبة لي حالة جسدية“.
لللغة في نظرها حياتها الخاصة، لذلك نشعر أحياناً بتوتر غريب بين ما يُقال وما يُراد قوله. وتشرح المخرجة بأن اختيار ممثلين يتحدثون الألمانية بلكنات مختلفة يعمّق هذا الإحساس. بما أن اللغة ليست لغتهم الأم، فإن كل جملة تبدو واعية بنفسها، منفصلة بعض الشيء عن المتكلم، كأنها شيء موضوع أمامنا للفحص.
البُعد البصري لا يقل تقشّفاً. الكاميرا تتجوّل في أماكن يومية كثيراً ما نمر عبرها من دون ان تلفتنا، كورشة بناء أو طريق سريع أو حديقة. الجدران البيضاء التي تتكرر ليست خياراً جمالياً عابراً. تشرح شانلك أنها قرّرت إبقاءها بيضاء رغم ”الميل الطبيعي لتغميقها أمام الكاميرا“، لأن ”اللون الأبيض يؤدي إلى نوع من التجريد… فالجدار الأبيض يشبه اللوحة الفارغة التي يظهر أمامها الحدث بوضوح أكبر“.
ورشة البناء بدورها موقع استعاري مهم والفيلم يعود اليها غير مرة. تحمّلها شانلك ما لا يخطر في البال، اذ تقول إن ورش البناء تنطوي على ”كل التناقضات، الأمل واليأس، مدى الجمال والقبح الذي تنشأه العمارة، بالاضافة إلى العبثية“. في هذا الفضاء الذي يفترض أن يولد فيه شيء جديد، نشهد علاقة… تنتهي!
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وسط هذا التصدّع، تبرز الصداقة كملاذ موقت. تؤكد المخرجة: ”أردت أن أحكي عن أهمية الصداقة. هناك الحب وهناك الصداقة. وفي الوقت نفسه، هناك واقع لا يملك الشخصيات القدرة على التحكم فيه“.
صوّرت شانلك الفيلم في برلين، لكن رغم روعة بعض المشاهد التي تتطلّب عيناً فاحصة لالتقاط جمالها، فنحن أمام صورة خاصة جداً عن العاصمة الألمانية، اذ لا سعي لتحويلها بيئة جميلة وآخاذة. تقول المخرجة إنها شعرت هذه المرة بأن ”المدينة رفضت أن تُفصح عن نفسها ثم فجأة فتحت أبوابها بشكل غير متوقع“. هذا التردّد ينسجم مع مزاج الفيلم: لا شيء يُعطى بسهولة، لا في العلاقات ولا في الأمكنة.
في دورة لم تأتينا المسابقة (أقله حتى الآن) بالكثير من الأعمال السينمائية التي تترك أثراً في الذاكرة، هل تتجرأ لجنة التحكيم بقيادة المخرج الألماني فيم فندرز رد الاعتبار إلى شانلك عبر اسناد جائزة إلى فيلم غامض لا يقول بالضرورة الأشياء كما نرغب في سماعها أو كما اعتدناها في السينما الجماهيرية، خصوصاً ان فندرز نفسه متهم بالتكتم وعدم الافصاح والامتناع عن الادانة؟