Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ماذا يعني الوجود الإثيوبي في البحر الأحمر؟

قد يتحوّل إلى مسرح إضافي لتصفية الحسابات الجيوسياسية مع احتمال انزلاق العلاقات الإثيوبية - الإريترية مجدداً إلى مسارات تنافسية وربما إلى صراعات مسلحة

قال رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إن حصول بلاده على منفذ بحري يمثل مسألة وجودية (أ ف ب)

ملخص

الأداء الإثيوبي إذا استمر في الدفع باتجاه حلول أحادية أو اتفاقات تفتقر إلى الشرعية الدولية الكاملة، لا يهدد فقط استقرار الصومال أو يُربك الحسابات الإريترية، بل يهدد بتحويل البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى معطيات تهديد جديدة لسلاسل الإمداد العالمية

يشهد ملف المنفذ البحري لإثيوبيا عودة لافتة إلى واجهة التفاعلات الإقليمية، لا بوصفه مطلباً اقتصادياً لدولة حبيسة، إنما باعتباره مدخلاً لإعادة تعريف التوازنات الجيوسياسية في القرن الأفريقي والبحر الأحمر. فمنذ أن أعلن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أن حصول بلاده على منفذ بحري يمثل مسألة وجودية، لم يعد النقاش يدور حول ترتيبات لوجيستية أو تجارية، بل حول طبيعة النظام الإقليمي ذاته، وحدود ما يسمح به القانون الدولي، ومآلات إدخال عنصر السيادة الساحلية في معادلات تفاوضية مشحونة أصلاً بإرث من الأزمات، وفي مقدمتها أزمة السد الإثيوبي.

الموقف الإثيوبي يستند إلى أنها كدولة حبيسة تعتمد بدرجة كبيرة على موانئ جيبوتي في تجارتها الخارجية. وتدفع أديس أبابا بأن هذا الاعتماد يخلق هشاشة استراتيجية، ويُثقل كلفة التنمية ويضاعفها اقتصادياً في ضوء الحجم السكاني الكبير لها، كذلك يقيد طموحها للتحول إلى قوة اقتصادية أفريقية كبرى.

غير أن الإشكال لا يكمن في توصيف المشكلة، بل في طبيعة الحلول المطروحة. فحين انتقلت إثيوبيا من خطاب "تيسير الوصول" إلى خطاب "الحق في منفذ بحري"، ثم إلى توقيع مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال تتيح لها استخدام ميناء بربرة مدة طويلة مقابل وعود سياسية، فإنها لم تعد تتحرك داخل المجال الوظيفي الذي يسمح به القانون الدولي، بل اقتربت من إعادة هندسة معادلات السيادة في منطقة شديدة الهشاشة.

العنصر الإريتري أيضاً يعيد تعقيد المشهد بصورة أكبر. فالعلاقة بين أديس أبابا وأسمرة لم تكن يوماً مجرد علاقة جوار تقليدي، بل علاقة محكومة بتاريخ من الحرب، ثم التقارب التكتيكي. فقد خاضت إثيوبيا وإريتريا حرباً دامية بين عامي 1998 و2000، قبل أن يوقع آبي أحمد اتفاق سلام مع الرئيس الإريتري أسياس أفورقي عام 2018، في خطوة أنهت رسمياً عقدين من القطيعة. هذا التقارب أتاح تعاوناً عسكرياً وسياسياً، تجلّى لاحقاً خلال حرب إقليم تيغراي، حين دخلت قوات إريترية إلى الأراضي الإثيوبية دعماً لأديس أبابا.

لكن، التقارب لم يلغِ التناقضات الهيكلية. فإريتريا، التي تمتلك شريطاً ساحلياً طويلاً على البحر الأحمر وموانئ مثل عصب، تدرك أن أي خطاب إثيوبي حول حق تاريخي في منفذ بحري يمكن أن يُقرأ داخلياً بوصفه إعادة فتح لملف الحدود والسيادة. ومن ثمَّ فإن أسمرة تنظر بحذر إلى أي مقاربة إثيوبية تتجاوز ترتيبات الاستخدام التجاري إلى تلميحات سيادية أو عسكرية. كذلك فإن أي تموضع إثيوبي دائم على ساحل البحر الأحمر، سواء عبر الصومال أو غيره، يُعيد تعريف موازين القوى البحرية في المنطقة بطريقة تقلص من هامش الحركة الإريتري بل يهدده.

القانون الدولي، تحديداً اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يقرّ حق الدول الحبيسة في الوصول إلى البحار وحرية المرور العابر عبر أراضي الدول المجاورة لأغراض التجارة. غير أن هذا الحق مقيدٌ بطبيعته التعاقدية، أي أنه يمارس عبر اتفاقات مع دول ذات سيادة، ولا يرتب التزاماً على دولة ساحلية بالتنازل عن جزء من إقليمها أو منح سيادة مشتركة على شريط ساحلي. الفرق هنا جوهري بين حق الوصول وحق الامتلاك. الأول حق تنظيمي لتيسير التجارة، والثاني مسألة سيادة لا تنشأ إلا بإرادة صريحة من الدولة المالكة للإقليم ووفق قواعد الاعتراف الدولي.

في هذا السياق، يثير الاتفاق مع أرض الصومال إشكاليتين متلازمتين: الأولى أن الإقليم غير معترف به دولياً كدولة مستقلة عن الصومال، والثانية أن أي ترتيبات تتجاوز الحكومة الفيدرالية في مقديشو تمسّ مبدأ وحدة الدولة الصومالية. ومن ثمّ فإن إثيوبيا، وهي تستند إلى حق مقرر للدول الحبيسة، تخاطر بتقويض مبدأ آخر لا يقل رسوخاً في النظام الدولي، هو مبدأ وحدة وسلامة الأراضي. هذا التداخل بين حقين مشروعين في الأصل، إذا أسيئ توظيفه، يمكن أن يفتح الباب أمام سوابق تتجاوز الإطار الإثيوبي - الصومالي لتطاول بنية الدولة الوطنية في الإقليم برمته، بما في ذلك إريتريا التي تأسست دولتها الحديثة على تثبيت حدودها الدولية المعترف بها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

الموقف المصري جاء واضحاً في هذا السياق، ليس فقط من زاوية التضامن مع الصومال، بل من زاوية حماية مبدأ السيادة ذاته. فقد أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي في أكثر من مناسبة ضرورة احترام وحدة أراضي الدول وعدم المساس بها تحت أي ذريعة. ويمكن فهم هذا الموقف في ضوء إدراك القاهرة حساسية البحر الأحمر باعتباره شرياناً حيوياً للأمن القومي المصري وللتجارة العالمية على حد سواء. فمصر، بوصفها دولة مطلة على البحر الأحمر وقناة السويس، لا تنظر إلى القرن الأفريقي باعتباره فضاءً بعيداً، بل جزء من نطاقها الاستراتيجي الممتد. كذلك فإن انخراطها المتزايد مع كل من الصومال وإريتريا يعكس قراءة ترى في أي تغيير غير منضبط في المعادلات الساحلية تهديداً مباشراً لتوازنات الأمن البحري.

بطبيعة الحال، القراءة الإقليمية العربية لا تنفصل أيضاً عن نمط السلوك الإثيوبي في إدارة الملفات الخلافية. ففي أزمة سد النهضة، مالت أديس أبابا إلى فرض وقائع ميدانية متدرجة، مستندة إلى خطاب سيادي وتنموي في آن واحد، مع تقليص هامش التوافق التفاوضي. إعادة إنتاج هذا النمط في ملف المنفذ البحري يعزز الانطباع بأن إثيوبيا تسعى إلى إعادة تموضع استراتيجي واسع، يتجاوز مجرد معالجة اختناق جغرافي، إلى تثبيت حضور دائم على البحر الأحمر، بما يحمله ذلك من أبعاد عسكرية وأمنية محتملة، وبما يضعها في تماس مباشر مع إريتريا التي تملك خبرة طويلة في إدارة ساحلها ضمن معادلات أمنية شديدة الحساسية.

وإذا كان هناك قدر من التعاطف الأميركي الأوروبي مع الضغوط الاقتصادية الواقعة على إثيوبيا، لكنها في الوقت ذاته تدرك أخطار زعزعة استقرار الصومال ومن عسكرة إضافية للبحر الأحمر. بعض هذه التقديرات يرى أن معالجة القضية في إطار إقليمي متعدد الأطراف قد يوفر مخرجاً يحفظ لإثيوبيا مصالحها الاقتصادية من دون المساس بوحدة الصومال أو إثارة حساسيات إريترية كامنة.

في المقابل، تنبه دراسات أوروبية إلى أن إدخال عنصر السيادة الساحلية في معادلات تنافسية جديدة، في منطقة تعاني أصلاً حضوراً عسكرياً كثيفاً لقوى إقليمية ودولية، قد يحوّل البحر الأحمر إلى مسرح إضافي لتصفية الحسابات الجيوسياسية، مع احتمال انزلاق العلاقات الإثيوبية - الإريترية مجدداً إلى مسارات تنافسية وربما إلى صراعات مسلحة إذا شعرت أسمرة بأن نفوذها البحري يتآكل.

المشكلة الأعمق أن القرن الأفريقي لم يعد هامشاً في النظام الدولي، بل أصبح عقدة اتصال مركزية في سلاسل الإمداد العالمية. اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر خلال العامين الأخيرين أظهرت هشاشة التجارة العالمية أمام أي توتر أمني في هذا الممر. وإذا ما أضيف إلى ذلك نزاع محتمل حول شرعية ترتيبات ساحلية جديدة، سواء في الصومال أو في محيط أريتريا، فإن المنطقة قد تنتقل من حالة التوتر القابل للاحتواء إلى حالة إعادة إنتاج التهديد في بيئة تعاني أصلاً صراعات داخلية وهشاشة مؤسساتية.

من هنا، فإن الأداء الإثيوبي، إذا استمر في الدفع باتجاه حلول أحادية أو اتفاقات تفتقر إلى الشرعية الدولية الكاملة، لا يهدد فقط استقرار الصومال أو يُربك الحسابات الإريترية، بل يهدد بتحويل البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى معطيات تهديد جديدة لسلاسل الإمداد العالمية. ذلك إن إعادة تعريف قواعد الوصول إلى البحار خارج الأطر القانونية المستقرة قد تفتح الباب أمام ديناميات تنافسية وعسكرية غير محسوبة، في واحدة من أكثر مناطق العالم حيوية للتجارة الدولية. وفي ظل تزايد هشاشة الاقتصاد العالمي، فإن تحويل هذه المنطقة إلى ساحة اختبار لإرادات جيوسياسية متصارعة قد يحمل كلفة تتجاوز بكثير حدود الإقليم، وتمتد إلى قلب النظام الاقتصادي الدولي ذاته.

اقرأ المزيد

المزيد من تحلیل