Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الهم الاجتماعي يشغل السينما الأوروبية في مهرجان برلين

موظفة ألمانية وعاملة مهاجرة في سويسرا عالقتان بين الحاجة والكرامة

فيلم عن المعالة المستغلة في سويسرا (ملف الفيلم)

ملخص

تشارك في مهرجان برلين السينمائي هذا العام (12 - 22 فبراير "شباط") مجموعة أفلام يغلب عليها الهم الاجتماعي، في زمن يعيش الغرب ظروفاً اقتصادية وسياسية صعبة، بحيث أصبحت قيمة الإنسان تقاس بإنتاجيته، أما الأمان فكثيراً ما يختزل في عقد عمل قابل للفسخ في أي لحظة.

كأن الشاشة العريضة تريد رد الاعتبار إلى العمال المهمشين ضمن إطار رأسمالي لا يعترف بوجودهم إلا كأرقام، سواء تابعنا يوميات موظفة في ألمانيا تقترب من سن التقاعد من خلال "أتفهم استيائك" لكيليان أرماندو فردريش، أو عشنا مع عاملة مهاجرة تنظف الشاليهات الفاخرة في سويسرا في "استمتع بإقامتك" لدومينيك لوشير وهانيلين جوي أليبيو (الفيلمان معروضان في قسم "بانوراما")، فإن الخيط الناظم واحد: منظومة عمل حديثة تنتج الوفرة لكن تخفي خلفها قلقاً يومياً وأفراداً عالقين بين الحاجة والكرامة. الفيلمان كلاهما لا ينشغل بحكايات فردية بقدر ما يحاولان تفكيك بنية كاملة، بحيث تتحول الوظيفة من وسيلة للعيش إلى اختبار للضمير. 

اللافت أن العنوانين يأتيان بصيغة المخاطب، وكأنهما يوجهان رسالة مباشرة، أحدهما يعترف بالاستياء، والآخر يدعو إلى الاستمتاع بالإقامة، وإذا جمعنا النداءين في عبارة واحدة، تولدت مفارقة دالة: أن نتعلم كيف "نستمتع بالاستياء"، كأن النظام ذاته يطلب منا أن نتقبل ضيقه كجزء طبيعي من الإقامة الطويلة في عالم العمل، بل وأن نتعايش معه إلى حد التطبيع.

تتبدى المفارقة بوضوح حين توضع تجربتان لعاملتين في سياق بلدين ينظر إليهما كنموذجين عصريين للاستقرار والرفاه: ألمانيا وسويسرا، غير أن الازدهار الاقتصادي لم يلغ بعد ارتهان المواطن للظروف، فخلف الأرقام المطمئنة هناك شبكات من التعاقدات الثانوية والوظائف المنخفضة الأجر.

في "أتفهم استيائك" نتابع امرأة تدعى هايكه (سابين تالو) أفنت أعوام عمرها في وظيفة ذات طابع خدماتي. اقترابها من سن التقاعد لا يعني الطمأنينة والاستقرار، بقدر ما يضاعف شعورها بأنها قابلة للاستبدال في أي لحظة. حين تنفجر أزمة مهنية تجد نفسها ممزقة بين التزامها تجاه فريقها، وامتثالها لقواعد مؤسسة لا ترحم. نحن أمام موظفة عادية تواجه سؤالاً استثنائياً: ماذا يبقى من الإنسان حين يطلب منه أن يختار بين رزقه ومبادئه؟

المهاجرة غير الشرعية

أما في "استمتع بإقامتك" فالحكاية عن لوز (مرسيدس كابرال)، مهاجرة فيليبينية غير شرعية تعيش في الظل، تنظف أماكن لن تقيم فيها أبداً، وتخدم سياحاً لن يعرفوا اسمها. تهديد يمس حياتها العائلية يدفعها إلى قرارات سريعة، تضعها في تماس مباشر مع بنية استغلالية تضطر إلى التعامل معها، مجدداً نحن أمام شخصية واعية بحدودها، تدرك أنها تقيم داخل نظام أكبر منها، وتحاول انتزاع مساحة صغيرة من السيطرة.

 

قرر كل من لوشير وأليبيو إنجاز هذا الفيلم بعدما شعرا بالغضب نتيجة اطلاعهما على مقال عن استغلال العمال المهاجرين في منتجعات التزلج السويسرية، والصمت الذي يحيط بالقضية. يرويان أنه ينظر إلى سويسرا باعتبارها واحدة من أكثر دول العالم ازدهاراً، لكن خلف الصورة البريدية، تختبئ حقيقة أخرى: نساء غير مرئيات ينظفن الشاليهات الفاخرة في منتجعات الألب، بلا أوراق قانونية، بأجور متدنية، ويمكن استبدالهن في أي لحظة.

هذا ما دفعهما إلى توجيه الكاميرا نحوهن، بعدما أمضيا أشهراً عدة في بحث ميداني مشترك في مدن مثل فيربييه وغشتاد وبرن وجنيف، حيث التقيا عاملات تنظيف غير موثقات وأصحاب عمل وضباط شرطة وممثلين عن النقابات. ما اكتشفا لم يكن سلسلة انتهاكات معزولة، بل نظاماً كاملاً: متكرراً، مطبعاً، ومتسامحاً معه إلى حد بعيد. الجميع يعرف، ولا أحد يرى".

لكن الفيلمين يتجنبان شيطنة الأفراد، الجميع يظهر كجزء من ماكينة اقتصادية أوسع. هذا الطرح يبدل زاوية النظر: المشكلة ليست في "شخص سيئ"، ولكن في منظومة تجعل الاستغلال خياراً عملياً، حين يصبح البقاء هو الهدف الأول تتراجع الاعتبارات الأخلاقية إلى الصف الثاني.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفقاً للفيلمين فإن سوق العمل المعاصر قائمة على مبدأ المرونة، لكن هذه المرونة غالباً ما تكون من طرف واحد. الشركات تعيد الهيكلة متى شاءت، والعقود تجدد أو تنهى وفق الحسابات، بينما يعيش الأفراد في حال استعداد دائم للطوارئ. الموظفة الألمانية تخشى أن تتحول خبرتها الطويلة إلى عبء، والعاملة المهاجرة تعرف أن وضعها القانوني الهش يمكن أن يستغل في أي وقت. في الحالتين يتحول العمل إلى مساحة قلق، بدلاً من أن يكون مصدراً للاستقرار والاكتفاء.

هناك أيضاً مسألة "اللامرئية"، في الفنادق والمنتجعات والمكاتب يمر الزبائن عبر أماكن نظيفة ومنظمة، دون أن يتساءلوا عن الأيدي التي أنجزت ذلك. هذه اللامرئية جزء من النظام، ومع ذلك لا يقدم الفيلمان خطاباً يائساً بالكامل، هناك اعتراف ضمني بقدرة الأفراد على المناورة، ولو بحدود ضيقة. الاختيارات قد تكون بين سيئ وأسوأ، لكنها تظل اختيارات. هذا الإدراك يحرر الشخصيات من صورة الضحية، ويضعها في منطقة أكثر تعقيداً: بشر يحاولون تدبير حياتهم داخل شروط غير عادلة.

فيلمان لا يأتيان بحلول جاهزة، لكنهما يضعاننا أمام حقيقة بسيطة: خلف كل خدمة نتلقاها ثمة أفراد يوازنون يومياً بين الكرامة والحاجة. والسينما، في قدرتها المستمرة على زعزعة المسلمات، تسأل عن إمكان بناء منظومة تحفظ الإنتاج والإنسان معاً. 

1 - "استمتع بإقامتك" المعروض في قسم "بانوراما".

2 - فيلم عن العمالة المستغلة في سويسرا. 

3 - "أتفهم استيائك" المشارك في مهرجان برلين.

4 - معاناة مشرفة على عمال التنظيفات في ألمانيا.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما