Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

أعمال المنزل... الذكور يفضلون المشاهدة لا المشاركة

يشير إحصاء مصري إلى أن النساء تقريباً يتحمّلن كل ما يتعلق بمهمات المنزل ورعاية الأطفال ومساعدة الرجال تكاد تكون منعدمة

يرفض بعض الرجال أداء أعمال منزلية باعتبارها مقتصرة على السيدات فقط (اندبندنت عربية)

ملخص

لماذا يستنكر القطاع الأكبر من الرجال المشاركة في الأعمال المنزلية، ويعتبر أنه يمثل نوعاً من أنواع التقليل من شأنه، وما الأبعاد النفسية لهذا الوضع وتأثيراته في المجتمع بالكامل باعتبار أنها ترتبط بصورة وثيقة بكل أفراد الأسرة من الرجال والنساء والأطفال الذين ينشأون في ظل هذا الوضع.

أفكار مجتمعية وأنماط جامدة تحدد أدوار الذكور والإناث في المجتمعات العربية، ومن بينها المجتمع المصري، وعلى رغم الجهود المبذولة لتغيير كثير من القوالب الجامدة التي تأصلت في التفكير العام على مدى عقود عدة، فإن التغيير غير محسوس بسبب اعتبارات مجتمعية وأفكار جمعية وتفسيرات مغلوطة لنصوص الدين لتتناسب مع توجهات بعينها.

أخيراً، أصدر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء دراسة تحت عنوان "دليل الأعمال المنزلية في مصر" كشفت عن نتائج صادمة في ما يخص المشاركة بين الجنسين في كل ما يتعلق بالمنزل وإدارة شؤون الحياة، والدراسة التي أجريت على نحو 50 ألف شخص نتج منها تفاوت ضخم، إذ وجدت أن الإناث هن من يتحملن العبء بصورة شبه كاملة، فقد ظهر أنه في ما يتعلق بإعداد الطعام والوجبات فإن الإناث يقمن به بنسبة 96 في المئة مقابل 3.7 في المئة للذكور، وفي ما يتعلق بالتنظيف وصيانة المنزل سجلت الإناث نسبة 97 في المئة مقابل 2.9 في المئة للذكور، وفي ما يتعلق برعاية الأطفال والتعليم جاءت نسبة الإناث 93 في المئة مقابل 6.9 في المئة للذكور، وحتى بالنسبة إلى رعاية الحيوانات الأليفة جاءت النساء 82 في المئة مقابل 17.2 في المئة للذكور.

وعلى مدى كامل نتائج الدراسة، فإن الحالة الوحيدة التي حصل فيها الذكور على نسبة تفوق الإناث في الإحصاء هي التنقل ونقل السلع، إذ سجل الذكور نسبة 58 في المئة والإناث 42 في المئة، والتسوق 45 في المئة للنساء و54.7 في المئة للذكور.

الأرقام السابقة وإن كانت تبدو في ظاهرها صادمة إلا أنها متوقعة باعتبار الأفكار والعادات التي تسيطر على كثير من المجتمعات العربية ومن بينها المجتمع المصري والتي تعتقد بأن أعمال المنزل ورعاية الأطفال وكبار السن وكل ما يتعلق بإدارة شؤون الأسرة هي أعمال نسائية لا تناسب الرجال، فبعضهم حتى إن كانت ظروفه تسمح بالمساعدة، فإنه لا يقدمها على اعتبار أن هذا شيء ينتقص من قدره.

تجارب مختلفة

تجارب متعددة نجدها في المجتمع المصري تراوح ما بين القبول والمشاركة بحدود وفي أعمال معينة والرفض التام لقيام الرجل بالمشاركة في أعمال المنزل.

تحكي "نهال. س" (38 سنة) "زوجي لا يشارك في أي شيء يتعلق بالأعمال المنزلية نهائياً، وباءت كل محاولات إشراكه فيها بالفشل، اعتاد هذا الأمر بفعل أسلوب التربية الذي كانت تنتهجه والدته، باعتباره ابنها الوحيد، كانت شقيقتاه تقومان بكل شيء نيابة عنه، والدة زوجي حاصلة على مؤهل عالٍ، وكانت تعمل في وظيفة حتى بلغت سن المعاش، فالأمر ليست له علاقة بالجهل أو المجتمعات الريفية التي تحكمها قيم معينة، لكنه نمط تفكير سائد في المجتمع، والأزمة حالياً أني أواجه حرباً في محاولة إشراك ابني في الأعمال المنزلية وتعليمه الاعتماد على نفسه في بعض الأمور التي تناسب عمره، لكني لن أيأس فهذه الأفكار لا بد من أن تتراجع".

فيما يقول عادل حسن (مهندس 41 سنة) "المساعدة في أمور المنزل شيء لا ينتقص من أي رجل، وبالفعل أحاول على قدر استطاعتي المشاركة، لكن الأزمة في ساعات العمل الممتدة وظروف الحياة الصعبة أعود لمنزلي بعد التاسعة مساءً، بالتالي لا أتمكن من المشاركة في كثير من الأمور، الحياة مشاركة، وكان والدي يساعد أمي في كثير من الأشياء من أهمها تحضير طاولة الطعام ومساعدتنا في حل الواجبات المدرسية، لكن الظروف كانت مختلفة تماماً، فكان يعود للمنزل عند الرابعة عصراً والفرصة متاحة للمشاركة في الأعمال اليومية بعكس طبيعة العمل حالياً".

 

وتشير دعاء مصطفى (35 سنة مدرسة لغة إنجليزية) إلى أن "قطاعاً كبيراً من الرجال لا يعدّ المشاركة في أعمال المنزل ورعاية الاطفال مسؤوليته من الأساس، وأنه من الطبيعي ألا يكون له دور، وأنه في حال قام بأية مشاركة فهذا من باب التفضل لا من باب الواجب، وهو يتعامل على أساس أن المجتمع يعطي له هذا الامتياز فلماذا لا يحصل عليه، وأن هذا ما وجدنا عليه آباءنا فلماذا سنختلف عنهم، في زمن سابق كانت النساء لا تعمل إلا بقدر محدود بعكس الآن، حالياً هناك نساء كثيرات في المجتمع  المصري موظفات وينفقن مع الزوج ويتحملن العبء الكامل لأعمال المنزل ورعاية الأطفال، وهذا وضع فيه عبء شديد لأن المرأة تبدأ دوام عمل جديد بمجرد عودتها من عملها".

ويوضح خالد. م (محاسب 29 سنة) أن "لكل شخص دوره في المجتمع، الرجل عليه العمل والكسب للإنفاق على الأسرة والمرأة عليها رعاية المنزل والأطفال، فلا يعقل أن يعمل الرجل طوال النهار خارج المنزل، ونطالبه أن يعود للطهي والتنظيف، وهنا ماذا سيكون دور المرأة في الأسرة، بخاصة إن كانت لا تعمل، وهذه الدعوات فيها تجنٍّ كبير على الرجال ومحاولات لخلق قيم لا تناسب عاداتنا".

مفاهيم متجذرة

لماذا لا يتقبل المجتمع الأفكار الجديدة؟ ولماذا يصر على تقاليد بالية متوارثة حتى إن كانت لا تتناسب مع كل التغيرات التي شهدها المجتمع خلال العقود الأخيرة؟ علماً أن ذلك لا يرتبط فقط بمشاركة الذكور من جميع الأعمار في الأعمال المنزلية، إنما في كل ما يتعلق بالأدوار التي تخص الرجل والمرأة.

من منظور أستاذة علم الاجتماع هالة منصور، فإن "هذا الوضع هو جزء من التركيبة الثقافية للمجتمع، فالثقافة هي العادات والتقاليد والقيم، وكل ما يتعلق بالإنسان باعتباره يعيش ضمن جماعة معينة، وهنا هذه الفكرة هي قيمة متوارثة بين الأجيال باعتبار أن المهمات المنزلية ورعاية الأطفال جزء صميم من الأدوار الجندرية التي وضعتها القيم الاجتماعية السائدة، وتغييرها ممكن، لكنه يحتاج إلى تغيير طويل الأمد، إذ إنه سيجد مقاومة كبيرة. ومن المفارقات أن هذا الفكر في قطاعات كبيرة ترسخه النساء أنفسهن اللاتي يرفضن بصورة قاطعة قيام الزوج أو الابن بأي عمل منزلي، واعتباره انتقاصاً من قدره، وبعض النساء العربيات أكثر ذكورية في أفكارهن من الذكور في هذا الشأن وغيره، وهنّ العائق الحقيقي في سبيل حصول النساء على كثير من حقوقهن المشروعة، وهذا واقع بالفعل، بخاصة في المناطق الريفية وذات التفكير التقليدي".

 

وتضيف أن "كثيراً من الذكور يعمل على التسفيه، بل أحياناً التحقير من شأن الأعمال المنزلية، وأنه لا يناسبه القيام بها، باعتبار أنها أعمال النساء ووفقاً لتفكيره أقل شأناً مثل ترديد مقولة إن ’المرأة مكانها المطبخ‘ التي نشاهدها في أي جدال على الــ’سوشيال ميديا‘ للتسفيه من قدر النساء والادعاء بأنهن لا يرتقين إلى الأعمال المهمة، على رغم أن المطبخ ليس سُبة والطهي فن وموهبة تبرع فيه النساء والرجال على السواء، بل أحياناً يتفوق الرجال، فأشهر الطهاة في العالم رجال، لكن هذا الفكر مرتبط بالمجتمع العربي وموروثه الثقافي المتحيز للذكور في كل مراحل حياتهم من قطاع كبير من النساء قبل الرجال".

وتوضح أن "في أحيان كثيرة يقوم الرجال بالمساعدة في المنزل ولكن يحرص على إخفاء هذا الأمر باعتبار أنه سيؤثر في صورته في المجتمع سلباً، وهناك كثير من الأفكار تحتاج إلى المواجهة بالفكر والوعي ونشر الأفكار المتطورة، ففي جانب كبير من العالم هذه الجهود تقدر وينظر إليها على أنها تنعكس إيجاباً على المجتمع وتمثل قيمة مادية ومعنوية، فاستئجار عاملة منزلية يكلف الرجل مبلغاً كبيراً، وفي مجتمعنا ينظر بعضهم إلى هذا الأمر على أنه إنفاق غير ضروري، ما دام أن النساء في الأسرة سيقمن بهذه الأمور مجاناً".

أعمال غير مدفوعة الأجر

بحسب دراسات سابقة، فإن الوقت الذي تقضيه النساء في الأعمال المنزلية المختلفة يمتد من خمس إلى ثماني ساعات يومياً، وربما أكثر في بعض الحالات على المستوى العالمي، ووجدت دراسة قامت بها مؤسسة المرأة الجديدة في مصر عام 2015 أن الرجال يقومون بمهمات تخص الأسرة في المتوسط بأربع ساعات أسبوعياً مقابل 30 ساعة أسبوعياً تقوم بها النساء، مما يعادل دوام عمل كامل في بعض الوظائف، لكنه في هذه الحالة بلا إجازات أو توقف وانقطاع بأية حال من الأحوال، وفي حالات كثيرة يكون هذا عائقاً أمام نساء يرغبن في العمل أو الدراسة أو حتى القيام بأي نشاط خاص بهن ولو ممارسة هواية.

وفي كثير من دول العالم المتقدم تصنف الأعمال المنزلية ضمن قطاع من الأعمال غير مدفوع الأجر يندرج ضمن نشاط المجتمع ككل، لكن السائد في مجتمعاتنا أنه ينظر إلى المرأة المتفرغة لأعمال المنزل على أنها شخص غير منتج حتى لو أنها تعمل في المنزل طوال النهار والليل.

لكن وفقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي، فإن الأعمال الرعائية غير المدفوعة التي تتمثل في الأعمال المنزلية ورعاية الأسرة تقدر قيمتها بنحو 11 تريليون دولار سنوياً، لكنها بحسب المنتدى الاقتصادي أعمال غير مرئية، وتقوم النساء بمعظمها وتقدر بنحو تسعة في المئة من الناتج العالمي.

 

وفي غالبية العالم العربي تقوم النساء بهذه الأعمال التي تشمل الطهي والتنظيف ورعاية الأطفال وكبار السن، مما يفسح الفرصة أمام الرجال للعمل خارج المنزل وتحقيق الذات والمكسب المادي، فيما قد تعوّق هذه الأعمال بعض النساء في أحيان كثيرة من القيام بأي شيء آخر.

وفي حال الاستناد إلى صحيح الدين بضرورة المشاركة وعدم تحميل النساء فوق طاقتهن أو حتى الاستعانة بمساعدة منزلية، غالباً ما يكون الرد من قطاع ليس قليلاً من الشيوخ أن هذا العمل ستؤجر عليه النساء.

وأثير خلال نقاشات متعددة طرح فكرة استحقاق النساء لأجر أو تعويض نظير فقدانها فرصة تحقيق دخل حقيقي لتفرغها لرعاية الأسرة، بخاصة في حالات الطلاق، إذ إنها تجد نفسها بلا دخل أو أي مورد مالي، وفي حالات مرتبطة ببعض المجتمعات قد تنعكس الأعمال المنزلية التي تقوم بها النساء على دخل الأسرة، ولا سيما في بعض المناطق التقليدية أو الريفية حيث تقوم النساء بتربية الحيوانات والطيور أو بصناعة بعض المأكولات بغرض البيع، أو المشاركة في أعمال الزراعة في الحقول من دون الحصول على أجر، وفي المدن مشاركة النساء في بعض الأعمال التجارية العائلية أو بعض الحرف مثل المنسوجات والأعمال اليدوية التي تُباع، لكن عائدها يعود على الأسرة كاملة.

هذا الوضع أثار منذ فترة فكرة الكد والسعاية التي طرحها شيخ الأزهر في مصر منذ أعوام عدة والتي تتعلق بأحقية المرأة في الحصول على مقابل لجهودها في تنمية ثروة زوجها، وهذا المصطلح وفق ما أعلنه الأزهر يأتي من التراث الإسلامي وليس مخترعاً أو مكتشفاً حديثاً، كما ادّعى بعضهم حينها ورفض الطرح من أساسه واعتبره وافداً من الجمعيات الداعمة لحقوق المرأة التي تهدف إلى محاربة الرجل وتقليل نفوذه.

لماذا لا يتقبل الرجال المشاركة في أعمال المنزل؟

لماذا يستنكر القطاع الأكبر من الرجال المشاركة في الأعمال المنزلية، ويعتبر أنه يمثل نوعاً من أنواع التقليل من شأنه، وما الأبعاد النفسية لهذا الوضع وتأثيراته في المجتمع بالكامل باعتبار أنها ترتبط بصورة وثيقة بكل أفراد الأسرة من الرجال والنساء والأطفال الذين ينشأون في ظل هذا الوضع.

يوضح استشاري الصحة النفسية وليد هندي أن "ما يحدث هنا هو أن الطفل ينشأ في نمط التربية الذكورية القائم على أن البنت تساعد الأم في الطبخ وأعمال المنزل وهو جالس، وتحضر الطعام وترفع الصحون، وتعد له الشاي والمشروبات وهو ليست له أية علاقة، وهذا الوضع من توزيع المهمات بصورة غير عادلة واعتياد الأطفال على هذا المشهد يترسخان في وجدانه ويعطيانه انطباعاً بأن هذه الأعمال لها صبغة أنثوية وأن الذكور ليست لهم علاقة بهذه المهمات، وقد يعود للمنزل ولا يجد الطعام جاهزاً فيرفع صوته ويتشاجر باعتبار أن هذا حق من حقوقه وليست عليه أية مسؤولية في المشاركة فيه، فهذه مهمات الإناث سواء كانت الأم أو الأخت أو الزوجة لاحقاً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقول هندي "من الغريب أن هذه الأفكار تأتي في وقت انتشرت فكرة السفر للتعليم أو للدراسة وهناك كثير من الشباب أصبح يعيش بمفرده ومن المنطقي أن يعتاد الاعتماد على نفسه في الأمور الحياتية اليومية العادية، لكنه لم يتعلم أبسط القواعد، وبعض الأمهات تفرض نمطاً من الحماية أو التدليل الزائد على أبنائها الذكور، وتكون هذه هي النتيجة بالنهاية أنه يرمي كامل المسؤولية على زوجته في كل نواحي الحياة، فهي المسؤولة عن المنزل والطعام وشراء المستلزمات وتعليم الأطفال وإدارة الحياة بكل جوانبها وهو لا يرغب في تحمل أية مسؤولية".

ويستكمل أن "هذا الكم من المسؤوليات يضع النساء في مواجهة حمل كبير، مما ينعكس على صحتها النفسية، فهي دائماً مرهقة ومتوترة وتتعرض لضغوط، ومفهوم المشاركة بين الأزواج غير موجود على رغم أنه مفهوم أساسي ويدعم روابط العلاقة مثل المشاركة في التسوق، أو إعداد الطعام أو حل الواجبات المدرسية مع الأطفال، ولا بد من تغيير فكرة الوصمة الاجتماعية للرجال الذين يساعدون في الأعمال المنزلية المنتشرة في بعض قطاعات المجتمع باعتبارها قيماً ثقافية موروثة بالية بها جهل وعنصرية والتباس مفاهيم، فهذا ينال من مفهوم الرجولة ولا يمثلها، ويضيف حملاً نفسياً وجسدياً على النساء يؤدي بالنهاية إلى عدم استقرار الأسر نتيجة كم الضغوط التي تتحملها النساء".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات