Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

التضامن بديلا للنقود... اقتصاد خفي ينقذ السودانيين من الانهيار

نظام تكافلي تقوم عليه شبكة غير مرئية عمادها الثقة والتعاضد

نشأ اقتصاد خفي يقوم على المقايضة وديون الشرف والعمل بلا أجر وغيرها من أشكال التعامل والتضامن المجتمعي (اندبندنت عربية - حسن حامد)

ملخص

في ظل شحّ السيولة وانقطاع الرواتب، عاد السودانيون إلى أبسط أشكال التبادل مثل المقايضة، إذ لم يعد السعر يحدد بالقائمة، بل بالحاجة، وتحوّلت المهارات إلى عملة بديلة، وأصبحت القيمة تُقاس بالمنفعة المباشرة لا بالربح.

منذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع"، في منتصف أبريل (نيسان) عام 2023، لم يعد المال هو معيار البقاء في هذه البلاد، نظراً إلى توقف الرواتب، وتبخر المدخرات، وإغلاق المصارف أبوابها، لكن مع ذلك فإن الحياة لم تتوقف، إذ نشأ اقتصاد خفي يقوم على المقايضة، وديون الشرف، والعمل بلا أجر، وغيرها من أشكال التعامل والتضامن المجتمعي، هذا النظام التكافلي تقوم عليه شبكة غير مرئية تحكمها الثقة والتعاضد، وأصبح التضامن هو رأس المال الحقيقي.

اقتصاد الفطرة

في ظل شحّ السيولة وانقطاع الرواتب، عاد السودانيون إلى أبسط أشكال التبادل مثل المقايضة، إذ لم يعد السعر يحدد بالقائمة، بل بالحاجة، وتحوّلت المهارات إلى عملة بديلة، وأصبحت القيمة تُقاس بالمنفعة المباشرة لا بالربح.

 

في السياق، رأى الباحث الاقتصادي محمد الأمين أن "ما يحدث في السودان ليس انهياراً كاملاً للاقتصاد، بل تحوّل في شكله، فعندما تتعطل المنظومة النقدية، لا تتوقف المجتمعات عن الإنتاج، إنما تبحث عن وسائل تبادل بديلة، فالمقايضة وديون الشرف والعمل غير المأجور هي آليات تكيف تاريخية تظهر في أوقات الأزمات"، مضيفاً "هذا النمط يعكس قوة رأس المال الاجتماعي، لكنه يحمل أخطاراً، إذ يظل غير منظم ولا يوفر حماية قانونية للضعفاء، هو اقتصاد يحفظ الكرامة موقتاً، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً دائماً عن دولة فاعلة ونظام مالي مستقر".

هشاشة خفية

من ناحيتها، تختلف الباحثة في علم الاجتماع الاقتصادي سلمى عبدالرحمن مع الطرح الذي رأى في المقايضة قوة مجتمعية خالصة، واعتبرت أن "هذا الشكل من التبادل يعكس عمق الأزمة أكثر مما يعكس التعافي، فعندما يضطر الناس إلى العودة للمقايضة، فهذا مؤشر على فقدان الثقة الكاملة في النظام المالي، وليس مجرد تكيف مرن"، مضيفة "اقتصاد المقايضة قد يبدو متضامناً لكنه يحمل اختلالات صامتة، فالقيمة فيه تحدد بالعلاقات والقوة التفاوضية، لا بمعايير واضحة، والأشخاص الأكثر هشاشة ككبار السن، والنساء بلا دخل، والنازحين بلا شبكة دعم، غالباً ما يخسرون في هذا النوع من التبادل"، ورأت عبدالرحمن أن "غياب الأطر القانونية يجعل النزاعات غير قابلة للحل العادل، ويحوّل الاعتماد على الثقة إلى عبء نفسي مستمر، فالمقايضة قد تبقي الناس على قيد الحياة، لكنها لا تبني اقتصاداً مستداماً، هي آلية بقاء في زمن الانكسار، لا مشروع نهوض".

 

ديون الشرف

في أحياء كثيرة، لم تعد الفواتير تُدفع نقداً، بل تُؤجل إلى أجل غير معلوم، فعبارة "سجّل عليّ" صارت جزءاً من الحياة اليومية، في وقت تتحول دفاتر البقالات إلى سجلات ثقة مفتوحة، وهنا لا يوجد عقد قانوني، بل يوجد التزام أخلاقي يحكمه الحياء الاجتماعي والسمعة.

وأشار أستاذ علم الاجتماع الاقتصادي عبدالرحمن الطيب إلى أن "ديون الشرف تمثل أحد أوضح تجليات رأس المال الاجتماعي في السودان خلال الحرب"، وتابع "المجتمعات، عندما تفقد أدواتها الرسمية كالرواتب والمصارف، تلجأ إلى شبكات الثقة كبديل موقت لتنظيم التبادل، ففي هذه الحال، لا يكون الضمان شيكاً أو عقداً بل السمعة والتاريخ الشخصي داخل الحي"، ولفت إلى أن "هذا النمط يعكس بنية اجتماعية مترابطة، إذ يعرف الناس بعضهم بعضاً، مما يسمح بفتح حسابات غير مكتوبة تستمر أشهراً، فالبقال هنا يقرض ثقة، وهو يدرك أنه قد ينتظر طويلاً قبل السداد، لكنه يراهن على العلاقة"، وواصل "هذا النظام، على رغم إنسانيته، يحمل توترات صامتة، فالتعثر في السداد لا يُقرأ اقتصادياً وحسب، بل أخلاقياً أيضاً، فالمدين قد يشعر بعبء نفسي مضاعف، لأنه لا يخشى الغرامة، بل فقدان مكانته الاجتماعية، وهذا الشكل من الائتمان يظل انتقائياً، إذ يُستبعد الغرباء والنازحون الذين لا يملكون شبكة علاقات راسخة"، وزاد "استمرار الاعتماد على ديون الشرف، فترات طويلة، قد يؤدي إلى إنهاك التجار الصغار أنفسهم، الذين يتحولون إلى ممولين قسريين للمجتمع من دون حماية أو دعم، فنحن أمام اقتصاد تضامن، لكنه اقتصاد هشّ، قوته في العلاقات، وضعفه في غياب الضمانات"، وختم الطيب "مثل هذه الديون تبقي المجتمع متماسكاً في لحظة الانهيار، لكنها ليست بديلاً من نظام مالي عادل، إنها جسر موقت بين الحاجة والكرامة، ليست طريقاً دائماً للاستقرار".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اقتصاد الضرورة

في زمن انقطاع الرواتب وندرة الفرص، يعمل كثر بلا مقابل مادي، فهناك شباب ينظمون مراكز إيواء، ونساء يطبخن للأسر الأشد احتياجاً، وعمال يقبلون بالطعام بدل الأجر، وأحياناً يكون الدافع تضامناً خالصاً، وأحيانا أخرى بحثاً عن معنى ودور في واقع مشلول، لكن السؤال هل هذا تطوع حرّ؟ أم شكل مقنّع من اقتصاد الاضطرار؟

قال الباحث في قضايا العمل سامر يوسف "العمل بلا أجر في السياق السوداني الحالي يتجاوز مفهوم التطوع التقليدي، ففي الظروف الطبيعية نجد أن التطوع خيار أخلاقي، أما في الأزمات الممتدة، فقد يتحول إلى آلية بقاء، إذ يقبل الأفراد بأي مقابل غير نقدي، طعام، حماية، وشبكة علاقات لتعويض غياب الدخل"، وأضاف يوسف "هذا النمط يعكس رغبة عميقة في الحفاظ على الكرامة والإحساس بالقيمة الذاتية، فالإنسان لا يحتاج إلى المال فقط، بل إلى الشعور بأنه فاعل ومؤثر، والعمل من دون أجر، يمنح هذا الإحساس"، لكنه حذر من أن الخط الفاصل بين التضامن والاستغلال رفيع للغاية، وبخاصة عندما تعتمد مؤسسات أو أفراد على جهد مجاني طويل الأمد من دون توفير دعم حقيقي.

ورأى يوسف أن "العمل بلا أجر قد يكون فعل مقاومة للبطالة والانكسار، لكنه لا ينبغي أن يصبح قاعدة دائمة، فاستدامة الكرامة تتطلب أيضاً عدالة اقتصادية تضمن حق الإنسان في أجر عادل مقابل جهده".

شبكات صامتة

في غياب الدولة والمنظمات الرسمية في بعض المناطق، ظهرت شبكات دعم سرية تحمي الأفراد من الجوع والفقر، منها تحويلات المغتربين، ومجموعات الجيران، وغيرها.

وأشارت المختصة في العمل الإنساني ليلى محمد إلى أن "المساعدات غير الرسمية تمثل اقتصاد نجاة يعتمد على الثقة المتبادلة والقدرة على التنظيم المحلي، فهذا النوع من الدعم لا يقوم على المال وحده، بل على التزام أخلاقي وروابط اجتماعية قوية.

ففي هذه الشبكات، لا توجد عقود مكتوبة، ولا صناديق مالية رسمية، بل يوجد فهم ضمني لما هو واجب تجاه الجار أو الأقرباء أو حتى الغرباء الذين يحتاجون إلى الدعم"، وأوضحت أن "هذه الطريقة تتيح للمجتمعات التكيف بسرعة مع الأزمات، فهي نظام سريع ومرن يستطيع الوصول إلى المحتاجين من دون بيروقراطية أو إجراءات رسمية معقدة، لكنه في الوقت نفسه هشّ جداً، إذ يعتمد على العلاقات الشخصية، وقد تنهار الشبكة بالكامل إذا غاب أحد أفرادها الرئيسين، أو توقف مصدر التحويلات أو الدعم، وغياب التوثيق الرسمي يجعل من الصعب تقييم حجم المساعدات أو مراقبتها، مما يترك بعض الأسر الأشد ضعفاً خارج دائرة الحماية، أو معرضة للإقصاء من دون قصد"، ورأت ليلى أن "هذه المساعدات ليست مجرد أعمال خيرية، بل هي استراتيجية بقاء حقيقية في زمن الانكسار الاقتصادي، لكن المجتمع بحاجة إلى نظام أكثر استقراراً، إذ يمكن للكرامة والاعتماد المتبادل أن يستمرا مع حماية قانونية ومؤسساتية، بدل البقاء رهينة العلاقات الشخصية وظروف موقتة لا تتحكم بها الدولة".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير