ملخص
"الجانب الآخر من الشمس" فيلم سوري و"لمن يجرؤ" لبناني نقلا إلى جمهور مهرجان برلين السينمائي وجهين من بلدين عربيين يتخبطان في القسوة.
في لحظة بدت كأنها تفتح بوابة التاريخ على مصراعيها، سقط النظام الأسدي في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وانكشفت سوريا على واقع جديد، إذ كُسرت أبواب السجون، ومن بينها سجن صيدنايا، ذاك الاسم الذي تحوّل على مدى عقود إلى مرادف للرعب في قلوب السوريين.
في هذا المناخ، يقدم المخرج السوري توفيق صابوني فيلمه "الجانب الآخر من الشمس"، المعروض ضمن قسم "بانوراما" في مهرجان برلين السينمائي (12 -22 فبراير "شباط"). صابوني، السجين السابق الذي اعتُقل لأنه صور التظاهرات في بدايات الثورة السورية، يعود إلى المكان الذي كاد يبتلعه، مستخدماً الكاميرا كأداة توثيق ووسيلة لاستعادة السيطرة على ذاكرة طاولها التشويه والقمع.
يدخل الفيلم إلى السجن بعد إخلائه، فيتحوّل المكان إلى خشبة مسرحٍ خالية. لا سجّانون، لا صراخ، لا أوامر، فقط جدران وخمسة ناجين يعودون ليملأوا الفراغ بأصواتهم. خيار جمالي وسردي يصبح فيه الصوت بديلاً عن الأرشيف، حيث صدى الكلمة المنطوقة داخل الزنزانة المهجورة أقوى من أي صورة.
السجناء السابقون يعيدون تمثيل ما عاشوه، يتحركون في الممرات، يلامسون الأبواب، يجلسون في الزنازين، كأنهم يحاولون الإمساك بشبح أفلت منهم. تتشابك الذكريات لتشكل سردية جماعية، متداخلة، تتكامل فيها الفجوات.
في المعتقل، كان السجان صوتاً بلا وجه، لذلك، تبدو العودة محاولة لتجسيد ما كان مجرداً، ولإعطاء شكل لما كان مجرد صوت، ولإعادة رسم حدود المكان الذي كان "جدرانا من خيال".
صحيح أن الفيلم لا يسعى إلى ابتكار لغة وثائقية طليعية، لكنه يحقق طموحه على نطاق معين: خلق طقس جماعي للمواجهة. الفيلم، في هذا المعنى، أقرب إلى جلسة علاج جماعي، أو إلى محكمة رمزية تُستعَاد فيها الكرامة عبر الحضور الحر في المكان الذي كان مسرح الإذلال.
ولكن، التحرر من السجن لا يعني بالضرورة التحرر من السجن الداخلي. التروما، كما يوحي العمل، قادرة على بناء جدران جديدة داخل النفس، ومع ذلك استعادة المكان قد تكون الخطوة الأولى نحو هدمها.
"لمن يجرؤ"
في فيلمها الجديد "لمن يجرؤ"، تعود المخرجة اللبنانية دانيال عربيد إلى بيروت، لكن بيروت هذه المرة ليست مدينة واقعية بقدر ما هي صورة شبه مُتخيَّلة، أُعيد تركيبها في فرنسا. الحرب الإسرائيلية الأخيرة حالت دون التصوير في لبنان، فاختارت عربيد أن "تخترع" مدينتها الخاصة ثم جعلت الممثلين يؤدون أمام هذه الخلفيات، في حل جذري يتحول إلى موقف سياسي. "لو راح لبنان، في الأقل سيبقى حيّاً في فيلمي"، قالت المخرجة مساء الخميس الماضي أثناء اللقاء مع الجمهور بعد عرض فيلمها الذي افتتح قسم "بانوراما".
بطلة الفيلم، التي تؤديها هيام عباس، امرأة ستينية تُدعى سوزان، أرملة ذات جذور فلسطينية، تعيش في مدينة بيروت المأزومة التي تعاني شحاً في المياه، في حين يعيش مواطنوها تحت وطأة الضائقة المالية بعد سرقة المصارف أموالهم. تلتقي سوزان صدفة عثمان، سوداني مهاجر غير موثّق (أمين بن رشيد)، فتتطور العلاقة بينهما إلى حب يثير غضب بعض الناس وفضولهم وعدائيتهم.
انطلقت هذه الدورة بجدال عقب تصريح رئيس لجنة التحكيم فيم فندرز بأنه على السينمائيين البقاء خارج السياسة، لكن عربيد تقول في مقابلة العكس تماماً: "العالم يزداد تطرفاً يوماً بعد يوم، وأومن أن السينما، مثل كل الفنون، سياسية". هذه العبارة تكثّف منطلق العمل: الحب هنا ليس قصة رومانسية بقدر ما هو موقف. سوزان وعثمان يقفان في وجه منظومة من الأعراف والعنصرية والتمييز الطبقي والعمري. فارق الـ40 عاماً بينهما ليس سوى ذريعة إضافية لنبذ علاقة لا تناسب "المعايير".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
يستحضر الفيلم، في شكل أو آخر، تقليداً سينمائياً يقوم على التضاد. تذكر المخرجة من بينها "كل ما تتيحه السماء" لدوغلاس سرك و"علي: الخوف يأكل الروح" لراينر فرنر فاسبيندر حيث يتحول الحب إلى أداة تكشف نفاق المجتمع. لكن عربيد تضيف إلى ذلك بُعداً تهكمياً، تصف لبنان بأنه يشبه "أوبريت"، بلداً يضخّم تفاصيله اليومية إلى حدّ العبث، ويواجه كوارثه بالضحك.
شخصية سوزان ليست بطلة مثالية. علاقتها بأولادها معقّدة، بزوجها الراحل عدائية، بنفسها مترددة. لكنها، كما تقول عربيد، "امرأة عادية وشجاعة في آن". شجاعتها لا تكمن في تحديها العلني فقط، بل في سماحها لنفسها بأن تحب خارج القوالب. في مجتمعٍ يضيق على النساء، خصوصاً في ما يتعلق بأجسادهن ورغباتهن، فيتحول الحب المتأخر فضيحة.
الفيلم لا يخلو من المبالغة أحياناً، ولا من خطابية واضحة، لكنه واعٍ لذلك، ثمة بعد ساخر يتعمد تضخيم ردود الفعل، كأن المجتمع بأسره يشارك في جوقة إدانة. هذا الخيار يمنح العمل نبرة هجائية، تضعه بين الميلودراما والكوميديا السوداء.
يطرح الفيلم سؤال الحرية في زمن الخوف، عن معنى أن تختار قلبك في بيئة تراقبك باستمرار. عربيد، التي عاشت بين الشرق والغرب وتنتمي صراحة إلى ثقافتين، ترى أن معركة الحرية لم تعد محلية، بل عالمية في مواجهة التعصب. شخصياتها تقف عند هذا التقاطع، وتحاول أن تنتزع لنفسها مساحة تنفّس فيها بحرية.