Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

العمال الأجانب في لبنان... بين الاستياء والخوف

تضاؤل فرص العمل وصعوبة الحصول على الدولار وغياب الحماية القانونية أبرز الأزمات

احتجاجات خارج مقر البنك المركزي اللبناني في العاصمة بيروت بسبب أزمة السيولة المتزايدة  (أ.ف.ب)

لم يعد لبنان بيئة جاذبة للعمالة الأجنبية، هذه الحقيقة تأكدت مع ارتفاع حدة الأزمة الاقتصادية. فاللبناني الذي كان يبالغ في نمط معيشته، أصبح غير قادر على تأمين احتياجاته، فكيف الحال بمستخدميه وعماله الذين ينتمون إلى فئة "الكفاءات غير العالية" التي تعمل في الخدمة المنزلية والنواطير، ومحطات المحروقات، وعمال النظافة، أي الفئات "المنافسة" و"منخفضة الأجر".

 حسب الإحصاءات الرسمية لعام 2018، جددت وزارة العمل اللبنانية 182749 إجازة عمل قائمة، احتلت الجنسية الإثيوبية الصدارة بـ91551 إجازة، ثم المصرية 18012، والفلبينية 17156، أما السريلانكية فبلغت 6031، والهندية 6052، والبنغلادشية فكانت 5130 إجازة عمل.

كما بلغ عدد الإجازات الممنوحة للعمالة الجديدة القادمة إلى لبنان 86894 عاملا أجنبيا، ليبلغ إجمالي حجم العمالة الأجنبية الشرعية 270 ألف عامل. تشير هذه الأرقام إلى الحصة الكبيرة التي يشغلها العمال الأجانب في لبنان، وحجم تأثُر وتأثير هؤلاء على واقع سوق العمل اللبنانية. ولا يمكن أن نتجاهل وجود شريحة كبيرة من العمالة غير المشروعة التي تعمل في السوق الموازية.

وكان لافتاً العدد المحدود لإجازات العمل الممنوحة لحاملي الجنسية السورية بـ1574 إجازة مجددة فقط. وحسب دراسة أنجزها ناصر ياسين، الأستاذ بالجامعة الأميركية في بيروت، يتضح أن 4% من السوريين في لبنان يعملون في وظائف تتطلب مهارات عالية، أما الغالبية العظمى فيزاولون الأعمال اليدوية، والزراعة والبناء، وهذه الوظائف لا تؤمن دخلاً عالياً، كما لا تؤمن أي أمان وظيفي أو حماية، لذلك يظل أمان الأكثرية العظمى منهم في العودة إلى بلادهم أو الهجرة للتوطين في دولة ثالثة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا يمكننا الاستمرار

رواية "الأفق المسدود" تتكرر على لسان العمال والعاملات الأجنبيات في لبنان. منذ 3 أشهر، لم تتمكن "ليلا"، العاملة الإثيوبية من إرسال المال إلى أهلها في أديس أبابا، إذ لم تتمكن من الحصول على الدولار من صاحب العمل، لذلك تشعر بالحزن لأنها لم تسهم في زرع الفرحة في قلب أمها على عيد الميلاد. في المقابل، فإن العملة اللبنانية التي يطرحها أرباب العمل، لا تنفعها لأنه في خارج لبنان لا يمكن التعامل بالليرة اللبنانية ولا يمكن تبديلها.

تأمل "ليلا" أن تتحسن الأوضاع في الأيام المقبلة، وإلا قد يكون قرارها مشابهاً لزميلاتها الذين عادوا إلى بلادهم، وتحديداً العاملات في الخدمة المنزلية. وتأسف لأنها غادرت منذ 4 سنوات لدولة الكويت حيث كانت تعمل، فهي جاءت إلى لبنان لتنضم إلى شقيقتها وصديقاتها العاملات هنا، ويمكنهن ممارسة بعض الطقوس الإيمانية الجماعية في كنائس الطائفة الأرثوذكسية في بدارو وطرابلس.

وأوضحت أن عدداً من الفتيات كنّ بين خيارين، إما المغادرة، أو الاتجاه لإبداع شكل جديد للعمل، ألا وهو "أجر العمل على الساعة". حيث تقوم الفتيات بالعمل تحت طلب أرباب العمل والبيوت، لافتةً إلى أن الدخل تضاءل حتى في هذا المجال، لأن الأجر الذي كان يساوي 7 آلاف ليرة، ما يقارب 5 دولارات، بات حوالي 3 دولارات، لذلك فهي تخسر لأن فقدان أي دولار تعني خسارة 3500 بر إثيوبي.

مكاتب الاستقدام محاصرة

لا تتوقف مشكلة العمالة الأجنبية عند العمال القادمين من خارج لبنان، وإنما تتجاوزها إلى مكاتب الاستقدام. يتحدث أصحاب المكاتب عن صعوبات ناجمة عن اشتراط العمال القادمين بأن يدرج "شرط تقاضي الأجر بالدولار الأميركي أو العملات الأجنبية". ولا تتوقف المشكلة عند حدود الإجراء التي لم يعودوا راغبين بسببها في العودة إلى لبنان، ويطالب البعض منهم بمغادرة البلاد على حساب الكفيل.

كما يشكو أصحاب المكاتب "الكابيتال كونترول" والسقوف المالية التي فرضتها المصارف، فهم أكثر ميدان يعاني شح الدولار وعدم توفر المال. لذلك لا يمكنهم إنجاز المعاملات حالياً بسبب الحاجة إلى العملات الأجنبية. ويوضح أصحاب المكاتب أنهم كانوا يلجأون إلى إيداعاتهم البنكية بالعملة الصعبة من أجل إنجاز معاملات الفتيات العاملات، ودفع ثمن بطاقات وجوازات السفر. ويشكو أصحاب المكاتب من أن السمعة الائتمانية للبنان باتت منخفضة، لذلك يطالب الوكلاء والعملاء في البلاد المصدرة للعمال بدفع القيمة الكاملة للاتفاقيات وليس على دفعات.

غطاء قانوني مفقود

للمرة الأولى منذ سنوات، حاول وزير العمل السابق كميل أبو سليمان تنظيم العمالة الأجنبية في لبنان، وتفعيل تفتيش العمل، ووضع قيود على عملهم وإلزامهم على تقنين أوضاعهم. هذه الحملات انطلقت من قوانين قديمة العهد، لا يتناسب الكثير منها مع الواقع الجديد والاتجاهات العالمية لحماية حقوق الإنسان.

تؤكد المحامية موهانا إسحق، أن البيئة اللبنانية الحالية لا تؤمن الحماية القانونية للعمالة الأجنبية، لأن القوانين التي ترعاهم قديمة إذ تعود إلى ستينيات القرن الماضي، حيث كانت أعداد العمال الأجانب محدودة مقارنة بالأعداد الموجودة اليوم، ولم تتطور القوانين لتواكب التطور الاجتماعي والقانوني. وتلفت المحامية الناشطة في جمعية "كفى" إلى ثغرات كبيرة في القوانين التي ترعى استقدام وإقامة الأجانب والعاملات المنزليات والعمال الزراعيين، لذلك يتم اللجوء باستمرار إلى القوانين العامة والموجبات والعقود.

تحذر أيضا من تعرض العمال الأجانب إلى الاستغلال بسبب نظام الكفالة القائم على الأعراف، وغير المنظّم كتابياً بصورة واضحة. وتعتقد أن هناك تمييزا تجاه الفئات المنافسة للعمالة الوطنية بسبب ظروف سياسية واقتصادية واجتماعية.

في الفترة الأخيرة، بدأ العمال الأجانب يشترطون تقاضي أجورهم بالدولار. وحسب إسحق، "لا توجد نصوص قانونية تُلزم رب العمل بهذه الصيغة، لذلك لا بُد من الوصول إلى توافق لأن هناك صعوبة في إجبار صاحب العمل بذلك". من هنا يُطرح السؤال حول إمكانية طلب الأجير فسخ العقد بسبب تفاوت الالتزامات وتراجع قيمة النقد الوطني.

 تشير أيضا إلى ثلاثة شروط في حالة العاملات المنزليات لفسخ العقد، تتمثل في أن يتخلف صاحب العمل عن دفع الأجور لثلاثة أشهر، وأن تتعرض لأعمال عنف جسدي وجنسي مثبتة في تقرير طبيب شرعي أو بمحاضر رسمية بناء على شكوى، وأن يتم تشغيلها بغير الصفة التي استقدمت لأجلها، هذه الشروط تبقى نظرية بسبب عدم وجود الآليات الإجرائية لانتقال الأجير من رب عمل إلى آخر دون تعرضه للمساءلة بسبب الفرار أو مخالفة مكان الإقامة.

تقدّر إسحق وجود 250 ألف عاملة منزلية في لبنان، يفتقدن إلى الحماية القانونية الكافية. أمام هذا الواقع، يؤدي غياب الإطار القانوني واضح  المعالم إلى تكريس طرف ضعيف في العلاقة بين الأجنبي ورب عمل وطني. وتطالب إسحق بوضع قوانين حديثة تتلاءم مع التطورات القائمة في سوق العمل، وصولاً إلى تأمين آليات الحماية والرقابة، وتنظيم شروط الإقامة والحؤول دون المنافسة غير المشروعة للعمالة الوطنية. 

في موازاة هذا الفراغ التشريعي، حاول بعض القضاة سد الثغرات القانونية وتحديداً تدخل قضاء العجلة لتحصين بنية حقوق الإنسان، ومنع أصحاب العمل من حجز جوزات سفر العمال الأجانب لأن حق التنقل من الحقوق الأساسية للإنسان. وحسب المحامية إسحق هذه القرارات الفردية لا تُغني عن سد النقص في النصوص والتشريعات وآليات يمكن للعمال اللجوء إليها بطريقة بسيطة وواضحة.

في المحصلة، يبدو أن شظايا الأزمة الاقتصادية في لبنان تجاوزت الحدود الداخلية، لتصل إلى خارج الإقليم حيث يعيش مئات الألوف من العائلات في آسيا وأفريقيا على عوائد ذويهم الدولارية من لبنان. وفي ظل غياب هذا الدولار، يتحول لبنان إلى بيئة غير جاذبة للعمالة الأجنبية، وربما تكون هذه الأزمة فرصة لتغيير بعض السلوكيات، فمن غير الجائز في بلد منهك اقتصادياً واجتماعياً وجود هذا العدد الكبير من العاملات المنزليات الأجانب.