Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الافغانية شهربانو سادات تفتتح مهرجان برلين بفيلم مأزوم

كاميرا المصورة التلفزيونية  تكشف كابول المنقسمة بين حياة حرة وسلطة قمعية

من الفيلم الأفغاني "لا رجال جيدين" (ملف الفيلم)

ملخص

انطلاقة مخيبة فنياً شهدها مهرجان برلين السينمائي (12 - 22 فبراير/ شباط) في دورته السادسة والسبعين مساء أمس مع عرض "لا رجال جيدين" لشهربانو سادات، المخرجة الأفغانية المقيمة في ألمانيا، التي تعود إلى الأيام التي سبقت سقوط كابول في آب (أغسطس) 2021.

بدلاً من أن تخوض السينمائية الأفغانية الشابة مرثية سياسية تقليدية، خاضت مغامرة الحديث عن الوضع المأزوم في بلادها المستمر منذ عقود، مستخدمةً نبرة خفيفة تتخللها لحظات من الكوميديا الرومانسية، مع الكثير من الوعظ المباشر عن وضع المرأة في بلد محافظ يسيطر عليه التطرف الديني. هذا الخيار الأسلوبي، في ذاته، هو تحد للصورة النمطية التي رسمتها وسائل الإعلام وكرستها الأفلام الوثائقية، لكنه يضع الفيلم في منطقة شائكة سياسياً ويحدد سقفاً لطموحات المخرجة غير الناضجة جمالياً، خصوصاً حين يكون الواقع أكثر تعقيداً من حصرها في 100 دقيقة، تغلب عليها الكاريكاتورية ويسودها التهافت.

هذا ثالث فيلم روائي طويل لسادات التي تقول من منفاها الألماني بأنها تحب بلادها، لكنها لا تحب الشكل الذي هي عليه الآن، مصرحةً بأن بلادها أحوج ما تكون إلى تغيير، وهي تحاول المساهمة في هذا التغيير الإيجابي من خلال السينما.

 

 

في عام 2021 أنهت الولايات المتحدة وجودها العسكري في أفغانستان، فتداعى النظام الحاكم خلال فترة وجيزة، وتمكنت حركة "طالبان" من بسط نفوذها على كابول مجدداً، معلنةً قيام إمارة إسلامية، لتدخل البلاد في أزمة إنسانية ما زالت فصولها تتواصل حتى اليوم. يستهلّ الفيلم أحداثه من الفترة التي سبقت هذا التحوّل العميق في الواقعين السياسي والاجتماعي. في هذه الأجواء، يتابع الفيلم مصوّرة تلفزيون (تلعب الدور المخرجة نفسها) وكبير المراسلين في المحطة الأفغانية (أنور هاشمي) اللذان يتحركان بين الشارع ومكاتب الأخبار، بين الحياة اليومية والأحداث التي تفرض نفسها. من خلالهما، نكتشف كابول كفضاء منقسم: بقع صغيرة من الاستقلال النسبي، تقابلها مساحات أوسع تحكمها أعراف صارمة وسلطات لا ترحم. الحرية تبدو موقتة، مشروطة، قد تزول عند أول احتكاك بالمؤسسة الرسمية أو العائلة أو الشارع.

المجتمع الذكوري

غير أن الفيلم لا يحصر المسألة في لحظة عودة "طالبان"، بل يوسّع الدائرة ليطاول بنية أعمق. تقول سادات: "منذ عودة طالبان، بدأ كثيرون في إضفاء طابع رومنسي على المرحلة السابقة والادعاء بأن النساء كنّ يتمتّعن بكامل حقوقهن. هذا ليس صحيحاً. التفكير الذكوري كان متجذراً بعمق في المجتمع الأفغاني قبل عودة الطالبان". بهذا المعنى، نحن لسنا حيال فيلم عن نظام سياسي بعينه، بل عن استمرارية البطريركية، وعن سقف يلازم المرأة حتى في فترات الانفتاح النسبي.

 

 

هذه المقاربة ترتبط مباشرةً بدافع شخصي. تعترف سادات بأنها كانت متحفظة طويلاً تجاه موضوع "حقوق المرأة" بسبب ما رأته خلال ما سُمّي بعهد الديمقراطية: "تحوّلت حقوق المرأة إلى صناعة شعبية. تدفّق التمويل الدولي إلى المنظمات والسفارات والمؤسسات. في الواقع كان هناك فساد في كل مكان. كثير من المال اختفى قبل أن يصل إلى النساء. كانت النساء يُستخدمن كأدوات لتأمين التمويل". من هنا يمكن فهم رغبتها في "استعادة" الحكاية من الخطاب الجاهز، والاقتراب منها كتجربة معاشة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن استعادة السردية عبر الكوميديا الرومانسية ليست معركة رابحة سلفاً. سادات نفسها تشير إلى حجم الحساسية التي واجهتها: "عندما قلت إنني أريد أن أنجز فيلماً رومانسياً كوميدياً، اعتبر بعض المموّلين ذلك إهانة… هل يُسمح لي، كمخرجة أفغانية، أن أختار النوع الذي أعبّر من خلاله؟ أم يجب أن ألتزم فقط بدراما الحرب والسياسة؟". في سؤالها هذا تكمن مفارقة أساسية: كأن الأفغاني، في المخيال الدولي، محكوم بأن يكون مأسوياً على الدوام، وأن تظل شخصياته أحادية البُعد. الفيلم يحاول كسر هذه الأحادية عبر علاقة تتشكّل تدريجاً بين البطلة وزميلها. هي امرأة مطلّقة تخوض معركة حضانة، تعيش خيبات جعلتها تؤمن بأن "لا رجال جيدين" في بلدها. التحوّل الذي يطرأ لاحقاً في مسار الشخصية مستلهم من تجربة المخرجة نفسها، ومن صداقتها مع الصحافي أنور هاشمي، الذي جعلها تشكّك في هذا الاعتقاد.

لكن للأسف، كل هذا الوعي الذي تتمتع به سادات لم يحل دون وقوعها في كل أنواع الفخاخ التي نُصبت لها. فالفيلم يخضع لرؤية غربية تسطّح المأساة الأفغانية وتتاجر بالتعاطف وتسلّع القضايا. إنتاجه المشترك يهمّش صوته المحلي. درامياً يعاني الفيلم من ضعف تمثيل، كما أن الشخصيات نمطية ومتوقعة، والسيناريو يكرّر خطاب المظلومية بلا عمق سينمائي، مع حلول مباشرة وساذجة لا تمسك بسؤال "الرجل الجيد" بجدية. إعادة خلق كابول بسبب استحالة التصوير في أفغانستان هي الأخرى قد تشكل عائقاً. فبعد سقوط المدينة، استحال التصوير فيها، فانتقلت المخرجة إلى ألمانيا، واختارت ممثلين من الجالية الأفغانية هناك.

سياسياً، ترفض سادات أن تُختزَل في صفة "مخرجة نسوية" أو "سياسية"، معتبرةً أن أفلامها ليست سينما أجندة أو رسائل موجهة، ولا تريد أن تكون واعظة، لكنها تعود لتؤكد أن السياسة تتسرّب بحكم الواقع. في النهاية، فيلمها ليس بياناً سياسياً ولا هو سيرة غرامية ناشئة على خلفية مضطربة. إنه محاولة للقبض على لحظة تاريخية من زاوية حميمية تري الأفغان كأناس عاديين وتطرح سؤال أخلاقي داخل مجتمع مأزوم: ماذا يعني أن تكون امرأة حرة نسبياً في مدينة تتغير ملامحها؟ وماذا يعني أن تكون رجلاً "جيداً" حين تكافئ البنية الاجتماعية عكس ذلك؟

اقرأ المزيد

المزيد من سينما