ملخص
تشهد الرياض والمدن السعودية الكبرى نشاطاً دولياً مكثفاً، إذ استضافت السعودية العام الماضي مئات المؤتمرات والمنتديات التي كانت اللغة الإنجليزية فيها هي "اللغة الرئيسة"، بينما تراجعت العربية إلى مرتبة "اللغة المترجم إليها"، وهو واقع أحدث فجوة لغوية تزامنت مع توسع التعليم الأجنبي وزيادة البعثات العلمية، مما جعل من مراجعة "السياسة اللغوية" ضرورة أمنية وسيادية في نظر المهتمين.
منذ اللحظة الأولى لتأسيس الدولة لم تكن اللغة العربية في السعودية وسيلة تخاطب وحسب، وإنما ركيزة وجودية جرى تكريسها في صلب الكيان السياسي. ومع التحولات الكبرى التي تشهدها السعودية اليوم في سياق "رؤية 2030"، وما رافقها من انفتاح سياحي واقتصادي وتدفق للاستثمارات الأجنبية، كشفت الجريدة الرسمية "أم القرى" أمس، عن تفاصيل "السياسة الوطنية للغة العربية"، التي أقرها مجلس الوزراء أخيراً، لتضع حداً لمخاوف ذوبان الهوية اللغوية وسط هيمنة اللغات العابرة للقارات في قاعات الأعمال والمنتديات الدولية.
وتأتي هذه السياسة في وقت تشهد فيه الرياض والمدن السعودية الكبرى نشاطاً دولياً مكثفاً، إذ استضافت السعودية العام الماضي مئات المؤتمرات والمنتديات التي كانت اللغة الإنجليزية فيها هي "اللغة الرئيسة"، بينما تراجعت العربية إلى مرتبة "اللغة المترجم إليها"، وهو واقع أحدث فجوة لغوية تزامنت مع توسع التعليم الأجنبي وزيادة البعثات العلمية، مما جعل من مراجعة "السياسة اللغوية" ضرورة أمنية وسيادية في نظر المهتمين.
الجذور التاريخية والتحول السيادي
تستند الوثيقة المنشورة في "أم القرى" إلى عمق تاريخي بدأ منذ لحظة توحيد أرجاء السعودية، إذ أبرزت السياسة أن الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود، أصدر أمراً ملكياً في عام 1351هـ (1932م) يقضي بتحويل اسم "المملكة الحجازية النجدية وملحقاتها" إلى "المملكة العربية السعودية"، في إشارة بالغة الدلالة على أن تكون "العربية" هي الوصف الأول للكيان الوطني الجامع.
السياسة الوطنية للغة العربية في السعوديةhttps://t.co/Dzz2O9Gjsj#جريدة_أم_القرى pic.twitter.com/aFxnv9xh45
— جريدة أم القرى (@uqnnews) February 13, 2026
هذا التأكيد التاريخي ينسجم مع المادة الأولى من النظام الأساسي للحكم، الذي كتب بعد ذلك بعقود، إذ تؤكد أن "المملكة دولة عربية إسلامية... ولغتها هي اللغة العربية". وتنطلق السياسة الجديدة من مبدأ مركزي مفاده أن "المملكة هي موطن اللغة العربية الأول، واللغة هي حاضن ثقافتها ومصدر حضارتها"، معتبرة أن بناء ثقافة المجتمع واتجاهاته "معقود بناصية اللغة"، وأن الاستقلال اللغوي هو ركيزة أساسية في "الاستقلال الثقافي والحضاري والقومي".
اللغة "أمن ثقافي" ومرجعية سيادية
وكشفت السياسة المنشورة التي استعرضت "اندبندنت عربية" موادها عن تشكيل الحفاظ على اللغة هاجساً في الأروقة الرسمية، متجاوزةً الأبعاد الثقافية الكلاسيكية إلى مفاهيم أمنية صريحة، إذ نصت الوثيقة على أن "اللغة أمن ثقافي"، معتبرة أن "الأساس اللغوي من أهم الأسس التي تقوم عليها الحضارات، وتبنى عليه هوية الأفراد والأمم".
وفي سياق الاعتبارات نفسها، شددت السياسة على أن "اللغة سيادة"، فهي وسيلة الوحدة الوطنية والأداة التي تتواصل بها الدولة مع المجتمع. ولضبط المشهد العام، نصت السياسة المنشورة على وجوب استعمال العربية في جميع أعمال الجهات العامة، مع إلزام القطاعين الخاص وغير الربحي استعمالها في التواصل مع الآخرين، بما يشمل العقود، والشهادات، واللوحات الإرشادية، والتجارية، والفواتير، وحتى أسماء المبادرات والمؤتمرات والندوات.
التوازن بين الهوية وعالم الأعمال
وعلى رغم الصبغة السيادية للسياسة، فإنها حرصت على تقديم نموذج يتسم بالمرونة، بما لا يعيق الحراك الاقتصادي أو يُحدث ضرراً في بيئة المال والأعمال والاستثمارات التي يتسابق العالم لاستقطابها، فقد نص المبدأ الأول من السياسة على "إمكان استعمال لغة أخرى مع العربية إذا دعت الحاجة إلى ذلك"، وفي مجال التواصل الدولي، أوضحت السياسة أنه "إذا اقتضت الحاجة استعمال لغة أخرى فتوفر ترجمة إليها"، مما يعني أن الرياض لا تستهدف من سن التنظيم الجديد الانغلاق اللغوي، وإنما تعزيز "الندية اللغوية" التي تحفظ الحجية القانونية والاعتبارية للسان الوطني.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتسجل التجارب العالمية أن دولاً عدة نهضت تنموياً وتقنياً من دون التفريط في لغتها الأم، كما هي الحال في تجارب الصين وكوريا الجنوبية والبرازيل وتركيا وإسرائيل، ففي تلك الدول، تُعد اللغة المكون الأساس للهوية التي تُحفز العالم على الاطلاع على تجربتها التنموية، إلا أن العربية، بحسب علماء اللغات، تمتلك ميزات إضافية، فهي إحدى اللغات الرسمية للأمم المتحدة، ومن بين أكثر اللغات انتشاراً وحيوية في العالم، مدفوعة بكونها لغة مئات الملايين من العرب، واللغة الرسمية للدين الإسلامي الذي تُظهر التقارير الموثقة أنه الأكثر انتشاراً في العقود الأخيرة، مما يجعل من السعودية "المرجعية العالمية" في هذا الملف.
المستهدفات المستقبلية
وأكد وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود أن "مجمع الملك سلمان العالمي للغة العربية"، سيكون الجهة المعنية بمتابعة أثر "تفعيل هذه السياسة في المملكة، وتقديم التقارير الخاصة بذلك لمجلس أمنائه، والعمل على الإجراءات والمبادرات الداعمة لخدمة أهدافها"، وذلك بوصف المجمّع "المرجعية الوطنية المعنية بتنظيم العمل اللغوي وتعزيز حضوره المؤسسي".
وتهدف السياسة الوطنية إلى تحويل السعودية إلى "وجهة جاذبة" للراغبين في تعلم العربية واكتشاف إرثها الحضاري، مع تمكين حضورها في البحث العلمي والنشر في التخصصات كافة. كذلك أولت السياسة اهتماماً خاصاً بالأجيال الناشئة، معتبرة أن "اللغة مكون مركزي لدى الصغار تتشكل انعكاساته على كل الأجيال"، وذلك لمواجهة تحديات "الاستلاب اللغوي" الذي قد ينتج من هيمنة مناهج التعليم الأجنبي، وتحول اللغة الإنجليزية تدريجاً إلى لغة الشارع، بعدما أصبحت لغة المال والأعمال والفعاليات.
ووفقاً لتقارير رسمية فإن عام 2024 شهد تنظيم نحو 7 آلاف فعالية مختلفة في أرجاء السعودية، بمعدل (فعاليتين كل ساعة)، صار من المتعارف أن ذات الحضور الأجنبي منها، تكون الإنجليزية لغة خطابها، وهو ما انتقده عدد من المفكرين والباحثين في البلاد، وسط مخاوف من تمدد الظواهر المحدودة إلى غربة لغة الدولة الرسمية، على النحو السائد بصور متفاوتة في عدد من الدول العربية، ولا سيما في الخليج والمغرب العربي، لكن التنظيم الاستباقي الجديد، قد يحد من تسارع تلك الظاهرة بين الأجيال القادمة.