ملخص
في نهاية الأمر، قد لا يكون "معركة الجزائر" تحفة سينمائية، ولا كان جيلو بونتكورفو واحداً من أساطين السينما. ومن هنا لا بد من التوضيح أن المكانة، المتجاوزة لسينمائية الفيلم، والتي حازها هذا العمل الفني، لا تتعلق بالقوة الفنية للفيلم، بل بمجالات أخرى تماماً، لا شك أن القارئ سرعان ما سيجدها في مواجهته هنا، ما إن يدخل في تفاصيل ما نقول.
من المؤكد أنها قلة تلك الأفلام التي حققت خلال النصف الثاني من القرن الـ20، وانتهى بها الأمر بعد نجاحات نقدية وجماهيرية حققتها خلال الفترة الاعتيادية لعروضها المتتالية، في الصالات والمهرجانات، إلى تحقيق مصائر تقف خارج تلك الاعتبارات فتتجاوزها للحصول على حيوات أخرى تخرج بها من تاريخ فنيتها السينمائية وحضورها الصناعي والتجاري، بل حتى من كونها جزءاً من تاريخ ما تحتضنه أمة بأسرها، إلى أمكنة ما كانت تبدو جديرة بأن تصل إليها. ومن هذه القلة، في ما يهمنا هنا، فيلم "معركة الجزائر" الذي حققه الإيطالي جيلو بونتيكورفو عام 1966، عن لمحة معينة من لمحات التاريخ الراسخ للثورة الجزائرية وحرب استقلال الجزائر. ولسنا نغالي على أية حال هنا، انطلاقاً من هذا التقديم الذي قلما حظي به فيلم من أفلام تلك المرحلة، بل حتى واحد من الشرائط المكرسة لتلك القضية، بما في ذلك فيلم محمد الأخضر حمينة "وقائع سنين الجمر" الفائز عام 1975 بأول وآخر سعفة ذهبية نالها فيلم عربي في مهرجان "كان" حتى اليوم على رغم مكانة هذا الفيلم الأخير ورمزيته. وربما أيضاً على رغم السجالات الحادة التي ثارت من حوله. وهنا، قبل الدخول في موضوعنا، لا بد من التأكيد أن "معركة الجزائر" على رغم إيطاليته وإيطالية مخرجه وكاتبه فرانكو سوليناس، عمل فني يمكن حسبانه جزائرياً، ليس فقط بفضل موضوعه ومكان تصويره، بل كذلك لأن الجزائر الخارجة لتوها حينذاك، من الاحتلال الكولونيالي الفرنسي لم تجد مغبة في تمويله وتبنيه منذ لحظات ولادته الأولى.
ليس تحفة سينمائية ولكن...
في نهاية الأمر، قد لا يكون "معركة الجزائر" تحفة سينمائية، ولا كان جيلو بونتكورفو واحداً من أساطين السينما. ومن هنا لا بد من التوضيح أن المكانة، المتجاوزة لسينمائية الفيلم، والتي حازها هذا العمل الفني، كما نوضح في السطور السابقة، لا تتعلق بالقوة الفنية للفيلم، بل بمجالات أخرى تماماً، لا شك أن القارئ سرعان ما سيجدها في مواجهته هنا، ما إن يدخل في تفاصيل ما نقول. وهي تفاصيل تتعلق أساساً، بما آل إليه الفيلم، ليس في الصالات ولا في المهرجانات ولا حتى في العروض المنزلية، بل في المؤسسات والمدارس العسكرية ووزارات الدفاع في أنحاء كثيرة من العالم، إذ تحول الفيلم من تذكير إبداعي بالتاريخ وبالحرب الجزائرية، ومادة ترفيهية، إلى درس في الاستراتيجيات العسكرية والحروب الكولونيالية وتكتيكاتها، ناهيك بكونه تحول أيضاً إلى تفسير وتشريح لألعاب الكر والفر بين الثوار والقوى القامعة، من عسكرية وميليشياوية، خلال الثورات والحروب الكولونيالية وما شابه ذلك. والغريب في الأمر أنه دائماً ما جرى استخدام الشرائط الوثائقية والتعليمية التسجيلية لمثل هذه الغاية، حتى وإن لم تصنع أصلاً لتلك الغايات. أما هنا فالمادة المدروسة فيلم روائي معظم المؤدين فيه ممثلون، سواء كانوا أخياراً، من الثوار أهل البلد كما من مؤيدين لهم آتين حتى من البلدان الظالمة، وكان الأشرار من جنود الاحتلال ومن يقف إلى جانبهم من بين السكان المحليين الخونة أيضاً، لكن المصير الذي كان للفيلم، خارج إطار سينمائيته لم يهتم بهذا الواقع أيما اهتمام، وهذا وجه الغرابة الرئيس في "معركة الجزائر" بالتحديد.
عن شخصنة الصراع
وهنا لا بد من توضيح شديد الأهمية، وهو أنه لئن اهتم دارسو الفيلم، من العسكريين، بالأبعاد العسكرية، التكتيكية أو الاستراتيجية فيه، فإن الاهتمام الأعمق تناول الجانب المتعلق بأداء المظليين في المشاهد القتالية في "معركة الجزائر" وهم بخاصة أولئك الذين مثلهم الليوتنان كولونيل ماثيو في الفيلم، يجابهه ياسف السعدي، وعلي لابوانت، في الجانب النضالي الوطني تحت قيادة المناضل شعبان، ويقيناً أن هذه الشخصنة لواحد من الفصول الأكثر حسماً في معركة الجزائر، والتي كانت قصبة العاصمة ميدانها الرئيس، قد لعبت دوراً أساساً في ذلك الاهتمام العام، السينمائي ولكن بخاصة، غير السينمائي، بالفيلم من جانب دارسيه اللا سينمائيين، وهنا بيت القصيد. وإذا كان الفيلم، منذ عروضه الافتتاحية في مهرجان البندقية السينمائي ونجاحه الكبير هناك، عام إنجازه 1966، قد نال التقريظ والتحيات من جانب النقاد والجمهور الخاص ثم العريض، فإن وزارة الدفاع الأميركية ستكون في مقدم متلقفيه، إذ وجدت فيه نبعاً من الدروس وهي تضع مخططاتها المتعلقة بمجابهة الثوار الفيتناميين. وهكذا، في الوقت الذي كانت فيه السلطات الفرنسية تمنع عرض الفيلم في صالات فرنسا وفي الأقل ريثما ينال أخيراً أذونات الرقابة ليعرض عام 1970 (حيث تقاطرت القوى اليمينية ومنظمات قدامى المحاربين ونقابات القوى الأمنية وسواها للدعوة إلى مقاطعته، مما أدى كالعادة في مثل هذه الحالات إلى مضاعفة الدعاية له ما رفع أعداد متفرجيه أضعافاً مضاعفة بالتالي)، في ذلك الوقت كانت أجهزة الشراء في "البنتاغون" تشتري نسخاً من الشريط لاستعمالاتها التعليمية في عروض محدودة داخل قاعات خاصة في المبنى الخماسي الأضلاع في واشنطن. ولعل الطريف في الأمر هنا، أن الدريدج كليفر، قائد الفهود السود الأميركيين المنفي في الجزائر، رفع الصوت في تصريحاته الصحافية داعياً إلى مشاهدة الفيلم في العالم أجمع ليس فقط لكونه "يفضح" الكولونيالية الفرنسية، بل لأنه يكشف من خلال ذلك ومواربة، "شرور الإمبريالية الأميركية"، من دون أن يكون في الفيلم شيء من ذلك!
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
أشرار كثر وقلة من طيبين
مهما يكن من أمر، فإن محاضري "البنتاغون" لم يكونوا "الأشرار" الوحيدين الذين استخدموا "معركة الجزائر" مادة تدريسية لهم، بل سبقهم في ذلك جنرالات بوينس آيرس من الديكتاتوريين الحاكمين في الأرجنتين حين اشتروا، بدورهم، نسخاً من شرائط الفيلم ليدرسوها لجنودهم للغاية نفسها. ولاحقاً، في الوقت الذي استعاد فيه محاضرو وزارة الدفاع الأميركية في اقبية المبنى المخمس الأضلاع في واشنطن لمناسبة احتلال بغداد، عرض الفيلم لتلامذة الضباط، كان مغني الراب الجزائري الأصل دياز يفكر كيف يستخدم مشاهد من الفيلم نفسه في كليبات يقارع فيها نظام عبدالعزيز بوتفليقة الحاكم في الجزائر، وكان مسؤولو الجيش الإسرائيلي يشترون، بدورهم، نسخاً من "معركة الجزائر" برسم العرض أمام الجنود والضباط، كنوع من التدريس التكتيكي والاستراتيجي للكيفية التي يقاتل فيها الجنود المظليون خصوصاً والجنود المشاة عموماً، بخاصة في أزقة المدن العربية الضيقة والمتعرجة وذلك لمناسبة اندلاع ما سيسمى لاحقاً بـ"الانتفاضة الثانية". والطريف أن كثراً من المنظرين الأيديولوجيين، تحديداً هنا في تعليقهم على عروض "البنتاغون" المذكورة قبل سطور، قالوا يوم تلك العروض، حتى إبان العروض الإسرائيلية، إنها إنما كانت تهدف، وإن بصورة مواربة، إلى التلميح النقدي ضد التكتيكات الفرنسية التي قد لا يدينها الفيلم، لكنه "يفضح تهافتها"، و"دليلهم" على ذلك، أن الدعوات للعروض، "البنتاغونية" على وجه الخصوص حملت العبارات التالية إلى جانب عنوان العروص ومكانها وتاريخها "كيف يمكن كسب المعركة ضد الإرهاب في الوقت نفسه الذي يخسر الرابحون معركة الأفكار؟ أو كيف يمكن تحقيق انتصار تكتيكي مع إخفاق استراتيجي؟".
ضد العسكرية الفرنسية
يومها لم يكن الاستراتيجيون النظريون الأميركيون وفي موقف مناوئ للتنظير الفرنسي، لم يكونوا يتوخون القول من خلال ذلك العرض، إن الفيلم يعرض كنموذج يحتذى، مهماً كان الثمن، بل التوصل إلى استخلاص دروس مفيدة ليس من نجاحات المظليين الفرنسيين، كما يصورها الفيلم، بل من إخفاقاتهم. ولئن لم يبد هذا واضحاً إبان العرض نفسه، وفي الحقبتين اللتين كان فيهما "معركة الجزائر" موضوع العرض، فإن السنوات التالية ستكشف ما كان مضمراً: خلال تلك السنوات التي سيعلن الجيش الأميركي أنه قام خلالها بإعادة النظر الكلية في أساليبه للتصدي لشتى أنواع التمرد العسكري، ولا سيما في المدن المكتظة، لن يخفي المسؤولون العسكريون الأميركيون أن لجوءهم إلى عرض هذا الفيلم أمام تلامذتهم وجنودهم، لم تكن الغاية منه "في أي من المرات" امتداح التكتيكات أو الاستراتيجيات الفرنسية، بل استخدامها كمثال مضاد من نوع "إياكم أن تحاكوها"، بخاصة في ما يتعلق بممارسات التعذيب التي يقوم بها المحتلون الكولونياليون ويقدم الفيلم بالصوت والصورة، بل حتى بالتسجيلات الوثائقية والشهادات الواقعية، ما يفضحها فضحاً كاملاً...