Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عملية اعتقال مادورو تقلب النظام العالمي رأسا على عقب

من شأن التحركات السافرة التي أقدمت عليها الولايات المتحدة أن تشجع الأنظمة الاستبدادية على الانقضاض على غيرها، وقد تكون كوبا الدولة التالية التي تطالها موجة توسيع النفوذ الأميركي

هل تكون كوبا الهدف التالي لترمب (الذكاء الاصطناعي)

ملخص

أشعلت عملية اعتقال نيكولاس مادورو نقاشاً عالمياً واسعاً حول مستقبل النظام الدولي، إذ تبرز خطوة واشنطن الأحادية أخطار تشجيع قوى أخرى على تبرير تدخلات مشابهة، بينما تهدد بتغيير موازين النفوذ في أميركا اللاتينية وإعادة رسم علاقة الولايات المتحدة بجوارها التقليدي.

إن تقييم التحرك الأحادي الجانب الذي شنته الولايات المتحدة ضد فنزويلا، أو بصورة أدق، إدارة ترمب ضد الرئيس نيكولاس مادورو، يتوقف كلياً على ما سيحدث تالياً. بغض النظر عن مدى دقة العملية، من حيث اعتقال مادورو وزوجته أحياء وتدمير المنشآت العسكرية والمنشآت ذات الصلة فحسب، فإن ما سيحدد مصير رئاسة دونالد ترمب، أو في الأقل إرثه وسمعته، هو ما سيحدث بعد ذلك في فنزويلا والمناطق المجاورة.

إذا أمكن تشكيل حكومة جديدة في فنزويلا بسلاسة، وإذا بقيت مؤسسات السلطة سليمة، وإذا أجريت انتخابات جديدة يمكن اعتبارها حرة ونزيهة (بما فيه الكفاية)، وإذا أمكن احتواء رد الفعل العنيف المحتمل من أنصار مادورو وأولئك الذين لديهم مصلحة في بقاء حكمه، وإذا أمكن تجنب انفلات العصابات على غرار ما حدث في هايتي، فسيتمكن ترمب من إعلان النصر وستكون أية تداعيات إقليمية سلبية محدودة.

صحيح أن تحقيق كل هذه الأمور صعب لكنه قد لا يكون مستحيلاً. يتباهى ترمب بأنه يتبع نسخة معاصرة من مبدأ مونرو تعزز نفوذ الولايات المتحدة فيما قد يسميه هو "فناءها الخلفي"، وهو في الواقع منطقة نفوذ شاسعة تمتد من الشمال إلى الجنوب في نصف الكرة الغربي. من شأن ذلك أيضاً أن ينبه غرينلاند وبنما، وهما بلدان يضعهما ترمب نصب عينيه، بأنه جاد في تحذيره من السماح بزيادة الأموال والنفوذ المعادي، وبخاصة الصيني، في جزء من العالم تعتبره الولايات المتحدة الأميركية بقيادة ترمب منطقة أمنية خاصة بها.

أما إذا لم تتحقق عملية انتقال سلس للسلطة في فنزويلا، وتسببت الإطاحة بالجهاز الحاكم في إحداث حالة من الفوضى بصورة أو بأخرى، فسيبدو موقف ترمب ضعيفاً للغاية، وسترتد عليه انتقاداته السابقة لفشل الحرب في العراق وغيرها من الحروب. قد يتضرر الجمهوريون في انتخابات الكونغرس النصفية لهذا العام، فيصبح رئيساً عاجزاً، وتتلاشى آماله في الحصول على جائزة نوبل للسلام.

ومع ذلك، حتى في أفضل الأحوال، أو في الأقل في أكثرها سلمية وضبطاً، لا بد أن يترتب على هذا الاستخدام الصارخ وغير القانوني بجميع المقاييس الظاهرية للقوة الأميركية تداعيات أوسع نطاقاً. ويمكن توقع حدوث نوعين متباينين من التداعيات في الأقل.

 

قد تبدو أولى التداعيات بديهية، لكنها مع ذلك مهمة ويمكن أن تغير قواعد اللعبة على الصعيد العالمي. فكم من قادة الدول سيتساءلون عن سبب عدم قيامهم بنفس الشيء، ما دامت الولايات المتحدة تستطيع تنفيذ مثل هذا العمل الأحادي الجانب ضد دولة ذات سيادة، في سبيل تحقيق غاية قد تبررها من منظور أمنها القومي؟

وقد تتساءل روسيا، لماذا يُدان غزوها لأوكرانيا أو ضمها لشبه جزيرة القرم؟ وقد تدعي إسرائيل أنها تمتلك مبررات إضافية لتدمير معظم قطاع غزة. ربما تكون محاولة الصين الاستيلاء على تايوان غير واقعية وبمقاييس مختلفة، ولكن ما مدى اختلاف المبدأ؟ ألن تبدو سيطرة الصين على إقليم شينجيانغ أو التبت مختلفة قليلاً في ضوء هجوم ترمب على فنزويلا؟ وكم عدد الدول الأفريقية التي قد تغتنم الفرصة لتبرير محاولة فرض تغيير النظام في دولة مجاورة غير متعاونة معها؟

يبدو أن الرسالة الصادرة عن الولايات المتحدة، أغنى دول العالم وأقواها، هي أنه إذا كنت تملك الوسائل لإعادة تشكيل البيئة الأمنية أو الاقتصادية أو تلك المتعلقة بالمواد الخام لصالحك، فما عليك سوى المضي قدماً والقيام بذلك. فأية ترتيبات دولية تستند إلى المبادئ القانونية أو الأخلاقية أو حتى السيادة الوطنية، أصبحت موضع شك في أقل تقدير، إن لم تكن أُلغيت بالفعل.

تلك هي تداعيات تصرف ترمب في فنزويلا من منظور عام، وهو تصرف على مستوى أوسع بكثير من اختطاف الرئيس جورج بوش لمانويل نورييغا، الزعيم الفعلي لبنما، عام 1989. ولكن هذا التصرف يخلف تداعيات على نطاق إقليمي أصغر أيضاً، إذ توجد طريقة واحدة يمكن أن يؤدي بها التغيير القسري للنظام في فنزويلا إلى تغيير المنطقة بصورة أكبر، وبصورة أسرع بكثير مما كان يتخيله أي شخص حتى الآن.

تعد فنزويلا واحدة من الدول القليلة التي ساعدت كوبا على الصمود في وجه فقدان الدعم الاقتصادي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وهو دعم لم تعوضه روسيا أبداً. وفي المقابل، لم تكن كوبا يوماً ذات أهمية استراتيجية لروسيا كما كانت بالنسبة إلى لاتحاد السوفياتي، حين كاد النزاع حول نشر الصواريخ يؤدي إلى اندلاع حرب بين القوتين العظميين، وأبقى العالم في حالة ترقب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قام الرئيس أوباما بأول مبادرة تودد إلى كوبا بعد الحرب الباردة حين طبع العلاقات معها عام 2014، قبل أن يقوم بأول زيارة رئاسية للبلاد بعد عامين. وأعقب هذا التقارب اندفاع في الاستثمارات الأجنبية شجع الكوبيين على الأمل في حياة أفضل. لكن سرعان ما تبددت هذه الآمال عندما قام ترمب في بداية ولايته الأولى بوقف الاستثمارات الجديدة، وجمد مشاريع البنية التحتية، وأعاد الكوبيين إلى الاعتماد على مواردهم المحدودة للغاية، والاعتماد بصورة كبيرة على النفط الفنزويلي.

عندما زرت البلاد عام 2020، كانت الآثار واضحة في كل مكان: كانت الشركات الخاصة القليلة في حالة ركود، وتوقفت معظم وسائل النقل العام، لتحل محلها الخيول والعربات المحلية. كانت السلع الأساس مقننة، وانتشرت طوابير الانتظار على الطريقة السوفياتية.

اعتباراً من الشهر الماضي، كانت المكسيك تعوض كوبا عن جزء من النفط الذي منعت الولايات المتحدة فنزويلا من توريده لها، ولكن من غير المرجح أن يستمر هذا الوضع طويلاً، مع زيادة الضغط الأميركي على المكسيك لوقفه.

عند تأمل تلك الأحداث الآن، من السهل أن نتمنى لو أن ترمب لم يبدأ بفرض تغيير النظام في فنزويلا، بل بتشجيع التغيير السلمي في كوبا. فقد كان من الممكن أن يؤدي ذلك إلى بيئة أمنية أفضل للجميع، دون أي من الآثار السلبية المترتبة على مبدأ "القوة هي الحق" الذي نتج من الإطاحة بمادورو. للأسف، فات الأوان على ذلك، كما أن هذا ليس نهج دونالد ترمب.

© The Independent

اقرأ المزيد

المزيد من آراء