Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ارتدادات عملية فنزويلا

كيف يمكن لاعتقال مادورو أن يغير وجه أميركا اللاتينية؟

صورة للرئيس الفنزويلي المخلوع نيكولاس مادورو مرفوعة خلال تظاهرة في كراكاس، يناير 2026 (رويترز)

ملخص

أحدث اعتقال مادورو هزة سياسية في أميركا اللاتينية، إذ ترسخت ديلسي رودريغيز في السلطة بدعم أميركي يركز على النفط، فيما تقترب كوبا من حافة الانهيار وتتجه العلاقة مع كولومبيا نحو مزيد من التصعيد، بينما تراقب دول المنطقة بحذر ما إذا كان نفوذ واشنطن يتسع أو يتصدع، وسط تساؤلات عن قدرة ترمب على إعادة رسم خريطة القوة في النصف الغربي من العالم.

في الثالث من يناير (كانون الثاني) الجاري نفذت القوات الأميركية أمراً كان كثرٌ من المراقبين عدوه مستحيلاً. فهي، وعلى نحو من السرعة، أسرت واعتقلت نيكولاس مادورو، الطاغية الفنزويلي المراوغ الذي كان يبدو عصياً على أي انقلاب، فعلى مدى أعوام أثبت مادورو خبرته في الاستمرار الاستبدادي – ساحقاً في الأقل تسع حالات عصيان عسكرية، ومتغلباً على الضغط الاقتصادي الأميركي. لكنه في صبيحة مبكرة من أحد أيام السبت الماضية سقط من دون أي قتال عملياً. فطوافات "قوات دلتا" (الأميركية) لم تواجه سوى رشقات نار محدودة أثناء تحليقها المنخفض فوق أسطح كراكاس وهي تتوجه إلى مخبأ مادورو الذي اقتحمه الجنود الأميركيون ودخلوه واعتقلوا الزعيم الفنزويلي وزوجته ونقلوهما إلى حاملة طائرات. وبعد ساعات ظهر مادورو وزوجته معاً خلف القضبان في نيويورك، ليواجها تهماً متعلقة بالمخدرات والأسلحة. ولم يقتل أي أميركي في العملية (الخاطفة) على رغم مصرع 80 كوبياً وفنزويلياً في الأقل، بينهم بعض المدنيين. وبدت العملية بالإجمال شديدة السهولة حتى إن محللين عدة تساءلوا وعلى نحو منطقي إن كانت أطراف من داخل النظام ساعدت في تسليم مادورو، منفذة عملياً انقلاباً داخلياً بالوكالة. في الوقت ذاته، مثلت العملية استعراضاً درامياً لاستعداد ترمب لإدارة ظهره لما بقي مما يسمى "النظام الدولي المستند إلى القواعد"، واستخدام القوة العسكرية لتأكيد هيمنة الولايات المتحدة على النصف الغربي من الكرة الأرضية.

وفي الأيام التي تلت العملية أقام الفنزويليون الذين يعيشون خارج البلاد تجمعات صاخبة احتفاءً بسقوط طاغية بلادهم. لكن فنزويلا نفسها ظلت قابعة في الصمت، إذ بدا معظم الناس هناك مقتنعين باحتمال ألا يكون شيء كبير تغير في الحقيقة. فترمب بالنهاية ترك نظام البلاد على حاله تقريباً، معترفاً بديلسي رودريغيز، نائبة الرئيس في عهد مادورو، كرئيسة انتقالية حتى قبل أن تقوم رودريغيز نفسها بإعلان قبولها هذا المنصب. ويتركز السؤال الآن حول ما إذا كانت التحولات في هذا البلد ستبقى محدودة نسبياً، أو ما إذا كانت إزاحة مادورو تؤشر إلى تغييرات أكبر داخل فنزويلا وفي المنطقة (أميركا اللاتينية) بأسرها.

أمامنا في هذا الإطار مجموعة كبيرة من الاحتمالات، فمن الممكن أن تؤدي إزاحة مادورو إلى تسهيل انتقال فنزويلا نحو الديمقراطية، وإلى خنق النظام القائم في كوبا، وتعزيز مسعى ترمب لتأكيد الهيمنة الإقليمية للولايات المتحدة. ومقابل ذلك، يمكن قيام صيغة معدلة من نظام مادورو. وهذه الصيغة قد تقبل ببساطة، على نقيض ما كان سائداً، بمزيد من المرحلين من الولايات المتحدة، وتمنح واشنطن السيطرة على احتياطات فنزويلا النفطية، من دون تحقيق تغييرات كبيرة في البلاد في النواحي الأخرى. وارتدادات الصدمة إقليمياً قد تكون محدودة. ففي الواقع، قد يؤدي عدم القدرة على فرض تغيير جذري في فنزويلا إلى الكشف عن حدود القوة الأميركية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لكن النتائج الفعلية ستقع على الأرجح في مكان ما بين هذين الحدين. وعلى المدى القصير، ستبدو تداعيات الأمر على فنزويلا محدودة، إذ سيحاول ترمب العمل مع النظام المعاد تشكيله لضمان هدفه الأول: الوصول إلى النفط. وقد ترد بعض الحكومات في أميركا اللاتينية بالكلمات، لكن معظمها سيتجنب اتخاذ خطوات فعلية كي لا يثير غضب ترمب. ومع مرور الوقت، قد تصبح الأوضاع أكثر تعقيداً، فمن المحتمل أن يعاود ترمب استهداف فنزويلا، خصوصاً إذا أبدت رودريغيز عدم استعداد - أو عدم قدرة نتيجة قيود يفرضها مسؤولون آخرون في النظام - للرضوخ لتوجيهاته. ومن المرجح أن تتراجع شحنات النفط الفنزويلية المتجهة إلى كوبا، مما سيضعف - وإن لم يؤدِّ بالضرورة إلى انهيار - النظام المتعثر أصلاً في الجزيرة. وقد تواجه كولومبيا احتمال تدخل أميركي، نظراً إلى أن رئيسها اليساري - بخلاف معظم جيرانها - يبدو مستعداً للصدام مع ترمب، في وقت يرحب ترمب نفسه بهذا النزاع. والأهم أن دولاً في أميركا اللاتينية، خصوصاً الأكبر والأبعد جغرافياً، قد تسعى إلى مزيد من تنويع علاقاتها الاقتصادية والأمنية لتقليل اعتمادها على واشنطن ذات النهج المتشدد والمتطلب. بعبارة أخرى، ربما يدفع هجوم ترمب الإقليمي إلى الأمام... أو يعطله.

المسار الأسهل

للتعرف إلى ملامح التغيير المحتمل في فنزويلا والمنطقة، ينبغي للمحللين أن يركزوا أولاً على مدى اتساع مطالب إدارة ترمب من القيادة الفنزويلية المُعاد تشكيلها. وهذا يتطلب الانصراف عن التصريحات الارتجالية التي يطلقها ترمب علناً والتي تتبدل باستمرار، والالتفات بدلاً من ذلك إلى التقارير والتسريبات حول ما يضغط هو وفريقه خلف الأبواب المغلقة على كاراكاس لتنفيذه.

ومن الممكن وفق أحد الاحتمالات أن تكون هذه المطالب محدودة: إتاحة احتياطات فنزويلا النفطية لسيطرة الأميركيين واستثماراتهم على المدى البعيد، واستبعاد وتهميش بعض المنافسين الجيوسياسيين، بينهم إيران وكوبا، وإجبار كراكاس على قبول أعداد متزايدة من المرحلين (المهاجرين الفنزويليين غير الشرعيين في الولايات المتحدة). وكان ترمب أشار إلى سيناريو كهذا خلال مؤتمره الصحافي في الثالث من يناير الجاري، حين شدد على أهمية نفط فنزويلا من دون أن يبدي اهتماماً كبيراً بمسألة استعادة ديمقراطيتها. وترمب في الواقع بالكاد ذكر المعارضة الفنزويلية، وحين ذكرها كان فقط للقول إن زعيمة المعارضة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة أخيراً "جائزة نوبل للسلام"، لا تحظى بـ "التقدير" الكافي كي تدير البلاد. ورأى ترمب في المقابل أن ديلسي رودريغيز، الموالية منذ فترة طويلة لمادورو وسلفه هوغو تشافيز، قادرة على جعل بلدها "عظيماً من جديد". كذلك قال ترمب إن فريقاً من المسؤولين الإداريين سيتولى "إدارة" فنزويلا، على رغم إعلان الإدارة الأميركية لاحقاً أنه كان يقصد أن واشنطن ستدير شؤون هذا البلد بطريقة غير مباشرة من خلال إنذار من بقي من قادة نظام مادورو للامتثال للمطالب الأميركية.

وأجندة أميركية محدودة كهذه قد ترضي كثيراً من أعضاء فريق ترمب، من بينهم نائب الرئيس جي دي فانس، وكبير المستشارين السياسيين ستيفن ميلر، وباقي المتشككين تجاه مشاريع بناء الدول (في الخارج، أو ما يعرف بمشاريع "بناء-الأمة") الذين يفضلون التركيز أكثر على الأولويات والمسائل الأميركية الداخلية. وقد يرى ترمب نفسه أن هذا المسار هو الأسهل والأقل إثارة للجدل بين الأميركيين، إذ أظهر استطلاع في الخامس من يناير الجاري أن ثلثهم فقط يدعمون استخدام القوة العسكرية لإزاحة مادورو. وقال أحد موظفي الكونغرس، طالباً عدم الكشف عن اسمه: "لقد شهدنا اتفاقاً تجارياً تزامن مع تغيير في القيادة".

لكن شخصيات أخرى موالية لترمب أبدت رغبتها في الدفع نحو تغييرات أعمق وأكثر طموحاً: أي إنهاء النظام الاشتراكي البوليفاري في فنزويلا وعودة الديمقراطية، على الأرجح عبر مفاوضات. ومن بين هؤلاء وزير الخارجية ماركو روبيو وجمهوريون نافذون في الكونغرس. وعلى رغم أن ترمب يبدو أقل اهتماماً بالديمقراطية، فإن لروبيو تأثيراً كبيراً في سياسات الإدارة المتعلقة بأميركا اللاتينية، وقد يتمكن من إقناع الفريق بأن الانتقال الديمقراطي يخدم مصالحهم. وقد يحاول مشرعون جمهوريون أيضاً إقناع ترمب بأن التركيز على هدفين ضيقين—النفط والهجرة—قد يضر الحزب انتخابياً، خصوصاً بين الناخبين اللاتينيين في فلوريدا المتحمسين لتغيير النظام في فنزويلا وكوبا، وكثير منهم يشعرون أصلاً بالاستياء جراء تشدد ترمب غير المتوقع في سياسات الترحيل. (وانتخبت ميامي للتو في هذا الإطار عمدة ديمقراطياً للمرة الأولى منذ نحو 30 عاماً).

قد لا يكون النظام الفنزويلي هو الأكثر عرضة للضغوط الفورية في المنطقة

وستعتمد خيارات ترمب أيضاً على ما ستقرره القيادة الفنزويلية نفسها. فإذا تحدت البيت الأبيض برفضها التخلي عن حقوق النفط أو تقليص العلاقات مع كوبا، فإن واشنطن قد تهاجم فنزويلا مجدداً، كما كرر ترمب. لكن التعاون يبدو الاحتمال الأرجح. فالمعروف عن رودريغيز براغماتيتها، وعلى رغم إداناتها العلنية لواشنطن، قد تكون تلك التصريحات مجرد محاولة لطمأنة المتشددين داخل النظام ومنافسيها المحتملين مثل ديوسدادو كابيو، وزير الداخلية والعدل والسلام. وربما تهدف أيضاً إلى صرف الأنظار عن الشبهات بأنها قامت بدور في الإطاحة بمادورو. وفي الحالتين، لا ينبغي أخذ تلك التصريحات بحرفيتها.

ووفقاً لما كشف عنه تقرير في "ميامي هيرالد"، فقد عرضت رودريغيز وشقيقها الذي أعيد تعيينه رئيساً للجمعية الوطنية، خطة على مسؤولين أميركيين العام الماضي تقضي بأن تتولى هي السلطة بدلاً من مادورو وتعمل مع الولايات المتحدة، مقابل عدم إسقاط نظام بلادها. (ويقول التقرير إن روبيو هو من حال دون إبرام الاتفاق). وتشير تقارير إعلامية إلى أن ارتباطها بكوبا أضعف مما كان عليه لدى مادورو، نتيجة استيائها من عجز هافانا عن دفع مستحقاتها لقاء شحنات النفط. وصرّح بعض مسؤولي الإدارة الأميركية إلى "نيويورك تايمز"، بصورة غير رسمية، بأنهم يعتقدون أنه يمكن التعامل معها. وإن كانت رودريغيز أو غيرها من مسؤولي النظام تواطأوا سراً مع الولايات المتحدة في الحقيقة لتسليم مادورو – كما يبدو ممكناً – فإن هذا التعاون مع واشنطن ربما يكون بدأ بالفعل.

ولدى ترمب في هذا الإطار حافز آخر لإبقاء مطالبه لرودريغيز محدودة. وإن قام بذلك فعلاً، تصبح موافقتها على هذه المطالب أكثر ترجيحاً. كذلك لا يريد معظم المسؤولين الأميركيين على الأرجح مهاجمة كراكاس مرة أخرى، إذ إن خطوة كهذه ستؤدي ببساطة إلى إثارة الفوضى بدلاً من فرض الطاعة. من هنا، فإن التوصل إلى اتفاق محدود – تأمين الدعم لرودريغيز مقابل مزيد من النفط وتقليص المساعدات لهافانا – يمثل المسار الأسهل للطرفين.

وبالطبع كي تتعاون فنزويلا مع المطالب المطروحة أمامها، أكانت هذه الأخيرة محدودة أو واسعة النطاق، ينبغي أن يكون هناك من يقود البلاد ويحكمها. وفي الوقت الحالي ولغاية الآن رودريغيز وشقيقها هما من يقومان بذلك. لكنهما يواجهان منافسين محتملين أقوياء – أبرزهم كابيو الذي يتمتع بنفوذ على القوات الفنزويلية شبه العسكرية، أو ما يعرف بالـ"كوليكتيفوس" colectivos، وأيضاً على قوات الشرطة الوطنية وأقسام من أجهزتها الاستخباراتية. وقد يرغب كابيو في وقف تعاون كراكاس مع البيت الأبيض الذي ينظر إليه بريبة شديدة (اتهمت وزارة العدل الأميركية كابيو فضلاً عن مادورو بتهريب المخدرات). وإن لم يتمكن كابيو من حمل رودريغيز على تنفيذ طلباته في هذا الاتجاه فربما يحاول عزلها أو بث الاضطرابات في البلاد كي تغدو فنزويلا عصية على الحكم. وفي تلك الحال، سيعتمد الكثير على موقف قائد القوات المسلحة الفنزويلية، فلاديمير بادرينو لوبيز، وهو القطب الثالث في السلطة. وفي الوقت الحالي، من المستحيل التنبؤ بمن سينحاز إليه أو ما إذا كان قادراً على الحفاظ على تماسك الجيش في حال تفاقم الصراع الداخلي.

مشكلات حكم

إذا تعاونت رودريغيز مع ترمب وتمكنت من الحفاظ على سيطرتها على البلاد، فقد لا يكون النظام الأكثر تعرضاً للضغط الفوري في أميركا اللاتينية هو النظام الفنزويلي، بل النظام الكوبي. فهافانا تعتمد بدرجة كبيرة على الدعم الفنزويلي، وكانت تعيش أوضاعاً خانقة حتى قبل أن يُقدم ترمب على اعتقال مادورو. ويشهد الاقتصاد الكوبي انهياراً واسعاً، إذ تراجعت السياحة - قطاعه الرئيس - إلى ما يقارب نصف مستويات ما قبل الجائحة من دون أية مؤشرات على التعافي، فيما ترتفع معدلات الجريمة والأمراض مع تفكك أجهزة الشرطة والمستشفيات بسبب نقص التمويل. وواجه النظام الكوبي ضغوطاً هائلة في السابق، لكنه اليوم يمر بأخطر أزماته على الإطلاق.

وتتمثل المخاطرة الأكثر إلحاحاً أمام قادة كوبا في ملف الطاقة. فالجزيرة تعتمد بصورة شبه كاملة على الوقود المستورد - معظمه من فنزويلا - لتشغيل شبكة الكهرباء المتداعية أصلاً. ويحرم أكثر من 40 في المئة من البلاد من الطاقة خلال ساعات الذروة، فيما لا تحصل بعض المقاطعات إلا على ساعتين إلى أربع ساعات من الكهرباء يومياً. وإذا قطعت واشنطن وصول النفط الفنزويلي إلى كوبا بالكامل - بعد أن أوقفت البحرية الأميركية بالفعل جزءاً من الشحنات - فقد تنهار الشبكة بالكامل. وستحاول هافانا حتماً البحث عن موردين آخرين، لكن الخيارات تبدو محدودة، فالمكسيك ترسل كميات أقل مما كانت تفعل، ومع تهديد ترمب المتكرر بمهاجمة الأراضي المكسيكية، لن تجرؤ على زيادة الإمدادات. أما البرازيل، فلا تبدو مستعدة لتحل محل فنزويلا، خصوصاً أن الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الساعي إلى إعادة انتخابه العام المقبل، يدرك أن ذلك قد يضر بعلاقته المحسنة حديثاً مع ترمب، وربما يستدعي تدخلاً انتخابياً. كما أن روسيا المنهمكة في حربها بأوكرانيا، والصين، ليستا في وارد سد هذا النقص.

وإذا غرقت هافانا التي كثيراً ما حظيت بحماية من الانقطاعات الطويلة في العتمة، فقد يشهد النظام احتجاجات شعبية تضاهي أو تتجاوز تظاهرات يوليو (تموز) عام 2021 التي كانت الأولى بهذا الحجم منذ عقود وكشفت عن مدى غضب الشارع. وقد يجد النظام صعوبة في احتواء موجة تحركات واسعة، خصوصاً إذا اندلعت في أحياء العاصمة المكتظة. وعلى رغم أن قوات الأمن الكوبية تتبع أساليب قمعية شديدة - كالاعتقال والتعذيب والتهديد - فإنها لم تقدم يوماً على إطلاق النار وقتل عشرات المتظاهرين. ويبقى غير واضح ما الذي قد يترتب على تغير هذا الخط الأحمر وما إذا كانت الاحتجاجات قد تتوسع على نحو متسلسل.

هدد ترمب باستخدام القوة العسكرية المباشرة ضد كولومبيا

وعلى رغم كل ذلك، من الممكن أن يصمد النظام حتى في وجه هذا السيناريو القاتم. فالجيش الكوبي يملك مصلحة وجودية في بقاء النظام، إذ يسيطر على جزء كبير من الاقتصاد عبر شبكة من الشركات التي ستختفي في حال حدوث انتقال سياسي. ولا يبدو أن هناك جهة داخلية قادرة على تحدي القوات المسلحة. وكما هي الحال مع نظام مادورو، فإن إسقاط النظام الشيوعي الكوبي قد يتطلب عملية عسكرية أميركية -وهو خيار لا يبدو أن ترمب ولا الرأي العام الأميركي يرغبان فيه. وصرّح ترمب أخيراً بأنه يعتقد أن النظام الكوبي سينهار من تلقاء نفسه، من دون تدخل أميركي مباشر.

إلا أن ترمب في الإطار عينه هدد باستخدام القوة العسكرية المباشرة ضد كولومبيا. وقال إن هذا البلد "محكوم من قبل شخص مريض، يحب صناعة الكوكايين وبيعه إلى الولايات المتحدة، وهو لن يستمر في ذلك طويلاً". والرئيس الكولومبي غوستافو بيترو من جهته، وعلى عكس قادة فنزويلا وكوبا، انتخب ديمقراطياً. وهو يساري يتعارض أيديولوجياً مع ترمب، وربطته في بعض الأحيان علاقة ودية بمادورو.

وعلى رغم ذلك، لا يبدي بيترو أية نية لتغيير سلوكه، بل يبدو أنه يستمتع بالمواجهة لأنها تمنحه منصة دولية كثيراً ما سعى إليها، ويعتقد بأنها قد تفيد مرشحه المفضل للرئاسة، إيفان سيبيدا الذي يواجه انتقادات تتعلق بضعف أداء الحكومة الحالية قبل الانتخابات المقررة خلال أشهر قليلة. ويرى بيترو أن صراعه مع ترمب قد يحرف النقاش بعيداً من التحديات الداخلية الملحة.

وهناك أسباب للتشكيك في تنفيذ ترمب تهديداته ضد بوغوتا، إذ تتوقع واشنطن فوز رئيس محافظ في انتخابات مايو (أيار) المقبل. كذلك تعتمد الولايات المتحدة بصورة كبيرة على كولومبيا، شريكتها الأمنية الأساسية في أميركا اللاتينية، للمساعدة في جهود مكافحة المخدرات. لكن لا يمكن التنبؤ بتصرفات ترمب، وإن استمر بيترو في ردود أفعاله الصريحة على التحركات الأميركية في فنزويلا، فقد يتدخل ترمب بقوة، بطريقة ما.

أميركا أولاً؟

بعيداً من كوبا وكولومبيا، وبطبيعة الحال فنزويلا، يبدو أن الإطاحة بمادورو لن تترك تداعيات كبيرة على المدى القريب. فقد انتقد الرئيس البرازيلي لولا ضربات واشنطن، لكنه سارع إلى الاعتراف برودريغيز رئيسة انتقالية، ولم يظهر أية رغبة حقيقية في الدفاع عن مادورو. وكذلك فعلت رئيسة المكسيك، كلوديا شينباوم - وهي يسارية أخرى كانت في بعض الأحيان مقربة من مادورو - إلا أن لديها أولويات أكثر إلحاحاً مثل إدارة مفاوضات التجارة المقبلة وتجنب أية ضربات عسكرية أميركية محتملة على الأراضي المكسيكية ضد عصابات المخدرات. وتعتمد المكسيك بشدة على التجارة مع الولايات المتحدة، مما يحد كثيراً من قدرتها على المناورة.

ويشير هذا الصمت إلى أن معظم نصف الكرة الغربي يقع، في الوقت الراهن، ضمن نطاق النفوذ الأميركي المباشر. فعلى مدى أعوام، راقب المحللون تنامي الحضور الصيني في المنطقة، وأشاروا إلى تراجع نفوذ واشنطن. لكن عملية توقيف مادورو تظهر أن الإدارات الأميركية السابقة - بدافع الحذر أو التزام القانون والأعراف، وربما الإهمال - كانت ببساطة لا تستخدم النفوذ الكبير الذي كثيراً ما امتلكته الولايات المتحدة في محيطها الإقليمي.

لكن يبقى من غير المؤكد اليوم إن كان تدخل ترمب في فنزويلا سيغدو إثباتاً للقوة الأميركية أو أنه سيكشف عن محدودية هذه القوة ويسهم في نهاية المطاف بتآكلها، إذ إن بلداناً عدة اليوم وفي سياق ردها على الاستخدام العقابي للرسوم الجمركية من جانب ترمب، تسارع بالفعل إلى تعزيز علاقاتها الدبلوماسية والتجارية مع آسيا وأوروبا. وبعض الدول في هذا الإطار، من بينها البرازيل، تقوم بتجربة بناء علاقات أوثق مع الصين في قطاعي الدفاع والتكنولوجيا، تباعاً. وقد تؤدي إزاحة مادورو إلى تسريع هذه التوجهات. كذلك، من الممكن أن يفقد ترمب اهتمامه بما يعرف بـ "الخارج القريب من واشنطن"، فينتقل إلى مسائل أخرى في أجندته الدولية. إلا أن استراتيجية الأمن القومي التي أصدرتها الإدارة الأميركية أخيراً تضع نصف الكرة الغربي هذا قبل أية منطقة أخرى في العالم، كما أن اعتقال مادورو والحشد العسكري البحري الضخم من قبل الولايات المتحدة في منطقة الكاريبي يشيران إلى أن هذا الطموح ليس مجرد تهويل خطابي. لكن إعادة توزيع الموارد هذه قد لا تستمر طويلاً. فباستثناء ماركو روبيو، لا يبدو أن كثراً داخل إدارة ترمب مستثمرون شخصياً في سياسة خارجية تحت شعار "الأميركتين أولاً"، بما يتجاوز الأمن والتعاون في مكافحة الجريمة وزيادة عمليات الترحيل.

وعليه، فإن ما سيقدم عليه ترمب تالياً في فنزويلا ومنطقة الكاريبي سيكون مؤشراً حاسماً. فتدخلاته ستختبر إلى أي مدى لا يزال بمقدور الولايات المتحدة تشكيل ملامح المشهد السياسي في نصف الكرة الغربي.

 

ويل فريمان هو زميل في الدراسات الأميركية اللاتينية بمركز الأبحاث "مجلس العلاقات الخارجية".

مترجم عن "فورين أفيرز"، 6 يناير (كانون الثاني) 2026

اقرأ المزيد

المزيد من آراء