Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تلقى إيران مصير فنزويلا؟

من خلال دبلوماسيته المدعومة بالأساطيل العسكرية كشف الرئيس دونالد ترمب عن أسلوبه في تحقيق أهدافه، وهو ما يحمل أخباراً سيئة لملايين الإيرانيين العاديين الذين آمنوا بأن الدعم الأميركي كان في طريقه لإطاحة نظامهم الديني العنيف

الرئيس ترمب كان قال إن "أسطولاً بحرياً ضخماً" تقوده حاملة الطائرات "أبراهام لنكولن" في طريقه إلى إيران (أ ب)

ملخص

في ضوء نهج "أميركا أولاً"، يستخدم ترمب مزيجاً من استعراض القوة والمفاوضات لتحقيق مصالح بلاده، مما يجعل تعامله مع إيران امتداداً لأسلوبه في فنزويلا وغيره، ضمن براغماتية متقلبة هدفها النهائي ضمان الهيمنة الأميركية بلا تورط عسكري طويل.

"هناك أسطول بحري لافت آخر يبحر الآن بصورة جميلة نحو إيران..."، بهذه العبارات أبلغ الرئيس الأميركي الحاضرين خلال تجمع انتخابي في ولاية أيوا، في الغرب الأوسط الأميركي. ونقل الرسالة نفسها إلى العالم كله عبر منصاته المعتادة على وسائل التواصل الاجتماعي.

وقد أعد من يتابعون مثل هذه المواضيع خرائط تظهر عدداً هائلاً من القوات العسكرية الأميركية، ومعظمها من القطع البحرية وهي تشق طريقها في البحر نحو المنطقة. الرسالة المفترضة من كل ذلك هي: استعدوا يا آيات الله، لهجوم عسكري أميركي واسع وشامل ونهاية محتملة لنظام حكمكم.

ومن دون فترة انتظار طويلة جاء الرد العدواني الإيراني من وزير الخارجية هناك، الذي قال إن قوات البلاد المسلحة مستعدة "والأصابع على الزناد"، وترافق كل ذلك مع حال من الذعر في كافة أنحاء المنطقة، وبين حلفاء الولايات المتحدة الأوروبيين، خوفاً من اندلاع حرب وشيكة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران.

ولا يمكن استبعاد مثل هذا السيناريو الدرامي والمزعزع للاستقرار، لكن في الوقت نفسه، أوضح دونالد ترمب كيف يمكن تفاديه. فقد قال إن على قادة إيران أن "يأتوا بسرعة إلى طاولة المفاوضات"، وأن "يتفاوضوا على اتفاق عادل ومنصف ومن دون أسلحة نووية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بمعنى آخر، يمكن لنظام إيران أن ينجو، في الوقت الراهن، مقابل قبول قيود صارمة تقضم ما تبقى من نفوذه الإقليمي المحدود أصلاً.

ثمة نقاط عدة يمكن التوقف عندها هنا، بدءاً من البديهي منها: وهو أن المسؤولية تقع، جزئياً - بل إلى حد كبير - على عاتق دونالد ترمب في عدم التزام إيران اليوم بالرقابة الدولية على ما قد تبقى من برنامجها النووي. فمن المعروف أنه هو من سحب الولايات المتحدة من "خطة العمل الشاملة المشتركة" (الاتفاق النووي الإيراني)، في منتصف ولايته الأولى، متجاهلاً اعتراضات الأمم المتحدة والدول الأوروبية. وقد ترافق الانسحاب مع إعادة فرض العقوبات، التي يرجح أنها أسهمت في إذكاء السخط الشعبي تجاه الأوضاع الاقتصادية المتردية والذي كان أحد أسباب موجة الاحتجاجات الأخيرة في إيران.

ويمكن أيضاً اتهام ترمب بتنفيذ انعطافة كاملة، أخرى، في مواقفه. فبعد أن عرض "إنقاذ" المتظاهرين الإيرانيين قبل أن تقمع احتجاجاتهم بوحشية، ها هو اليوم يتوجه، بطريقته المعهودة، إلى القيادات نفسها التي خرج المحتجون لمعارضتها، في محاولة لتحييد إيران باعتبارها "تهديداً عسكرياً محتملاً".

وقد يطرح هنا سؤال مشروع: أي منحى يتبعه ترمب فعلاً؟ التهديد بإسقاط النظام، أم مد يد العون إلى قادته؟ وفي الحالتين، ألا نقف أمام انعطافة جديدة تضاف إلى سجل تقلباته السياسية؟

ومن خلال محاولتي الإجابة عن السؤال، دعوني أقدم لكم جملتين: "أميركا أولا"، و"فن إبرام الصفقات"، ثم ننتقل إلى دراسة وثيقتين رسميتين أميركيتين صدرتا حديثاً، وهما موجزتان وتسهل قراءتهما، والوثيقتان تحددان الأهداف الأساسية للسياسة الخارجية والدفاعية الأميركية في عهد الرئيس ترمب.

ما نحن بصدد مشاهدته بخصوص إيران، وليس للمرة الأولى، هو تحديداً أسلوب الرئيس ترمب، وطريقته في تحقيق تلك الأهداف. وهذا ليس مؤشراً، كما وصفه بعض منتقديه الأميركيين، على "تاكو" التي تعني "أن ترمب يتراجع دوماً" "Taco" – Trump always chickens out، بل هو، وفق الكلمة التي استخدمها في رفضه لتلك الصفة: طريقه في إجراء "المفاوضات". ويمكننا أن نضيف بأن المفاوضات بالنسبة إلى الرئيس ترمب غالباً ما تأتي مع مقدمة قديمة الطراز على شكل دبلوماسية استعراض القوة من طريق تحريك الاساطيل الحربية: أي إظهار القوة لغايات الترهيب والردع.

في حديثه عن "أسطول بحري" يشق طريقه نحو الشرق الأوسط، لمح الرئيس ترمب إلى أنه يرى إيران من المنظار نفسه الذي اعتمده مع فنزويلا. هناك، قام ترمب بعرض المفاوضات وثم التهديدات، قبل قيامه باعتقال الرئيس وزوجته بالقوة، تاركاً خلفه إدارة فنزويلية مذهولة تفتقد قائدها، وتسهل السيطرة عليها من قبل واشنطن.

وإذا كان ثمة من لا يزال غير مقتنع بأن هذا قد يكون "الدليل الإرشادي" الذي يستخدمه ترمب مع إيران، فإن الرئيس الأميركي سبق أن تفاخر بأن القوة البحرية المنتشرة في الخليج "أكبر بكثير" من تلك التي أرسلها إلى فنزويلا.

على رغم إصرار الأوروبيين على أنهم أرغموا الرئيس ترمب على "التراجع" عن طموحه في غرينلاند، يبقى من غير الواضح ما إذا كانت تلميحاته باستخدام القوة أو بفرض رسوم جديدة أكثر من مجرد مناورة افتتاحية في مسار تفاوضي، تماماً كما تبين لاحقاً أن الرسوم الجمركية العالمية التي فرضها قبل عام لم تكن سوى ورقة ضغط أولى. أما التراجع الحقيقي الوحيد الذي أمكن رصده في سلوك ترمب، فتمثل في اعتذار غير مكتمل عن التصريحات التي وصفها رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بأنها "مهينة ومروعة" في حق القوات البريطانية وغيرها من قوات حلف الأطلسي التي خدمت في أفغانستان، قبل أن يعود الرئيس الأميركي ليشيد بالجنود البريطانيين ويصفهم بـ"الشجعان".

كقاعدة عامة، يبدو أن الرئيس ترمب يتجنب العمليات العسكرية التي تتطلب نشر قوات عسكرية على الأرض، أو التزاما طويل الأمد ببقاء تلك القوات في مسرح العمليات، أو النتائج غير المؤكدة لأي تدخلات عسكرية. في ولايته الثانية كانت كل العمليات العسكرية حتى الآن محدودة للغاية من حيث الوقت والنطاق، واستندت إلى حسابات دقيقة للأخطار مقابل ما يمكن تحقيقه من مكاسب. وفي حين توقع البعض أن تتضمن عملية ترمب في فنزويلا تغييراً للنظام، إلا أن ذلك لم يحدث. فقد تم قطع رأس النظام، ولم يُطح.

وكما هو الحال في إيران حتى الآن، يبدو أن ترمب قد رفض أيضاً أي مخطط لتنصيب شخصية معارضة في المنفى، قائلاً في كلتا الحالتين أنه من غير الواضح ما إذا كان المرشحان الأبرزان - أي زعيمة المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو التي قامت بتقديم ميدالية جائزة نوبل التي فازت بها إلى الرئيس ترمب، ورضا بهلوي، ولي عهد إيران المنفي - يتمتعان بدعم شعبي كاف. وإذا كان الرئيس ترمب قد استفاد من الدروس المستقاة من التدخلات الأميركية السابقة في أفغانستان والعراق وليبيا، فهذا أمر جيد للغاية.

ومن النصائح الشائعة التي ظهرت في فترة ترمب الأولى أن كلماته يجب أن تؤخذ بجدية، ولكن ليس بحرفية. وقد يقال أيضاً إنه يستخدم لغة مغالية بتطرفها، فيما يكيف أفعاله لاحقاً وفق ما يراه ممكناً أو واقعياً. وكما جرى مع فنزويلا، ومع الرسوم الجمركية، وغرينلاند، والآن مع إيران، يجب أن تكون التهديدات معقولة. ويجب أن ينظر إلى النتائج المرجوة، على أنها تصب في مصلحة أميركا، وهذا ربما يفسر ما يبدو أنه تردد في الملف الإيراني، وفي الملف الأوكراني، الذي تنظر إليه واشنطن أكثر فأكثر على أنه مشكلة أوروبية.

أما مقاربة ترمب للصين - كما وردت في "استراتيجية الدفاع الوطني" - فتبدو أقل تشدداً مما جاء في خطابات رؤساء الكونغرس والرؤساء السابقين. فالوثيقة تشير إلى أن التعامل مع الصين سيتم عبر "القوة، لا المواجهة"، وتؤكد أن الولايات المتحدة لا تسعى إلى "السيطرة على الصين أو إهانتها أو خنقها"، بل تريد "سلاماً محترماً، بشروط تصب في مصلحة الأميركيين، ويمكن للصين في الوقت نفسه قبولها والعيش في ظلها".

وعند تجميع هذه العناصر، يتضح أن علاقات القوة هي التي تحكم المشهد، وأن المصالح الأميركية، كما يراها ترمب والدائرة المحيطة به، تأتي أولاً، إلى جانب أمن نصف الكرة الغربي.

ومن المحتمل أن تتغير حسابات المصالح الأميركية، كما حدث في حال إيران، حيث أظهر النظام عزيمته وقدرته، في الوقت الحالي، على التمسك بالسلطة. هذه ليست تراجعات أو انعطافات، بل تجليات لـ"واقعية ترمب"، حيث تبقى القاعدة الأساس ثابتة: "أميركا أولاً".

© The Independent

المزيد من تحلیل