Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تقع أميركا في وحول مستنقع فنزويلا؟

واشنطن تكرر أخطاء حربها في العراق

تظاهرة دراجات نارية في كاراكاس تأييداً للرئيس المعتقل نيكولاس مادورو، فنزويلا بتاريخ يناير 2026 (رويترز)

ملخص

يفترض تعامل إدارة ترمب مع فنزويلا أن القوة الأميركية كافية لفرض انتقال سياسي سريع وممول ذاتياً، غير أن التجربة العراقية تظهر أن تجاهل الشراكات الدولية وكلفة إعادة الإعمار وتعقيدات النفط يقود إلى الفوضى، ويمنح الخصوم فرصاً للتدخل، ما لم تصمم عملية انتقال شاملة وواقعية منذ البداية.

فنزويلا ليست العراق، لكن تماماً كما ارتبط إرث الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش بمصير العراق، بات إرث الرئيس دونالد ترمب مرتبطاً إلى حد ما بكيف ستتطور الأحداث في فنزويلا.

ثمة فروق جوهرية بطبيعة الحال بين غزو واشنطن للعراق عام 2003 والعملية ضد الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أبرزها أن بوش سعى إلى إطاحة الرئيس العراقي صدام حسين عبر قوة غزو ضمت أكثر من 150 ألف جندي أميركي، وقد تحرك بعد أن أصدر مجلس الأمن 16 قراراً يدين نشاطات صدام، ونجحت واشنطن في تشكيل تحالف يضم 49 دولة داعمة، فيما صوّت الكونغرس على تفويض استخدام القوة. وعلى عكس ذلك فوجئ الجميع، بما فيهم الكونغرس، بإطلاق ترمب "عملية العزم المطلق" التي أخرجت مادورو ونفذت بأيدي نحو 200 أميركي خلال ساعتين ونصف الساعة، ومع ذلك تحمل التجربة الأميركية المؤلمة في العراق دروساً لفنزويلا أكثر مما قد يتوقعه كثيرون، ولقد أمضيت ما يقارب عامين في العراق ووصلت بعد أيام من فرار صدام من بغداد، ومكثت هناك خلال فترة الغزو بأكملها، وتبدو بعض ملامح المشهد الراهن في فنزويلا مألوفة بالنسبة إلي، فكما حدث في العراق أبدى المواطنون وجمهور واسع من المغتربين الفنزويليين مشاعر ابتهاج أولية مع إطاحة الولايات المتحدة ديكتاتوراً قمعياً، وآنذاك، كما الآن، اعتقدت واشنطن أن عملية عسكرية خاطفة وناجحة قد تبهر حلفاءها وتستفز خصومها، مما يساعد في التوصل إلى التعاون بين القوى الإقليمية من دون جهد يذكر.

لكن هذه الافتراضات وغيرها أثبتت في حال العراق أنها كانت خطرة ومضللة، فالتجربة الأميركية هناك تعد تحذيراً واضحاً من أن غياب التحضير الكافي للمرحلة التالية التي تعقب سقوط الديكتاتور قد يبعث برسالة ضعف حتى بعد عملية عسكرية ناجحة، وبالفعل ارتعد خصوم واشنطن في المنطقة بداية أمام القوة العسكرية الأميركية الطاغية، فقد علق النظام الإيراني برنامجه النووي، وتخلى الزعيم الليبي معمر القذافي عن برنامجه النووي، وأوقفت سوريا في نهاية المطاف احتلالها للبنان الذي دام نحو 30 عاماً، غير أن الأخطاء اللاحقة في العراق، وكثير منها كان يمكن تفاديه، أسهمت في ترسيخ رواية طاغية عن الفشل أربكت التحركات الأميركية وأضعفت حضورها وعلاقاتها حول العالم، ومنحت خصومها مزيداً من الجرأة.

هناك خمسة دروس اكتسبت بقسوة من تجربة العراق قد تفيد إدارة ترمب في التوصل إلى مآلات أفضل في فنزويلا تكون لمصلحة الفنزويليين والأميركيين، ويتمثل الدرس الأول بوجوب ألا تفترض واشنطن استمرار النظام عقب الإطاحة بقيادته، وبالتالي يجب على أميركا صوغ خطة لنشر القانون والاستقرار والانتظام في حال حدوث انهيار ما، ويبرز في الدرس الثاني ضرورة تنبه الولايات المتحدة للتأثير السلبي المتضمن في سردية تفيد بأنها تسعى إلى نفط فنزويلا وحده، فمن شأن تلك السردية أن تخل بالأهداف الأميركية هناك.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي ثنايا الدرس الثالث أنه يجب على واشنطن إعلاء شأن العمل على نشر الديمقراطية، ليس انطلاقاً من الإحساس بالتضامن مع الآخر بل للتوصل إلى الاستقرار، ويملي الدرس الرابع على واشنطن ضرورة الاستعداد لتوجيه الموارد إلى ما مسارات أفضل، حتى لو حملت المصادر الواسعة في فنزويلا وعداً بثروة مستقبلية ضخمة، وأخيراً لا تستطيع الولايات المتحدة افتراض أن قوتها ستضمن لها نتائج إيجابية من دون مساعدة من الأطراف الفاعلة الإقليمية.

الشرخ المضطرب

من الطبيعي أن يشعر فنزويليون كثر بالابتهاج بعد إطاحة الولايات المتحدة بمادورو، وكذلك كان الحال مع عراقيين كثر رحبوا بسقوط صدام، فعندما وصلت إلى بغداد بعد أيام من فراره من المدينة في أبريل (نيسان) 2003، كان العراقيون يبدون تفاؤلاً حذراً بمزيج من الحماسة والقلق من عدم اليقين في شأن المستقبل، ولكن سرعان ما تعكرت كل مشاعر التأييد لأميركا حينما حلت الفوضى والعنف عقب العملية العسكرية الأميركية، وأخطر ما افترضه المسؤولون الأميركيون آنذاك كان الاعتقاد بأن البنية الحكومية العراقية، بما فيها الأجهزة الأمنية، ستواصل عملها بصورة طبيعية بعد سقوط النظام، وحتى بعد أسابيع من بدء الغزو الذي حمل اسم "عملية حرية العراق"، لم تكن إدارة بوش تخطط لاحتلال طويل يمتد لأعوام، فقد أوحت تجربة أفغانستان قبل ذلك بعام ونصف العام بأن تدخلاً عسكرياً سريعاً قد يتيح انتقالاً سلساً للسلطة، فدخلت الولايات المتحدة لإسقاط "طالبان" ثم برز توافق داخلي وإقليمي على حامد قرضاي خلال أسابيع قليلة ليتولى رئاسة السلطة الموقتة بعد 40 يوماً فقط من سقوط كابول.

ولعل الافتراض الأشد سوءاً تمثل في اعتقاد مسؤولين أن وزراء الحكومة العراقية، وضمنهم بعض القوى الأمنية، قد يستمرون في العمل بفاعلية، وحتى بعد أسابيع من حملة الغزو المسماة "عملية حرية العراق"، لم تتوافر لدى إدارة بوش نية احتلال تلك البلاد، ولم يمض سوى عام ونصف العام على تجربة أميركا في أفغانستان التي أدت إلى تكوين توقعات لمصلحة دخول أميركي محدود وسريع، وبعد دخول الولايات المتحدة ذلك البلد للإطاحة بنظام "طالبان"، تشكل بسرعة توافق محلي وإقليمي على أن حامد قرضاي سيكون الأشد ملاءمة كقائد لمرحلة ما بعد سقوط "طالبان"، ونُصب قرضاي رئيساً لسلطة انتقالية في أفغانستان بعد 40 يوماً من سقوط كابول بيد الجيش الأميركي.

قبل غزوه امتلك العراق خدمات مدنية متطورة وافترض قادة الولايات المتحدة أن ذلك البلد لا يحتاج إلا إلى القليل من الحوكمة الأميركية القصيرة الأمد بعد التوصل إلى اختيار قائد جديد ومناسب، وخلال مسار الغزو ثارت نقاشات في الكويت، والتي اتخذت قاعدة انطلاق للعملية الأميركية، عما يجب أن تتضمنه الرسالة الأميركية الأولى إلى الشعب العراقي، وقرر القادة الأميركيون التشديد في تلك الرسالة على تمكين العراقيين من العودة للعمل بصورة طبيعية، وأن الدخول الأميركي سيكون قصيراً ومتمحوراً حول تأمين استمرار المؤسسات العراقية، وحينما تطوعت تاركة منصبي في الوزارة الخارجية الأميركية كي أنضم إلى الفريق المدني المرافق للجيش في العراق، شجعني الجنرال المتقاعد جاي غارنر الذي تولى مسؤولية العمليات المدنية، على تخصيص ما لا يزيد على ثلاثة أشهر للعمل المباشر على الأرض، متوقعاً أنه عقب ذلك "سنعود كلنا لديارنا"، وسرعان ما تمددت تلك الأشهر الثلاثة إلى ستة ثم تسعة ثم خمسة عشر شهراً، بالترافق مع تهاوي المؤسسات العراقية عقب إزاحة صدام، وصار الانتقال السريع للسلطة أمراً مستحيلاً، فعقود من الفقر والعقوبات والقمع السياسي دفعت المجتمع العراقي إلى حافة الانهيار النفسي، وحينما أحس الناس بفراغ في القيادة خرجوا إلى الشوارع بهدف الانتقام من المؤسسات المكروهة ولاغتنام أية منفعة ممكنة في وضع يسوده غياب القانون وانعدام اليقين، وبصورة دراماتيكية تراجعت الخطط الأميركية تحت وطأة نهب المباني الحكومية ومخازن الأسلحة وتخريب البنى التحتية المحورية للاتصالات والنفط، ولقد جرى التخطيط بعض ذلك التخريب بصورة مسبقة، وقد أجرى نظام صدام استعدادات واسعة في شأن إحداث انتفاضة شعبية ضد التدخل العسكري الأميركي، وما إن انهار الحكم حتى بدأت تلك الشبكات بالتحرك لتشكل نواة التمرد الذي أنهك القوات الأميركية لاحقاً، وسواء بأثر من الضعف أو غياب الإرادة، تركت واشنطن الفوضى لشأنها فتفاقمت، وفي الـ 11 من أبريل عبّر وزير الدفاع دونالد رامسفيلد عن هذا الارتباك بعبارته الشهيرة "الحرية غير منظمة، والناس الأحرار أحرار في أن يخطئوا ويرتكبوا الجرائم ويفعلوا أموراً سيئة، وهذه الأمور تحدث".

من الباكر الركون إلى الاطمئنان حيال إمكان اندلاع العنف في فنزويلا

ويستخلص من تجربة الولايات المتحدة في العراق ضرورة تأهبها لإمكان عدم استمرار النظام البوليفاري في فنزويلا بعد مادورو، وقد يغدو هذا المسار أكثر ترجيحاً إذا تحركت إدارة ترمب فعلياً لوقف تهريب المخدرات والنفط وتصدت للمناجم غير الشرعية، وبصورة خاصة تعتمد القوات المسلحة الفنزويلية على تدفق أموال من تجارة المخدرات غير الشرعية وتهريب النفط بهدف ضمان الولاءات، وتمويل نمط حياة الجنرالات والمجموعات المحلية شبه المسلحة، وفي مقابلة أجرتها أخيراً محطة راديو "آكتيولداد" ومقرها ميامي، حذر عقيد متقاعد ينتمي إلى المعارضة من أن مسؤولي النظام "لن يستطيعوا الاحتفاظ بولاء الجيش إذا لم يحصلوا على دخل من تهريب المخدرات والنفط المباع في السوق السوداء والتجارة غير المشروعة"، وتاريخياً يميل الجيش الفنزويلي إلى معاداة أميركا وقد لا يرضى عن النائبة السابقة لمادورو، ديلسي رودريغز، إذا استمرت في التعاون مع واشنطن بوصفها الرئيسة الانتقالية للبلاد، وبكلمات أخرى قد يبرهن النظام الحالي على عجزه عن دعم الحكم والحفاظ على السلام أو لامبالاته بذلك.

وكذلك من الباكر تماماً الركون إلى الاطمئنان حيال إمكان اندلاع العنف في فنزويلا، ولقد تآكلت المؤسسات الفنزويلية إثر ربع قرن من الحكم البوليفاري، ويضاف إلى ذلك تأثير 20 عاماً من العقوبات الأميركية والتضخم المفرط المزمن ومعدل فقر يقدر بـ 80 في المئة، وبالتالي فمن السهل إدراك أن إطاحة قائد قد تؤجج الاضطرابات.

ومع الأخذ بعين الاعتبار الصعوبة الضخمة التي واجهتها واشنطن في احتلال العراق وإدارة الحكم فيه، يغدو من المفهوم اختيار إدارة ترمب الإبقاء على النظام الفنزويلي، وبالفعل فقد أشار مسؤولون في إدارة ترمب إلى الدروس المريرة المستقاة من تجربة العراق في شأن عدم إزالة مؤسسات حكم تسلطي.

وعلى رغم صواب الدروس التي تفيد بضرورة الإبقاء على المؤسسات لكن تنفيذها أكثر صعوبة من الكلمات، ولقد نصت سياسة "اجتثاث البعث" في العراق على إخراج أناس من آلية الحكم على أساس مدى تقدم مستوياتهم في نظام "حزب البعث" الذي أداره صدام، بسبب استحالة تحديد ضلوعهم الفردي في سوء الحكم، ويجب ألا تتكرر تلك السياسة لكن عملياً ما إن ينهار النظام حتى تصبح المؤسسات غير متماسكة، ولا يمكن الحفاظ عليها أو إعادة بنائها من دون مواجهة حقيقة أن ملايين عانوا تحت ذلك الجهاز سيرغبون في الانتقام، أو في الأقل بالمحاسبة، ولقد عملت مع قائد عراقي قُتل أخوته التسعة بوحشية على يد "حزب البعث"، ولم يكن بالمستطاع أن يطلب منه قبول تولي أعضاء من ذلك الحزب مناصب رفيعة في المجتمع، وسرى شعور مشابه في صفوف عراقيين آخرين، والتحدي لا يكمن في تقرير ما إذا كان ينبغي تفكيك المؤسسات بل في كيفية إنقاذ الأجزاء التي لا تزال تعمل واللازمة للحكم، مع الاستجابة ومحاولة تهدئة النزعة الشديدة إلى الثأر.

الثقة المحطمة

شكّل فشل الولايات المتحدة في التعامل مع انهيار النظام في العراق شرخاً أولاً في الإحساس بأن أميركا لا تقهر، وقبل مغادرتي العراق في يونيو (حزيران) 2004 سألت عشرات العراقيين عن مدى صوابية وكفاءة ما فعلته الولايات المتحدة، وأخبرني معظمهم أن النهب والانفلات خارج القانون مهدا لفترة انتقالية خالية من أية مرجعية لسلطة الحكم، وخلال الأسابيع القليلة التي تلت الإطاحة بصدام، تشبثت بمقعدي في سيارة قادها زميل عراقي بسرعة منفلتة وتجاهل إشارات المرور الضوئية أثناء عبوره أحد التقاطعات، وسألته "منذ متى توقف العراقيون عن الانصياع لإشارات المرور؟". وبواقعية أجابني "منذ فرار صدام"، فلقد أطاع العراقيون القوانين بدافع الخوف المحض لوقت طويل، وحين اختفى صدام بدا أن جميع تلك القوانين فقدت هيبتها.

ومع ازدياد الفوضى في العراق ووجود الولايات المتحدة أمام مهمة حكم بلد يفوق عدد سكانه 25 مليون نسمة من دون استعداد كاف، أخذ زملائي العراقيون يشتكون باستمرار من عجز قوة عظمى مفترضة عن توفير أساسات مثل الأمن والكهرباء، ومع الوقت بدأوا يتساءلون عما يفعله الأميركيون في العراق ولماذا جاؤوا؟ ومع تعثر جهود إعادة الإعمار ترسخت سردية أن واشنطن لا تريد سوى نفط العراق، وهو ما غذى التمرد الناشئ وأصاب غالبية المواطنين بخيبة أمل عميقة.

وبرهنت تلك السردية على قوتها على رغم أن الولايات المتحدة نأت بنفسها مراراً عن وضع يدها مباشرة على حقول النفط العراقية، وفي عام 1991 تخلت الولايات المتحدة عن حقول نفط سيطرت عليها خلال حملة تحرير الكويت من القوات العراقية، وفي عام 2003 امتنعت سلطات الاحتلال المدارة أميركياً من منح عقود جديدة لشركات أجنبية، وفضلت تأجيل هذه الخطوة إلى أن تتولاها حكومة عراقية منتخبة (ولهذا السبب لم تمنح العقود الأولى لشركات أجنبية إلا عام 2009)، وبالانسجام مع مقاربة معتمدة منذ الحرب العالمية الثانية، فقد أولت الولايات المتحدة اهتمامها لضمان قدرتها على الوصول إلى النفط في الأسواق العالمية بأسعار معقولة، أكثر من عملها على التحكم المباشر بحقول النفط.

إن تركيز إدارة ترمب الواضح على السيطرة على نفط فنزويلا قد يروق لبعض الأوساط الأميركية لكنه سينهك الفنزويليين الذين يحتفلون برحيل مادورو، وكما في العراق بدأت تتشكل قناعة أن الولايات المتحدة ليست مهتمة بمساعدة عامة الناس، وأن طموحاتها تقتصر على الاستحواذ على موارد فنزويلا، ولذلك يجب أن تركز رسائل البيت الأبيض المقبلة للجمهور المحلي والدولي على رغبة الولايات المتحدة في تحسين الحكم، وهو هدف يشترك فيه الفنزويليون وجيرانهم، وقد شدد كثير من كبار مسؤولي إدارة ترمب، وعلى رأسهم وزير الخارجية ماركو روبيو، على هذا البعد بالفعل.

ويجب أن يكون هذا التحول أكثر من مجرد خطاب وأن ينعكس أيضاً في الأفعال، إذ ستكتشف الإدارة عن أنه حتى لو اقتصرت مصالحها على النفط فإن عليها مساعدة الفنزويليين في إقامة نمط مختلف من الحكم كي يزدهر هذا القطاع، فمن غير المتصور أن تتمكن فنزويلا من استقطاب رؤوس أموال ضخمة واستثمارات طويلة الأجل من شركات النفط الأميركية من دون وجود حكم أكثر شرعية وشفافية وخاضع لسيادة القانون، وبالمثل فحتى لو سعت فنزويلا إلى إحياء قطاع النفط عبر إصلاح شركتها الوطنية فستحتاج إلى نظام جديد قادر على جذب الخبراء الذين فروا من البلاد بعد وصول هوغو تشافيز إلى السلطة عام 1999.

ليست ثروة سائغة

قلة فقط تدرك حقيقة أخرى في مقاربة الولايات المتحدة للعراق، وهي أن مساعيها المستمرة لولادة حكومة تمثيلية لم تكن مدفوعة بالأيديولوجيا وحدها أو بهوس نشر الديمقراطية، بل بقدر كبير من البراغماتية، ففي مطلع عام 2003 كان بعض مناصري الحرب يعتقدون أن عراقاً ديمقراطياً سيغير الشرق الأوسط بأسره، لكن أولئك الذين عملوا في الميدان باتوا أكثر اقتناعاً بأن الديمقراطية ضرورة لأسباب أخرى أيضاً، فكي يتمكن بلد منقسم ويحوز موارد نفطية هائلة من الاستقرار، كان لا بد من انتقاله إلى نظام سياسي واسع التمثيل، فالانقسامات المذهبية والفكرية في العراق جعلت من المستحيل الوثوق بقائد أو جماعة واحدة لتأمين الازدهار لجميع المكونات، ولم يكن في الإمكان إقناع الفئات الأساس بأنها ستحصل على نصيبها من الثروة المحتملة إلا عبر حكومة دستورية تمثيلية، تقوم على الضوابط والتوازنات وتتيح التداول الانتخابي للسلطة، غير أن هذه النظرية كانت أسهل قولاً من التنفيذ، فالمقترح الأميركي الأول لإدارة المرحلة الانتقالية لم يدرج الانتخابات في وقت باكر بما يكفي، مما دفع المرجع الأعلى آية الله علي السيستاني، الذي يعد الأكثر تقديراً لدى شيعة العراق، إلى رفضه، وفي وقت لاحق أخفق القادة الأميركيون وشركاؤهم العراقيون في إقناع الأقلية السنيّة التي كانت تشكل قاعدة النظام السابق بالانضمام إلى الهيئات الانتقالية، وهكذا وافرت عملية انتقال سياسي غير شاملة ما يكفي من الذرائع لتغذية التمرد.

تشجيع قيام حكومة أكثر شرعية في فنزويلا لا يتطلب احتلالاً أميركياً، ففي سعيها إلى تأمين انتقال سياسي بعد إزاحة ديكتاتور، تمتلك إدارة ترمب أفضلية كبيرة مقارنة بإدارة بوش، فالمعارضة الفنزويلية لديها اليوم قادة يتمتعون بدعم داخلي ودولي واضح، ففي العراق اضطرت إدارة بوش إلى إدارة جهد طويل ومكلف للعثور على قيادات بديلة وتمكينها، أما في الانتخابات الرئاسية لعام 2024 فقد صوّت الفنزويليون بغالبية واسعة لإدموندو غونزاليس أوروتيا، ممثل المعارضة عن ماريا كورينا ماتشادو التي منعها نظام مادورو من الترشح، وعلى واشنطن أن تشرك واحداً من هذين الاسمين أو كليهما ضمن عملية انتقالية شاملة، والأفضل أن تشمل العملية أيضاً "التشافيزيين" غير المتورطين في الجريمة: ضباطاً أقل رتبة ومثقفين دعموا "الثورة البوليفارية" عام 1999 وتقنيين عملوا في الدولة خلال مراحل سابقة، فهؤلاء لا يزالون يمثلون شريحة واسعة من الفنزويليين وخصوصاً في المناطق الفقيرة والريفية.

رفع الإنتاج النفطي الفنزويلي قد يستغرق عقداً كاملاً

يبدو أن إدارة ترمب تفترض أن امتلاك فنزويلا أكبر احتياطات نفطية في العالم يعني قدرتها على توليد الأموال سريعاً لتغطية كُلف الانتقال السياسي وإعادة الإعمار، وقد عبر ترمب عن هذا الافتراض صراحة خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده صباح اليوم التالي لعملية إخراج مادورو من السلطة، لكن هذا الافتراض يكرر خطأً كارثياً ارتكبته الولايات المتحدة في العراق، حين دأب القادة الأميركيون على التقليل من حجم الموارد والاهتمام الدبلوماسي المطلوبين لإنجاح انتقال سياسي، فضلاً عن إعادة تشغيل قطاع النفط وبناء البنية التحتية، وبعد أيام من بدء غزو العراق في مارس (آذار) 2003 نقل نائب وزير الدفاع الأميركي بول وولفوفيتز إلى مشرعين أميركيين أثناء جلسة استماع في الكونغرس، "نحن نتعامل مع بلد يستطيع تمويل إعادة إعماره بنفسه وفي وقت قريب"، وتوقع وولفوفيتز أن تولد صناعة النفط العراقية ما يتراوح ما بين 50 و100 مليار دولار كعوائد خلال عامين أو ثلاثة أعوام، وقد خسرت إدارة بوش صدقيتها مع العراقيين والكونغرس الأميركي حينما ثبت بوضوح خطل تلك الافتراضات، وتسببت هجمات على أنابيب النفط ومعدات متهالكة وبنية تحتية رديئة في هبوط إنتاج العراق من النفط إلى مستويات تقل كثيراً عن توقعات إدارة بوش، وبعد 10 أشهر من شهادة وولفوفيتز لاحظ "مكتب الموازنة" في الكونغرس أن مردود النفط العراقي لم يكف لتغطية أي شيء سوى الرواتب الحكومية، وبعد ثلاثة أعوام من الإطاحة بصدام لم يصل مستوى إنتاج النفط العراقي إلا إلى 27 في المئة من مستوياته قبل الحرب.

ولعل انتقالاً سياسياً هادئاً يفضي إلى مزيد من الاستقرار وتراجع الفساد سيشجع الشركات الأميركية على استثمارات طويلة الأجل في فنزويلا، لكن إصلاح حقول نفط مهملة وبنية تحتية متهالكة سيستغرق وقتاً في جميع الأحوال، ويتفق خبراء قطاع النفط على أنه حتى في ظل انتقال سلس للسلطة ورفع العقوبات الدولية وترسيخ حكومة مؤيدة للاستثمار، فإن زيادة الإنتاج النفطي بصورة جذرية قد تستغرق عقداً، وهذا يعني أن على الولايات المتحدة تخصيص موارد لتثبيت الاستقرار في فنزويلا وإدارة انتقالها السياسي وإعادة بناء قطاعها النفطي، وهي جهود ستتطلب على الأرجح اعتمادات مالية من الكونغرس، ومن ثم يتعين على إدارة ترمب العمل بجدية أكبر لكسب المشرعين إضافة إلى مشروع نجاح فنزويلا.

حدود الثقة

تبدو إدارة ترمب مقتنعة بأن القوة الأميركية بلغت ذروتها، لكن قبل أكثر من 20 عاماً، حين كانت الولايات المتحدة تعد بلا منازع القوة العظمى الوحيدة في العالم، وقعت إدارة بوش في خطأ تقييم قوتها المفرطة وأخطأت بشدة عندما أهملت إشراك دول أخرى في تحديد مصير العراق، فقد اعتقدت أن نفوذها كاف لدرجة أن فشلها في نيل دعم إقليمي لغزوها لم يكن عائقاً، وظنت أنها قادرة على تحقيق نتيجة إيجابية بمفردها، وبدلاً من ذلك تعززت دوافع الدول المجاورة للعراق، وبخاصة سوريا وإيران، لزعزعة الانتقال السياسي الذي تقوده أميركا، وكذلك استفادت قوى بعيدة شملت روسيا والصين من التخبط الأميركي في وحول العراق كي تدفع قدماً بمصالحها الخاصة، مستفيدة من تضاؤل عمل واشنطن على التدقيق في أفعالها، وإن أرادت إدارة ترمب ألا تجد نفسها في الموقع ذاته فعليها تكثيف مشاوراتها الإقليمية والدولية حول فنزويلا، فالنزعة إلى إدارة الملف بصورة أحادية تبدو قوية، لكن الأطراف الإقليمية والدولية معنية بمستقبل فنزويلا بدرجة كبيرة، وإشراكها منذ الآن سيعود بفوائد سياسية وإستراتيجية لاحقة.

أثناء مقابلة في أبريل 2016 أورد الرئيس باراك أوباما أن "الخطأ الاسوأ" الذي ارتكبه كرئيس "ربما تمثل بالفشل في التخطيط للمرحلة المقبلة" لإطاحة القذافي في ليبيا، ولعل دروساً كهذه ينبغي ألا تكتشف من جديد في كل عهد رئاسي، فلا يزال أمام الرئيس ترمب متسع ليتعلم من تجربة العراق حتى لا يضطر إلى الإجابة بالطريقة نفسها عندما يسأل عن فنزويلا في نهاية ولايته.

 

ميغان أوسوليفان هي مديرة "مركز بلفر للعلوم والشؤون الدولية" وأستاذة في كرسي جين كيركباتريك للممارسة في الشؤون الدولية في كلية كينيدي بجامعة هارفرد، وشغلت بين عامي 2005 و2007 منصب نائبة مستشار الأمن القومي لشؤون العراق وأفغانستان.

مترجم عن "فورين أفيرز"، 16 يناير (كانون الثاني) 2026

اقرأ المزيد

المزيد من آراء