ملخص
فشل تحرك أنس سروار لإضعاف كير ستارمر بسبب غياب الخطة والدعم، ما عزز موقع الأخير داخل الحزب بدل إضعافه. تغيير القيادة لن يحسن حظوظ حزب العمال، بل سيؤدي إلى انقسامه، فيما يبقى ستارمر الخيار الأقل سوءاً حتى الآن. التجارب السابقة تظهر أن استبدال الزعيم نادراً ما يرفع الشعبية، وأن البدائل المحتملة لا تملك مشروعاً سياسياً قادراً على إحداث تحول حقيقي.
ربما يستطيع أحدكم مساعدتي في فهم ما جرى هنا، لكنني أتساءل عما كان يفكر فيه زعيم حزب العمال الاسكتلندي عندما قرر مهاجمة زعيم حزب العمال البريطاني. لعل أنس سروار سيتطوع لشرح موقفه مجدداً لوسائل الإعلام. لكن، حتى الآن، فإن الاستجواب الوحيد الذي تعرض له بسبب اندفاعه الاستثنائي جاء من كير ستارمر نفسه، الرجل الذي حاول إزاحته.
أبدى سروار قدراً من اللياقة، إن لم يكن بحسن التقدير، إذ اتصل بستارمر مسبقاً ليبلغه بإعلانه الدرامي لوسائل الإعلام أن قيادة داونينغ ستريت يجب أن تتغير. وربما كانت هذه أول حالة موثقة يحذر فيها "القاتل" ضحيته سلفاً، ومع ذلك يتوقع تحقيق النتيجة المرجوة، علماً أن عنصر المفاجأة هو العامل الحاسم في نجاح أية مهمة من هذا النوع.
ووفقاً للروايات، التي ينبغي التعامل معها بقدر مناسب من التحفظ، فقد أخضع ستارمر سروار لتحقيق دقيق. "ما الخطة يا أنس؟ متى سيحدث هذا؟ من سيكون رئيس الوزراء الجديد"؟ ولم يكن لدى سروار أية إجابة عن هذه الأسئلة، فتبددت المحاولة الثانية للإطاحة برئيس الوزراء، كما تتبدد قطعة شوكولاتة مقلية ترمى خارج مطعم في إدنبره في ليلة كئيبة ماطرة.
في الواقع، ووفقاً للإشاعات المتداولة في وستمنستر، اضطر وزير في الحكومة (لم يكشف عن اسمه) إلى اختراع رواية بعد فشل تحرك سروار، مفادها أن ما جرى كان يفترض أن يؤدي إلى سلسلة من استقالات وزراء صغار، تنتهي بظهور ويس "ويس الكبير" ستريتينغ [وزير الصحة في حكومة ستارمر]، بوصفه الرجل القادر على إنقاذ حظوظ حزب العمال في اسكتلندا.
وبمقاييس الانقلابات الكلاسيكية، يبدو "انقلاب سروار 2026" باهتاً إذا ما قورن بروبسبيار 1794، أو لينين 1917، أو حتى جيمس بورنيل عام 2009، حين استقال وزير العمل والمعاشات الشاب والشجاع، ودعا زعيم الحزب ورئيس الوزراء آنذاك، غوردون براون، إلى "التنحي لإعطاء حزب العمال فرصة حقيقية للفوز في الانتخابات المقبلة". يومها اندلعت حالة من الهوس الإعلامي، لأنني وزملائي الصحافيين مدمنون على أزمات القيادة بقدر إدماننا على استطلاعات الرأي، لكن براون صمد، وقاد حزبه إلى انتخابات العام التالي، وخسرها - خسارة كان ديفيد ميليباند سيمنى بها على الأرجح أيضاً.
وقد أكون من قلائل الإعلاميين الذين يعتقدون بصدق أن ستارمر سيقود حزبه إلى الانتخابات العامة المقبلة (من دون ضمان الفوز)، وأن أياً من منافسيه المحتملين لن يقدم أداء أفضل إلى درجة تبرر دخول الحزب في صراع على القيادة.
ولو وجدت أدلة على أن تعيين أندي بورنهام أو ويس ستريتينغ سيضيف 10 نقاط إلى رصيد الحزب في استطلاعات الرأي، لكان لذلك ما يبرره. وكذلك الحال لو أن رؤية أنجيلا راينر أو شبانة محمود تبتسمان منتصرتين أمام داونينغ ستريت كانت ستضمن إطاحة الحزب الوطني الاسكتلندي من السلطة.
وما يستحق التوقف عنده أن ستارمر، على رغم غياب رئيس موظفيه مورغان ماكسويني ومدير الاتصالات تيم ألان، تمكن من حشد دعم مجلس الوزراء كاملاً له علناً عقب تدخل سروار، إضافة إلى دعم راينر. ووفقاً لكل الروايات، فقد ظهر بقوة لافتة مساء أمس خلال مخاطبته الحزب خلف أبواب مغلقة. وقال أحد النواب المعروفين بتجهمهم الدائم لبيثاني داوسون من "بوليتيكو": لو استطعناً أن نعبئ هذا الجانب من كير ونقدمه للبلاد، فسنفوز خلال عام 2029". فهل يحتمل أن مستشاريه السابقين كانوا يكبحون ستارمر الأكثر حيوية؟
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
لكن لا توجد أية مؤشرات إلى تحسن كبير في حظوظ حزب العمال، تماماً كما لم تظهر مثل هذه المؤشرات حتى عندما تولى ريشي سوناك الحكم خلفاً لليز تراس (مع أن ذلك أنقذ البلاد، في الأقل، من ليز تراس)، ولا عندما تولت تراس المنصب بعد بوريس جونسون. خلف جونسون تيريزا ماي وقاد حزبه إلى فوز بارز خلال عام 2019، لكن ذلك كان مرتبطاً أكثر ببلد منهك أراد وضع حد لمعاناة "بريكست". أما آخر مرة أدى فيها وصول رئيس وزراء جديد إلى رفع شعبية حزب ما في استطلاعات الرأي فكانت عام 1990، حين خلف جون ميجور مارغريت تاتشر، وترافق ذلك مع تغييرات سياسية كبيرة - من بينها إلغاء "ضريبة الاقتراع" [ضريبة متساوية تفرض على كل بالغ بغض النظر عن الدخل] ومحاولة تبني نهج أكثر ميلاً نحو أوروبا.
الحقيقة أن جميع الخلفاء المحتملين لستارمر يملكون نقاط قوة خاصة بهم، وأن كلاً منهم سيكون - من جوانب مختلفة - تحسناً مقارنة بالزعيم الحالي ذي الطابع القانوني والبيروقراطي. فستريتينغ أقدر على خوض الجدل وصياغة الحجة، وراينر أكثر صدقية وأصالة، ومحمود ربما أمهر في إنجاز الأمور، وبورنهام أكثر شعبية في الشمال... لكن أياً منهم لا يمتلك "شجرة مال سحرية"، ومن حيث السياسات - التي تحتل حالياً موقعاً متأخراً في النقاش حول مستقبل الحكومة - فإن الفارق الذي قد يحدثونه سيكون هامشياً. وكما يقال عن بورنهام، فالأمر كله سيتعلق بـ"الانطباع العام".
وما سيفعله أي من هؤلاء الطامحين إلى رئاسة الحكومة هو تقسيم الحزب بالطريقة نفسها التي جعلت الجولات المتعاقبة لانتخابات زعامة المحافظين حزبهم في حالة فوضى، محكوماً بعصابات متنافسة في حرب دائمة. وهذا لم يعجب الناخبين، ولم يفعل سوى زيادة متاعبهم أصلاً. أما ستارمر، على رغم أخطائه ونقائصه، فلم يتورط - على غرار جونسون - شخصياً في فضيحة بحجم "بارتي غيت"، ولم يكذب على البرلمان (إلا إذا كشفت "أوراق ماندلسون" غير ذلك)، ولم يغرق المالية العامة في أزمة كما فعلت تراس، بل إن الأسواق تخشى، في الواقع، البدائل المحتملة له ولرايتشل ريفز.
في الواقع، فإن ستارمر يشبه كل رئيس وزراء عمالي سبقه منذ الحرب، فجميعهم (باستثناء كالاهان) واجهوا مؤامرات لإطاحتهم، ونجا جميعهم لأنهم كانوا، في كل لحظة، وعلى الإجمال، أفضل ما كان الحزب يملكه. وكثيراً ما كان منافسوهم يكرهون بعضهم بعضاً أكثر مما كانوا يكرهون أتلي وويلسون وبلير وبراون. وهذا هو حال ستارمر اليوم، ولهذا السبب، حتى الآن، تغلب.
© The Independent