ملخص
خلال الأشهر الماضية نشرت تقارير صحافية تتحدث عن "صحوة" مسيحية في بريطانيا، وتظهر أن نسبة الشباب الذين تراوح أعمارهم ما بين 18 و34 سنة في إنجلترا وويلز، والذين يرتادون الكنيسة بانتظام، قد تضاعفت ثلاث مرات بين عامي 2018 و2024، ولكن هل هذه الأرقام دقيقة، وهل تستند الاستبيانات إلى عينات متجانسة في البحث؟
على نحو ربع سنوي يقيس مسح القوى العاملة في بريطانيا الهوية الدينية لأكثر من 50 ألف فرد ينتمون إلى أكثر من 20 ألف أسرة تختار عشوائياً، وفي صيف 2025 عرف 44 في المئة من البالغين أنفسهم كمسيحيين مقابل 54 مطلع عام 2018، ووفقاً للمسح ذاته فإن الانتماء إلى تلك الديانة يتراجع في جميع الفئات العمرية.
لا يقيس مسح القوى العاملة معدل الحضور إلى الكنيسة بالنسبة إلى من يعدون أنهم مسيحيون، لذلك يفضل الرجوع إلى استطلاع متجدد آخر يستخدم عينات عشوائية من السكان من أجل رصد تغير نسبة الذين يرتادون الكنيسة بين البالغين.
بعد أعوام من التراجع الذي بدا لا مفر منه في الهوية الدينية والمشاركة الدينية، أشارت بيانات استطلاعين أجرتهما مؤسسة "يوغوف" لمصلحة "المركز الوطني للبحوث الاجتماعية" إلى أن نسبة البالغين الذين يصفون أنفسهم بأنهم مسيحيون ويحضرون قداساً داخل الكنيسة مرة في الأقل شهرياً، ارتفعت من ثمانية في المئة عام 2018 إلى 12 في المئة نهاية 2024، وتشير الأرقام إلى أن الزيادة كانت ملحوظة خصوصاً، من 4 إلى 16 في المئة، بين أولئك الذين تراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة.
البيانات الصادرة عن كنيسة إنجلترا تشير أيضاً إلى ارتفاع متوسط حضور البالغين لخدمات الكنيسة أسبوعياً بنسبة 4.5 في المئة بين عامي 2022 و2023، وبنسبة 1.5 في المئة أخرى بين عامي 2023 و2024، إلا أن هذا لم يكن كافياً لعكس انخفاض إجمال في هذا المجال بلغ 19 في المئة بين عامي 2019 و2023 في أعقاب جائحة كورونا، فيما يقول تقرير جمعية "الكتاب المقدس" إن النمو الواضح الأخير في الحضور طال طائفتي الكاثوليك والبنتيكستاليين أو "الخمسينية"، وليس في الكنائس الرسمية الإنجليزية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
منذ أول استطلاع لها عام 1983، طرحت منظمة "المواقف الاجتماعية" البريطانية، بانتظام ثلاثة أسئلة على المشاركين حول الهوية والممارسات الدينية، أولاً، يطلب منهم تحديد الدين أو المذهب الذي ينتمون إليه إن وجد، وإذا أجابوا بـ"لا شيء"، يسألون عن الدين الذي تربوا عليه إن وجد، وأخيراً يسأل الذين يذكرون ديانة في إجاباتهم عن السؤال الأخير ومضمونه، بصرف النظر عن المناسبات الخاصة كحفلات الزفاف والجنازات والتعميد، كم مرة تحضر خلال الوقت الراهن خدمات أو اجتماعات مرتبطة بديانتك؟
سجلت المنظمة المعروفة اختصاراً بـ"BSA"، على مر الأعوام انخفاضاً حاداً في الانتماء الديني والممارسة المسيحية، وضمن التقرير الـ36 ارتفعت نسبة الذين قالوا إنهم لا ينتمون إلى أي دين أو طائفة من 31 في المئة عام 1983 إلى 52 في المئة عام 2018، ومع ذلك، فإن نسبة الذين قالوا إنهم يحضرون طقساً دينياً مرة واحدة أسبوعياً لم تنخفض سوى قليلاً من 13 في المئة إلى 11 في المئة وفق المقارنة ذاتها.
نحو 97 في المئة ممن قالوا إنهم يحضرون مرة واحدة في الأسبوع كانوا ينتمون للمسيحية خلال عام 1983، وتراجعت النسبة إلى 66 في المئة عام 2018. وفي انعكاس لتنوع السكان داخل بريطانيا، فإن واحداً من كل 10 أشخاص اليوم (تسعة في المئة) ينتمي إلى دين آخر غير المسيحية مقارنة باثنين في المئة فقط عام 1983، وهؤلاء أكثر مشاركة في الفعاليات الدينية بانتظام، بينما يتراجع الحضور المنتظم للكنائس المسيحية.
هناك أخبار سارة للكنائس ضمن أحدث بيانات "المواقف الاجتماعية"، إذ يبدو أن الانخفاض طويل الأمد في نسبة الذين يعدون أنفسهم مسيحيين، أو في الواقع منتمين إلى أي دين، قد توقف، وبالأحرى انعكس إلى زيادة طفيفة في نسبة الذين يدعون انتماءهم إلى الهوية المسيحية بغض النظر عن الطائفة، وساعدت هذه الزيادة في بقاء نسبة من يعدون أنفسهم مسيحيين بصورة أو بأخرى، عند 40 في المئة كما هي الحال خلال عام 2017.
في الوقت نفسه، ظلت نسبة الذين يعدون أنفسهم من أتباع ديانة أخرى غير المسيحية، أكثر من نصفهم مسلمون، ثابتة عند نحو ثمانية في المئة، بالتالي بقيت نسبة الذين يقولون إنهم لا يتبعون أية ديانة كانت مستقرة عند حدود 50 في المئة.
على ضوء الأرقام، يقول مركز البحوث الاجتماعية إنه لا يوجد سوى قليل من الأدلة على "صحوة" مسيحية في بريطانيا، على رغم أن تراجع الهوية الدينية توقف، والأديان تعافت إلى حد ما من التأثير السلبي للوباء على الحضور المنتظم لخدماتها وفعالياتها. ولكن ماذا عن تلك التقارير التي تتحدث عن نهضة مسيحية بين الشباب؟
بحسب "البحوث الاجتماعية"، لا توجد أية مؤشرات إلى انتعاش مسيحي ملحوظ بين الشباب، وحضور فعاليات الكنيسة هو الأقل بين من هم دون الـ35 سنة، أما في عموم المشهد الديني للبلاد فقد أصبحت بريطانيا أكثر تنوعاً، حيث إن واحداً من كل ثلاثة أشخاص يحضرون أسبوعياً إلى مركز ديني، وتشير ممارسة الشعائر بين "جيل زد" إلى أن الدولة باتت أكثر تنوعاً دينياً لكن لا تزال علمانية إلى حد كبير في الممارسات اليومية.
ثمة تقرير نشرته شبكة "سكاي" الإنجليزية خلال يناير (كانون الثاني) الماضي يقول إن "جيل زد" بات أكثر تديناً من هؤلاء الذين تزيد أعمارهم على 65 سنة، وكثيراً ما اعتُبروا الأكثر التزاماً بالديانة المسيحية، وعندما أجرى إدوارد ديفيد، وهو أستاذ محاضر في كلية "كينجز كوليدج" بلندن، بحثاً حول السلوكات الدينية للشباب، عزا ذلك "الإقبال الإيماني" لدى "جيل زد" إلى وسائل التواصل الاجتماعي بصورة جزئية أو كسبب رئيس ومهم.
يقول ديفيد إن الكهنة ورجال الدين يخبرون الباحثين أنهم يشهدون تدفقاً من الشباب، يطرقون أبوابهم لأنهم تعرفوا على فكرة دينية عبر وسائل التواصل، فيتعرف كثير منهم على الدين للمرة الأولى بعدما يقرأ تغريدة أو يشاهد مقطع فيديو مدته 30 ثانية، ثم يصبح متعطشاً لمعرفة مزيد في شأن تفصيل محدد أو الديانة المسيحية بصورة عامة.
وكان اعتناق بعض الشباب البريطانيين للديانة المسيحية خلال الأعوام الأخيرة موضوعاً لكتاب حظي بانتشار واسع بين أبناء "جيل زد"، نشرته باحثة شابة تدعى لامورنا آش تحت عنوان طويل "لا تنسوا أننا هنا إلى الأبد: بحث جيل جديد عن الدين"، وهو يقع في نحو 350 صفحة تتضمن لقاءات مباشرة مع أولئك المتدينين الجدد.
تقول الكاتبة إن الأجيال الجديدة ولدت خلال فترة طويلة من عدم اليقين، وتعدد وتنوع أكبر من حيث المعتقدات والخلفيات والجنس، وفي ظل عدم استقرار مالي وتدابير تقشفية ومستقبل مهدد بانهيار المناخ على سطح الكوكب. دخلت الهواتف الذكية ووسائل التواصل في طفولتهم، وأصبح العالم في متناول يدهم ولكنه مشتتٌ، فبات الشباب يتوقون إلى المجتمع المادي الحقيقي الذي تعد الكنيسة والمسجد والكنيس جزءاً منه.
لعبت الجائحة العالمية دوراً صامتاً في تحول معتقدات الذين قابلتهم الكاتبة، ويقول الكتاب إن بين مارس (آذار) 2020 ونظيره خلال عام 2021، نُزِّلت تطبيقات الصلاة المختلفة التابعة لكنيسة إنجلترا 8 ملايين مرة، بزيادة 50 في المئة على العام السابق، وخلال الوباء أيضاً ارتفعت عمليات البحث عن الصلاة عبر محرك "غوغل" بنسبة 30 في المئة، لتصل إلى أعلى الأرقام المسجلة على الإطلاق في كل قارات العالم.
ثمة أسباب كثيرة استدعاها الكتاب على لسان مَنْ التقتهم الكاتبة في شأن الالتحاق بالمسيحية، لم تتبن الكاتبة أياً منها ولم تعلن موقفاً نهائياً من قضية التدين والإيمان، ولكن في المحصلة تقول إن الأجيال الجديدة من البريطانيين بعيدون كل البعد من حركة الإلحاد التي ظهرت خلال التسعينيات، ونبذت الدين تحت ذرائع فكرية.