ملخص
يفاقم غياب فحوص "الحمض النووي" وأدوات الطب الشرعي معاناة عائلات ضحايا غزة، مع بقاء آلاف الجثث مجهولة الهوية تحت الركام أو في مقابر عشوائية. وبين الاتهامات بتدنيس القبور ومنع المعدات، تتحول مهمة العثور على الأحبة إلى جرح مفتوح بلا نهاية كريمة.
من داخل مستشفى مكتظ في قطاع غزة، كان محمود عاشور يراقب عائلات مختلفة وهي تتحلق حول جثمان أحد الضحايا.
جاء هؤلاء من أماكن مختلفة في القطاع، على أمل أن يتمكنوا من التعرف إلى شخص عزيز عليهم فقدوه في الحرب، غير أن كثيراً من الجثامين بلغ بها التحلل حداً يجعل التعرف إلى أصحابها أمراً بالغ الصعوبة، في وقت يفتقر خبراء الطب الشرعي إلى التقنيات اللازمة والأدوات التي تمكنهم من تحديد هوية الموتى.
في غضون ذلك، تفيد أرقام اطلعت عليها "اندبندنت" من إدارة الأدلة الجنائية في غزة، بأن ما لا يقل عن 1129 جثة جرى انتشالها، من دون أن تُعرف هويات أصحابها حتى الآن. ويرى خبراء أن الرقم الحقيقي مرجح أن يكون أكبر، نظراً إلى ارتفاع حصيلة الضحايا جراء الحرب الإسرائيلية. فمنذ اندلاع الصراع في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2023، قتل أكثر من 70 ألف فلسطيني في القطاع، فيما يعتقد بأن نحو 10 آلاف آخرين ما زالوا تحت الأنقاض، بحسب مسؤولين محليين.
وتقول السلطات في غزة إن الحكومة الإسرائيلية تعرقل دخول معدات الحفر اللازمة لانتشال الجثامين، وتمنع استخدام أدوات فحص "الحمض النووي" (دي أن أي) المطلوبة لتحديد هوياتهم عند العثور عليهم. ومن بين 360 جثة سُلمت إلى منظمة "الصليب الأحمر" في إطار اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة "حماس"، لم يتم التعرف إلا على 101 منها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
السيد محمود عاشور وهو من قسم الطب الشرعي في قطاع غزة، قال لـ "اندبندنت": "في بعض الحالات، تجتمع عائلات عدة للتعرف إلى الجثمان نفسه، إذ يعتقد كل منها بأنه يعود لأحد أقاربها المفقودين. وفي غالبية الأحيان نعجز عن تحديد هوية صاحب الجثة، والعائلة التي ينتمي إليها، بسبب عدم توافر قدرات متطورة تتيح التعرف إليها عبر ’الحمض النووي‘".
يُشار إلى أنه بعد أكثر من عامين من القصف اليومي، تعمل السلطات على إزالة ما يقدر بنحو 60 مليون طن من الركام. وعلى رغم إحراز تقدم في خطة السلام التي طرحها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لغزة، لا يزال القطاع مساحة قاحلة، تنتشر فيها الخيام، وتتكدس في أرجائها كتل الأسمنت التي تظهر عليها آثار الرصاص.
والنقص في المعدات يجعل عملية إزالة الركام بحد ذاتها مهمة شديدة الصعوبة. ووفقاً لما ذكرته منظمة "الصليب الأحمر"، لا توجد في القطاع سوى حفارة واحدة تعمل بكامل طاقتها.
ويقول السيد عاشور إن الحكومة الإسرائيلية تمنع دخول المعدات والأجهزة والمختبرات اللازمة لإجراء فحوص "الحمض النووي"، مما يعوّق العملية بصورة كبيرة. ودعا الحكومات الدولية والأمم المتحدة إلى تكثيف الضغط على إسرائيل للسماح بإدخال مختبرات فحص "الحمض النووي" إلى قطاع غزة.
وأضاف أن الموتى يستحقون أن يحظوا بالكرامة، وأن يكون هناك مكان لائق يدفنون فيه، إلا أن القوات الإسرائيلية قامت بطمر جثامين القتلى "باستخدام آليات عسكرية"، وعملت على "تكديس بعضها فوق بعضها الآخر من دون تحديد هويتها".
والعام الماضي، جرى انتشال أكثر من ألف جثة من الطرقات، ومن تحت المباني المدمرة في قطاع غزة، إضافة إلى الجثامين التي تسلمتها "اللجنة الدولية للصليب الأحمر".
يُشار إلى أن "اندبندنت" قامت تواصلت مع الجهات الإسرائيلية المعنية، تحديداً مع "مكتب تنسيق الأنشطة الحكومية في الأراضي الفلسطينية" (كوغات)، ومكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، للتعليق على هذه المسألة.
باتريك غريفيث المتحدث باسم "اللجنة الدولية للصليب الأحمر" في قطاع غزة، لفت إلى أن حال عدم اليقين تترك عائلات الضحايا في وضع "الخسارة غير المؤكدة"، إذ تجد نفسها عالقة بين الأمل في لقاء أحبتها من جهة، والحقيقة المؤلمة المتمثلة في أنهم قد يكونون فعلاً فارقوا الحياة.
وأوضح غريفيث أن عملية انتشال الجثامين - وفقاً لما حدث في نزاعات سابقة مثل البوسنة وأفغانستان - قد تستغرق أعواماً عدة، مما يعني أن عائلات عدة ستظل تواجه معاناة مستمرة لمدة طويلة.
وأضاف أن "مختلف الجهود التي نبذلها، سواء في مجال الطب الشرعي أو لجهة التواصل مع العائلات التي فقدت أحباءها، إنما تهدف في نهاية المطاف إلى تمكين أهالي الضحايا من الحصول على إجابات، بما يساعدهم في بلوغ مقدار من الطمأنينة والراحة النفسية".
وأردف باتريك غريفيث: "إننا نفعل ذلك كي يتمكن أهالي الضحايا من الحداد عليهم على طريقتهم، ودفن أحبائهم وفق التقاليد التي يتبعونها، وبكرامة. إلا أن الأمر الأكثر إيلاماً هو أنهم لن يتمكنوا من القيام بذلك".
ما بدا وكأنه رش للملح على الجرح والذي تسبب بالألم بصورة خاصة للمفجوعين، أنه خلال الشهر الماضي، ومع استعادة جثمان آخر رهينة إسرائيلي، أفادت منظمة "يوروميد مونيتور" EuroMed Monitor (التي تعنى بحقوق الإنسان) عن تلقيها تقارير عن عمليات استخراج للجثث واسعة النطاق، شملت مقابر كانت دُفنت فيها جثامين موتى.
وقال فلسطينيون إن جثامين أحبتهم لم يُجرَ دفنها مجدداً بالاحترام الواجب، وإن رفاتهم تناثر بصورة عشوائية عقب تلك العمليات. في المقابل، أكد الجيش الإسرائيلي أنه اتخذ جميع الإجراءات اللازمة "للحفاظ على كرامة المتوفين"، وبما يتوافق مع القانون الدولي.
وقال الجيش الإسرائيلي لـ"اندبندنت" إن "’جيش الدفاع الإسرائيلي‘ استخدم مجموعة واسعة من الوسائل التكنولوجية والجنائية لتحديد ما إذا كان الرفات الذي عُثر عليه في غزة يعود لرهائن إسرائيليين. وأي ادعاء بأن الجيش سعى عمداً إلى تدنيس المقابر أو استهدافها، يُعد تحريفاً خطيراً ومضللاً للوقائع". وأضاف أنه ينفي "أية مزاعم في شأن نقل جثامين مدنيين كانوا مدفونين في غزة".
لكن عدداً كبيراً من القتلى دفنوا من دون أن تعرف هوياتهم. ففي أكتوبر (تشرين الأول) عام 2025، تم دفن 54 فلسطينياً مجهولي الهوية - كانت سلمتهم السلطات الإسرائيلية - في التربة الرملية لمدينة دير البلح. كما أن عدداً آخر لا يحصى من الضحايا، دُفن بصورة عشوائية إما في شوارع جانبية، أو في مساحات عامة، أو في بقايا حدائق مدمرة.
وأعرب "مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة" لـ"اندبندنت" عن شعوره "بقلق بالغ إزاء التقارير" المتعلقة بالمفقودين ومجهولي الهوية، وكذلك أولئك الذين "تعرضوا للاختفاء القسري على يد السلطات الإسرائيلية".
وأضاف المكتب أن "مئات الجثث لا تزال مجهولة الهوية، بما فيها رفات يُعتقد بأنه انتشل من عدد من المقابر الجماعية في غزة، فيما لا يزال كثير منه غير مستعاد". وأوضح أن "إسرائيل تواصل منع دخول أدوات الطب الشرعي وتقنيات تحديد الهوية، بما في ذلك مجموعات فحص ’الحمض النووي‘ وغيرها من المعدات الأساسية".
وأشار المكتب الأممي إلى أن النقص في هذه التجهيزات قد يؤدي إلى "عمليات دفن غير لائقة، وإلى فقدان أدلة، ووقوع أخطاء يمكن تفاديها في تحديد الهوية، إضافة إلى إطالة أمد معاناة العائلات والأحباء".
من جهته، قال حسام زملط سفير فلسطين لدى المملكة المتحدة، إن "أكثر من ألف جثة ما زالت مجهولة الهوية في غزة لأن وسائل التعرف إليها مُنعت، في وقت تتعرض المقابر للقصف والقبور للتدنيس".
وأضاف أن "هذا التجريد من الإنسانية لا يقتصر على قطاع غزة وحسب، ففي الضفة الغربية المحتلة، تحتجز مئات الجثث الفلسطينية لأعوام، كنوع من أنواع العقاب الجماعي بحق العائلات. ومن المقابر الجماعية قرب المستشفيات إلى المفقودين تحت الأنقاض، حتى الموت يحرم من كرامته. يجب السماح فوراً بإدخال معدات الطب الشرعي وأدوات فحص ’الحمض النووي‘".
© The Independent