ملخص
ترفض إسرائيل اعتماد نسر صلاح الدين رمزاً للجنة إدارة غزة لأنه يشبه شعار السلطة الفلسطينية، لكن وراء ذلك خطوة لنزع القطاع عن قضيته الوطنية.
عندما عرض مساعدو رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عليه صورة الشعار الجديد الذي نشرته اللجنة الوطنية لإدارة غزة، ثار غضباً وصرخ "لقد تعرضنا لتضليل، السلطة الفلسطينية لن تحكم غزة"، وهذا الاعتراض كشف عن خفايا كثيرة تحاول تل أبيب تثبيتها.
الشعار الأول… العنقاء من دون دلالات سياسية
حين أُنشئت لجنة إدارة غزة واعتمدت شعارها، اختارت طائر العنقاء رمزاً مركزياً لها وهو يخرج من وسط الركام والرماد، مرسوماً بألوان العلم الفلسطيني (الأحمر والأبيض والأسود والأخضر)، فضلاً عن معالم معمارية تاريخية ودينية موجودة في القطاع، على هيئة رسومات المسجد العمري الكبير وكنيسة القديس بروفيريوس.
وتضمن الشعار الأول عبارة "اللجنة الوطنية لإدارة غزة" باللغتين العربية والإنجليزية، مما جعله في البداية مقبولاً لدى المجتمع الدولي كجسم تكنوقراطي محايد لخلوه من أية مسميات سياسية، لكنه أثار جدلاً بين الغزيين، إذ اعترضوا على غياب عبارة "دولة فلسطين" أو أي تلميح يربط المدينة المدمرة وإدارتها الجديدة بالقضية الفلسطينية.
وبحسب المعلومات المتوافرة، فإن شعار لجنة إدارة غزة الأول عرض على إسرائيل والولايات المتحدة وجرى اعتماده، ويؤكد نتنياهو ذلك قائلاً إن "الهوية البصرية عرضت على السلطات في تل أبيب وتمت الموافقة عليها".
الشعار الثاني… نسخة معدلة من رمز السلطة الفلسطينية
لكن بعد أسابيع من انطلاق إدارة غزة الجديدة، عملت الأخيرة على تحديث هويتها البصرية، واستبدلت رمزها (طائر العنقاء)، واستخدمت شعار السلطة الفلسطينية الذي يظهر فيه "نسر صلاح الدين" بلون ذهبي ينظر إلى يمينه وعلى صدره العلم الفلسطيني.
ويُعد الشعار الجديد للجنة إدارة غزة نسخة مشابهة تماماً لشعار السلطة الفلسطينية، ولكن الاختلاف الوحيد بينهما هو أن الدرع أسفل النسر يحمل اختصار اسم اللجنة NCAG، بدلاً من كلمة فلسطين.
واعتمدت لجنة إدارة غزة النسر الذهبي شعاراً جديداً لها، وحدثت صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي به، وبدأت باستخدامه ضمن هويتها البصرية الجديدة، ولقي ذلك الإجراء استحساناً بين الفلسطينيين، إذ يربط القطاع المدمر بالقضية الفلسطينية.
احتجاج الحكومة الإسرائيلية
إلا أن الهوية البصرية الجديدة أغضبت نتنياهو واحتجت الحكومة الإسرائيلية رسمياً على هذا التغيير، وثارت المعارضة في تل أبيب، وكل ذلك فقط لمجرد تشابه شعار لجنة إدارة غزة، مع الرمز الذي تستخدمه السلطة الفلسطينية في معاملاتها.
ويقول نتنياهو بغضب، "الرمز الجديد، ليس الشعار نفسه الذي عرض على الجانب الإسرائيلي وتمت الموافقة عليه، إن تغيير شعار طائر الفينيق واستبداله برمز النسر تضليل يربط اللجنة بالسلطة، تل أبيب لن تقبل استخدام رمز السلطة الفلسطينية، ولن تكون السلطة الفلسطينية شريكة أبداً في حكم غزة وإدارتها".
وحملت الحكومة الإسرائيلية الهوية البصرية الجديدة للجنة إدارة غزة التي تأتي على هيئة نسر صلاح الدين، وعرضته على عضو "مجلس السلام" ستيف ويتكوف واحتجت أمامه على هذا التغيير، وأبلغه نتنياهو بأن "تل أبيب ترفض استخدام شعار السلطة الفلسطينية في القطاع من قبل التكنوقراط".
التكنوقراط: نختبر هويات بصرية
في موازاة ذلك أثار الشعار الجديد للتكنوقراط ضجة كبيرة، إذ لقي اعتراضات إسرائيلية من جهة، واستحساناً فلسطينياً من جهة أخرى، بينما المجتمع الدولي يختبر ويراقب إلى أي مدى ستصل الأمور بين الطرفين ليقيس الدور الذي يمكن منحه في ما بعد للسلطة الفلسطينية.
ووسط هذه الضجة، اضطرت اللجنة الوطنية لإدارة غزة إلى تبرير لجوئها لشعار النسر الفلسطيني، فقال رئيسها علي شعث إن "هذا التعديل ليس التصميم النهائي... نعمل على اختبار عدد من التصورات البصرية لهويتنا المؤسسية الوطنية"، ويضيف أن "الهوية الرسمية المعتمدة ستُطلق مع تدشين الموقع الإلكتروني للجنة، نتسلم هويات بصرية باستمرار، وتتطور التصاميم ولكن اعتماد الشكل النهائي في شأنها يعود للجنة الوطنية لإدارة غزة فقط".
الاعتراض والتبرير يثيران تساؤلات
مع اعتراض إسرائيل وتبرير لجنة إدارة غزة بأن نسر صلاح الدين ليس شعارها النهائي وربما تغيره قريباً، إلا أنها لم تعدل صفحاتها على مواقع التواصل الاجتماعي.
ويؤكد التدخل الإسرائيلي أن التكنوقراط سيواجهون عراقيل وتحديات في عملهم، ويثير تساؤلات أبرزها من هي المرجعية الحقيقية للجنة إدارة غزة، وهل تستطيع اتخاذ قرارات بمفردها، وإلى أي مدى ستبقى غزة متصلة بالقضية الفلسطينية، وهل للسلطة الفلسطينية أي دور في القطاع المدمر؟
يرى المراقبون السياسيون في إسرائيل أن تغيير لجنة إدارة غزة شعارها لنسر صلاح الدين يُعد محاولة من التكنوقراط لربط أنفسهم بالسلطة الفلسطينية، على رغم الجهود الإسرائيلية لفصل الهيئتين تماماً، وأن هذا التصرف يحتاج إلى وقفة من البداية حتى تسير الأمور كما تريد تل أبيب في ما بعد.
إلى أية مرجعية تتبع لجنة إدارة غزة؟
بالأساس تُعد لجنة إدارة غزة مقترحاً مصرياً، وافقت عليه حركة "حماس" وأبدت السلطة تأييداً محدوداً وتحفظاً كبيراً عليه. ولتصبح جسماً إدارياً لغزة، خولتها الأمم المتحدة تنفيذ العمليات اليومية للخدمة المدنية والإدارة في القطاع عقب الحرب الإسرائيلية بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2803.
ولم تعلن السلطة الفلسطينية ولا "حماس" تشكيل لجنة إدارة غزة، وإنما أعلنتها الولايات المتحدة، وعلى رغم ذلك فهي لا تتبع إدارياً ولا فنياً للرئيس الأميركي بصفته رئيساً للولايات المتحدة، وإنما هي أحد أجسام "مجلس السلام".
إذاً المرجعية الرسمية للجنة إدارة غزة هي "مجلس السلام" وتنسق أعمالها مع الممثل السامي للقطاع نيكولاي ملادينوف، إلا أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أعلن أنها هيئة انتقالية إلى حين استكمال السلطة الفلسطينية الإصلاحات المطلوبة منها.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتراوغ لجنة إدارة غزة بأساس مرجعيتها، ويفضل علي شعث الترويج أنه يتبع إلى "منظمة التحرير"، ويقول "نعمل بكل جهد وإصرار بالتعاون مع السلطة الوطنية الفلسطينية، اللجنة حلقة وصل وليست بديلاً، أعضاؤها ملتزمون البرنامج الوطني، ويعملون تحت مظلة ’منظمة التحرير‘". ويضيف "نتبنى السلام ونسعى من خلاله إلى تأمين الطريق نحو الحقوق الفلسطينية الحقيقية وتقرير المصير. وصُممت لجنة إدارة غزة لتولي المسؤوليات المدنية في القطاع إلى حين استكمال السلطة الفلسطينية لبرنامج الإصلاح الذي تطلبه أطراف دولية، مما يجعلها جسراً لعودة السلطة وليست بديلاً دائماً عنها".
السلطة الفلسطينية غير مقنعة
وفي وقت تبدي لجنة غزة تبعيتها لـ"منظمة التحرير" وتقديمها بادرة حسن نية حول ذلك عندما استنسخت شعار السلطة الفلسطينية واعتمدته هوية بصرية لها، إلا أن المسؤولين في الضفة الغربية ينفون أن هناك أية علاقة من الأساس بين الكيانين.
ويقول عضو اللجنة التنفيذية لـ"منظمة التحرير" بسام الصالحي، "لا يوجد تواصل سياسي مباشر مع لجنة التكنوقراط التي نشأت ضمن سياق إقليمي ودولي مرتبط بـ’مجلس السلام‘ وخطة ترمب، لكن هناك غياباً في التنسيق مع السلطة الفلسطينية، مما يخدم محاولات إسرائيل لفصل قطاع غزة عن الضفة الغربية".
ويضيف أن "لجنة إدارة غزة فلسطينية من ناحية التكوين، إلا أن هناك مخاوف حقيقية من أن تُوظف في سياق فصل القطاع عن الضفة. هذه اللجنة التي تأتي ضمن هيكل ’مجلس السلام‘، ليست جزءاً من الحكومة الفلسطينية أو مؤسسات السلطة الوطنية، ولا توجد صيغة تواصل معها".
الوضع الحالي لا يعجب إسرائيل
في الواقع، هناك دور حقيقي للسلطة الفلسطينية في غزة، إذ أصبح لها ممثلون ضمن الآلية التشغيلية في معبر رفح، ولا تنأى لجنة التكنوقراط بنفسها عن السلطة، على رغم أن دورها لم يُحسم في القطاع بعد الحرب. وهذا الوجود ومن ثم اعتماد لجنة إدارة غزة شعار النسر الفلسطيني لم يعجبا إسرائيل التي تصر على أن ليس للسلطة أي دور في هذه اللجنة أو في حكم قطاع غزة، وتصر أيضاً على أن اللجنة يجب أن تكون مستقلة تماماً عن رام الله.
وتقول الباحثة هند حلس "تريد إسرائيل تهميش أي دور للسلطة الفلسطينية في غزة، مما يجعل لجنة التكنوقراط في موقف محرج، فإما أن تفقد غطاءها الوطني أو تفقد قدرتها على التنسيق الميداني مع الجانب الإسرائيلي لإدخال المساعدات وإعادة الإعمار". وتضيف أن "إسرائيل تحاول جعل لجنة غزة بديلاً حكومياً عن حركتي 'حماس' و'فتح' ويعني ذلك هندسة دولية جديدة لمستقبل غزة ويعمق حال التآكل التدريجي لمكانة السلطة ودورها السياسي، والأبشع من ذلك أن رفض شعار النسر الذهبي للجنة التكنوقراط يعني وجود مخططات لدى تل أبيب لنزع الوطنية الفلسطينية عن غزة، وتحويلها إلى مكان دولي وسوق حرة من دون قومية وطنية".