ملخص
تستعد الجزائر لانتخابات نيابية في ربيع 2026 ضمن روزنامة دستورية ضاغطة، تتقاطع مع إصلاحات قانونية ودستورية لم تُستكمل بعد، ما يفرض تنسيقاً مكثفاً لتفادي أي فراغ أو ارتباك. ويبقى نجاح الاستحقاق مرهوناً بالتوفيق بين احترام الآجال القانونية وإنجاز الإصلاحات، وتحقيق حد أدنى من التوافق السياسي يعزز الثقة في العملية الانتخابية.
تواجه السلطات الجزائرية جملة من التحديات السياسية والقانونية والتنظيمية في سياق التحضير للانتخابات النيابية المقبلة المرتقبة قبل نهاية ربيع عام 2026، في ظل أجندة زمنية ضاغطة يفرضها الدستور وقانون الانتخابات. فالعهدة الحالية للمجلس الشعبي الوطني التي انطلقت في يوليو (تموز) 2021 تقترب من نهايتها، مما يضع المؤسسات الرسمية أمام ضرورة احترام الآجال القانونية، وعلى رأسها استدعاء الهيئة الناخبة قبل 90 يوماً في الأقل من موعد الاقتراع، مما يجعل ربيع 2026 محطة مفصلية في المسار الانتخابي.
ويترافق هذا الضغط الزمني مع ورشات إصلاح قانوني ودستوري لم تستكمل بعد، بخاصة ما يتعلق بتعديل بعض النصوص المنظمة للعملية الانتخابية وقوانين الأحزاب والهيئات المحلية. وينظر إلى هذا التأخر النسبي على أنه عامل إضافي يعقد التحضير، إذ يتطلب من الحكومة والبرلمان والسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات تنسيقاً عالي المستوى لتفادي أي ارتباك إداري أو فراغ قانوني قد يؤثر في صدقية الاستحقاق المقبل.
وبحسب المادة 191 من القانون الانتخابي الساري المفعول، تجرى الانتخابات النيابية في غضون الأشهر الثلاثة التي تسبق انقضاء العهدة النيابية الجارية بين الثامن من مارس (آذار) والثامن من يوليو المقبلين، على اعتبار أن العهدة الحالية بدأت في الثامن من يوليو 2021، غير أنه يتعين استدعاء الهيئة الناخبة من قبل الرئيس الجزائري قبل 90 يوماً من موعد إجراء الانتخابات وفقاً للدستور، أي قبل تاريخ الثامن من أبريل (نيسان) المقبل كحد أقصى.
ولمواجهة هذه الإكراهات، تعتمد السلطات الجزائرية على آليات قانونية وتنظيمية استثنائية، من بينها تسريع وتيرة مناقشة مشاريع القوانين ذات الصلة بالانتخابات داخل البرلمان واللجوء إلى دورات تشريعية مكثفة، فضلاً عن تنظيم لقاءات تشاورية مع الأحزاب السياسية وممثلي المجتمع المدني، ويجري العمل أيضاً على تحيين الجوانب التقنية للعملية الانتخابية، بما في ذلك مراجعة القوائم الانتخابية وضبط الأطر التنظيمية للتصويت وتحديد الصلاحيات العملية بين مختلف الهيئات المشرفة على الاقتراع.
عنصر مؤثر
في هذا السياق، يبرز مشروع التعديل الدستوري الذي اقترحته الرئاسة في الـ24 من يناير (كانون الثاني) الماضي على القوى والأحزاب خلال ندوة سياسية، بوصفه عنصراً مؤثراً في الجدول الزمني للانتخابات النيابية. فالمشروع الذي يوصف رسمياً بأنه "تقني"، يتضمن تعديلات تمس تنظيم العملية الانتخابية، بخاصة من ناحية إعادة ضبط العلاقة بين السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات ووزارة الداخلية في الجوانب التنظيمية والمادية، وتمرير هذا التعديل في وقت قصير قد يسهم في توضيح الأدوار وتسريع التحضيرات، لكنه في المقابل يضيف مرحلة دستورية جديدة تستهلك ربما جزءاً من الوقت المتاح قبل استدعاء الهيئة الناخبة.
ويقترح التعديل الدستوري مراجعة المادة 202 بصورة رئيسة لإعادة توزيع المهمات بين السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات ووزارة الداخلية، فتتولى الوزارة التحضير المادي والتنظيم والتسيير اليومي للعمليات الانتخابية، وتقتصر السلطة على الرقابة والإشراف.
ويشمل التعديل أيضاً اشتراط شهادة جامعية للترشح لرئاسة الجمهورية ونقل مراسم أداء اليمين الدستورية من المحكمة الدستورية إلى البرلمان ومنح رئيس الجمهورية صلاحية إجراء انتخابات محلية مسبقة وتمديد عهدة رئيس مجلس الأمة المنتخب إلى ستة أعوام قابلة للتجديد بدلاً من ثلاثة.
ومن بين التحديات أيضاً، التقسيم الإقليمي الجديد للبلاد الذي أصبح يشمل 69 ولاية تضم 1541 بلدية، بعد أن كان عدد الولايات سابقاً 48 وانتقل إلى 58، إذ بررت وزارة الداخلية رفع عدد الولايات بجملة من الاعتبارات من بينها "الحاجة الملحة إلى تكريس اللامركزية وتقريب مركز اتخاذ القرار"، فضلاً عن "الإمكانات الاقتصادية والامتداد الجغرافي والكثافة السكانية لبعض المقاطعات".
وقامت السلطات بتحضير جميع النصوص التطبيقية المنظمة لتسيير هذه الولايات الجديدة، ولا سيما منها تلك المتعلقة بتحديد الدوائر الانتخابية وأسماء الولايات ومقارها وكذا تكوين البلديات ومشتملاتها وحدودها الإقليمية، تحسباً للاستحقاقات المقبلة.
وتنعكس هذه التعديلات المقترحة على النقاش السياسي داخل البرلمان وخارجه، حيث تبدي بعض الأحزاب تحفظات على توقيت الإصلاحات، معتبرة أن إدخال تعديلات دستورية وقانونية قبيل الانتخابات قد يربك المشهد السياسي ويحد من فرص التوافق الواسع. في المقابل، ترى أطراف أخرى أن هذه التعديلات ضرورية لتحسين الإطار القانوني وضمان تنظيم أكثر فاعلية للاستحقاقات المقبلة، شرط أن تتم في إطار حوار شفاف وشامل.
معادلة دقيقة
أما على المستوى القانوني، فتتمثل أبرز التحديات في ضرورة ضمان انسجام التعديلات المقترحة مع أحكام الدستور القائم، واحترام المسار الدستوري الكامل الذي يفرض مصادقة البرلمان، وربما رقابة المحكمة الدستورية، قبل دخول النصوص حيز التنفيذ. ويجمع متخصصون في القانون الدستوري على أن أي تأخير في هذا المسار قد ينعكس مباشرة على روزنامة الانتخابات، بخاصة إذا تداخلت المواعيد التشريعية مع الآجال الانتخابية الملزمة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتشير التوقعات إلى توجه لتنظيم الانتخابات النيابية قبل نهاية مايو (أيار) 2026 تحديداً، لتجنب التداخل مع فترة امتحانات شهادة البكالوريا والتعليم المتوسط التي عادة ما تبدأ في الأسبوع الأول من يونيو (حزيران)، غالباً بين 4-10 يونيو بحسب التقويم الرسمي المتوقع لدورة 2026. وخلال هذه الفترة، ينشغل المجتمع والإدارة والأسر بشدة في الامتحانات، مما يجعل إجراء حملة انتخابية نشطة أو يوم الاقتراع نفسه صعباً عملياً (مشكلات لوجستية ونقص في الأطر الإدارية وانشغال الناخبين والشباب بخاصة). بالتالي فإن اختيار موعد في مايو (أو أواخره) يتيح إنهاء الحملة والاقتراع قبل بدء "موسم الامتحانات"، وهو أمر يتكرر في التخطيط الانتخابي الجزائري لتفادي انخفاض المشاركة أو تعطيل العملية.
وتبدو السلطات الجزائرية أمام معادلة دقيقة تجمع بين الالتزام الصارم بالآجال الدستورية للانتخابات النيابية، ومواصلة مسار الإصلاحات السياسية والقانونية التي ترى فيها مدخلاً لتحسين الأداء الانتخابي.
ويبقى نجاح هذا المسار مرتبطاً بمدى قدرة الفاعلين السياسيين والمؤسسات الدستورية على تحقيق حد أدنى من التوافق، يضمن إجراء الانتخابات في موعدها وفي مناخ سياسي وقانوني يحد من الجدل ويعزز الثقة بالعملية الانتخابية برمتها.
روزنامة مضغوطة
يقول المحلل السياسي عبدالحكيم بوغرارة إن الروزنامة السياسية المقبلة في الجزائر ستكون مضغوطة بالنظر إلى توالي الأحداث والتظاهرات والامتحانات المدرسية، وكذا حلول شهر رمضان والأعياد الوطنية والدينية التي ستؤثر في المسار السياسي.
وأوضح بوغرارة لـ"اندبندنت عربية" أن وجود مؤسسات كالمحكمة الدستورية والبرلمان والأحزاب السياسية يسهم في تسطير أجندة مضبوطة للوصول إلى إجراء الانتخابات، وفقاً للتعديلات التشريعية التي تمس قانون الانتخابات والأحزاب وحتى السلطة المستقلة لمراقبة الانتخابات.
وأضاف أن الأمور تتميز بمرونة كبيرة، وليست فيها إجراءات عميقة أو جوهرية بقدر ما فيها من إحداث تكامل بين وزارة الداخلية والسلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، من خلال التفاهم على تقاسم الأدوار بين اللوجستي المادي وما هو رقابي ودراسة وقبول الملفات الفصل فيها مع وجود القضاء.
وذكر أن الضغط سيكون كبيراً بالنسبة إلى مؤسسات الدولة في تسيير الشأن الانتخابي، إلا أن وجود دستور بتعديلات وإصلاحات مهمة، وكذا جودة القوانين والإصلاحات سيدفعان المسار الانتخابي والتنافس الحزبي وضمان تكافؤ الفرص.
وتابع "المؤكد أن العمل سيكون مكثفاً لإجراء الانتخابات في وقتها المحدد التزاماً بالآجال القانونية المتفق عليها، مما سيكشف عن مدى جاهزية الأحزاب السياسية بعد مناقشة القانون ومدى قدرتها على التكيف مع التعديلات القانونية الجديدة قبل دخول معترك الانتخابات النيابية".