ملخص
قدم مهرجان كليرمون فيران السينمائي خلال الفترة من الـ30 من ديسمبر (كانون الثاني) 2025 إلى السابع من فبراير (شباط) 2026، وكما في كل دورة منذ تأسيسه، بانوراما واسعة وشبه شاملة لفن الفيلم القصير. ضمت دورته الـ48 ما يقارب 500 فيلم من مختلف أصقاع الأرض، إلى حد يجعل الاطلاع حتى على ربع العدد المتوافر مهمة شبه مستحيلة.
لا تكاد تغيب بقعة جغرافية عن خريطة هذا المهرجان الفرنسي، فالعديد من البلدان يحضر بعمل واحد في الأقل ضمن أقسام هذه التظاهرة الفرنسية التي تعد الأكبر عالمياً على مستوى الأفلام القصيرة.
هذا التنوع الجغرافي ليس وليد الصدفة، بل خيار واع يحرص عليه المهرجان، على رغم أن انطلاقته في أواخر سبعينيات القرن الماضي كانت متواضعة ومحصورة في طموحات محلية ضيقة. أما اليوم، فقد بات كليرمون فيران يتمتع بصيت دولي، وشبكة واسعة من العلاقات العابرة للحدود، إلى جانب سوق للأفلام تعد الأضخم من نوعها في هذا المجال. ولعل الأهم من كل ذلك هو القاعدة الجماهيرية العريضة التي تتابع بشغف ما يعرض على الشاشات. فعلى امتداد تسعة أيام، تمتلئ الصالات عن آخرها صباحاً وظهراً ومساءً، فيما تبلغ الحماسة ذروتها خلال عطلة نهاية الأسبوع فتشهد العروض تدافعاً يؤكد المكانة الخاصة التي يحتلها المهرجان في وجدان جمهور المدينة.
ضمت المسابقة الرسمية هذا العام 64 فيلماً من 50 بلداً، في تشكيلة اعتبرها المبرمجون أنها "ترضي جميع الأذواق". شاهدنا كوميديا وتشويقاً ورومانسية ونزاعات سياسة وعلم نفس وترفيه، علماً أن بعض الأفلام استطاع الجمع بين هذه الأنواع كلها داخل العمل الواحد ضمن معادلة صعبة. وتوزعت الأفلام المتنافسة على جوائز المهرجان، بحسب توصيف الإدارة، "بين الفضاءات المفتوحة والمواجهات الحميمية، وبين البدايات الواعدة والنهايات الصعبة، وبين الضحكات غير المتوقعة والدمعة التي تلمع في زاوية العين".
قضية الهرب
وكما في كل دورة، تتكشف بعد المشاهدة خطوط عريضة وملامح مشتركة تطفو إلى السطح. هذا العام، برزت بوضوح تيمة الهرب والرغبة في النظر أبعد، وأيضاً القدرة على كسر الإطار والخروج عنه. ضمن أفلام أخرى تتحول الطبيعة إلى فضاء تجارب، تتيح للمشاهد خوض مغامرات غير متوقعة وإعادة اكتشاف الذات على عتبة بداية جديدة. ثم هناك الحلم بما يوجد في الجهة الأخرى، في مقابل شخصيات تظل عالقة في مكانها، محاصرة في رتابة الحياة اليومية.
هذه بعض الثيمات التي طرحتها المسابقة الرسمية، والمفترض أن تحمل خلاصة ما أنجز في مجال الفيلم القصير خلال العام. غير أن المسافة تبقى واسعة بين الطموح النظري والواقع على الشاشة. فخلال الأعوام الأخيرة، ما عادت سوى حفنة من الأفلام قادرة على التميز والخروج عن المألوف، فيما يذوب العدد الأكبر في تسلسل العروض ويذهب أدراج الرياح.
عن التحولات التي طرأت منذ الدورة الماضية، وانعكاس ما يشهده العالم من صراعات سياسية وحروب وصعود للتعصب، يقول المفوض العام والمسؤول عن المسابقة الرسمية تيم ردفورد، إن العالم عرف خلال الآونة الأخيرة اضطرابات عميقة تركت أثرها المباشر على عدد ونوعية الأفلام التي تلقاها المهرجان: "تمر بعض المناطق بظروف بالغة الصعوبة، مع نزاعات مسلحة في أوكرانيا وروسيا وفلسطين… ومن الطبيعي أن نتلقى عدداً أقل بكثير من الأفلام القادمة من هذه الجهات. وشهدت بلدان أخرى تضخماً حاداً مثل الأرجنتين وعدد من دول أميركا اللاتينية، مما انعكس على كلف الإنتاج السينمائي وأدى بالتالي إلى تراجع عدد الأفلام الواردة منها".
في المقابل، يشير ردفورد إلى مناطق أخرى تشهد ديناميكية معاكسة، "مثل الصين، حيث يتزايد عدد مدارس السينما بصورة ملحوظة، وتلقينا منها كماً كبيراً من الأفلام". ويختم بالقول: "المناخ العام اليوم بالغ التعقيد، ونحن نلمس تأثيره بصورة فورية في إنتاج الأفلام القصيرة حول العالم".
يرى تيم ردفورد أن لا قطيعة جذرية توجد على مستوى الشكل أو الجماليات هذا العام مقارنة بالدورات السابقة، إلا أنه لاحظ منذ أعوام عدة تزايد الأفلام التي تلعب على الأنواع السينمائية أو تخلط بين الخيال والوثائقي. لكن ما لفت انتباهه هذا العام هو تأثير التقنيات الجديدة، وعلى رأسها كما في كل المجالات الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يحدث تحولات واضحة في الإبداع السينمائي وفي طرق صناعة الأفلام، من الكتابة إلى المونتاج مروراً بالصورة، وهو ما يفتح بلا شك تساؤلات جديدة حول مستقبل الفيلم القصير.
وفتح المهرجان نافذة على القارة السمراء من خلال فقرة "نظرات من أفريقيا"، التي تصل هذا العام إلى دورتها الـ36، وتضم 10 أفلام تقدم تنوعاً كبيراً في المواضيع المطروحة. في هذا الصدد، يقول ردفورد: "السينما الأفريقية تشهد تطوراً متسارعاً، وهناك تنوع هائل. ومن الصعب الحديث عن ’سينما أفريقية‘ بصيغة المفرد، فالقارة تضم أكثر من 50 بلداً، مع ثقافات ولغات متعددة. هذه الأفلام متجذرة بقوة في الواقع المحلي، لكنها خلال الوقت نفسه تتناول قضايا ذات طابع كوني. ونلاحظ تنوعاً كبيراً في الأشكال والأصوات والمقاربات المعاصرة، فضلاً عن استخدام متزايد لوسائل التواصل الاجتماعي وأساليب سردية وتجريبية جديدة".
من بين نحو 10 أفلام أفريقية قصيرة مختارة، برز "بومرانغ نووي" للمخرج الجزائري رشيد بوشارب. يعود بنا الفيلم إلى عام 1960، حين فجرت فرنسا أول قنبلة ذرية لها داخل منطقة رقان الجزائرية في قلب الصحراء الكبرى، مما غير إلى الأبد طبيعة الأرض وحياة السكان، إلى درجة أن آثار ذلك الانفجار لا تزال ملموسة على الناس والحيوانات حتى اليوم. في انتظار تحويله إلى فيلم طويل، قدم بوشارب هذه القصة في صورة وثائقية مدتها 22 دقيقة، عائداً بذلك إلى الفيلم القصير بعد مسيرة طويلة من الإنتاجات الروائية التي عرضت ضمن أكبر المهرجانات العالمية. ويؤكد هذا العمل بوضوح أهمية هذا الفورما السينمائي الذي يرفع شعار "ما قل ودل"، مبرهناً قدرة الفيلم القصير على ترك أثر على رغم مدته وانتشاره المحدود.