Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

يوسف شاهين في مئويته... سينما على يسار السلطة

من "ابن النيل" إلى "هيّ فوضى؟" انتقد المخرج المصري العصر الملكي وقدم محاكمة عنيفة لدولة يوليو على رغم تنبيه المشروع الناصري، والجمهور يربط بين فيلمه الأخير وثورة يناير

كان الخطاب السياسي حاضراً بقوة في أفلام يوسف شاهين طوال مسيرته الفنية الطويلة (أ ف ب)

ملخص

لا شك أن يوسف شاهين، الذي تحتفل مصر بمئويته هذا العام، كان من المخرجين الأكثر تمرداً على الخطوط الرقابية والسياسية، إذ اصطدمت أفلامه بعقبات كثيرة بسبب إصراره على رفع سقف التناول، فقد كان صوته السينمائي حاضراً بقوة في الخطوط السياسية الجريئة التي تناولت الفساد والحريات وأنظمة الحكم، وانتقد بشكل مباشر وغير مباشر أنظمة الحكم في مصر بدءاً من الملكية وحتى عصر مبارك، إذ يعتبر كثيرون فيلمه الأخير ’هي فوضى؟‘ بمثابة إرهاصة سينمائية للانفجار الشعبي الذي حدث في ثورة يناير 2011 التي توفي شاهين قبل أن يشهدها

مشهد لا تتجاوز مدته الـ60 ثانية يظهر فيه نور الشريف متحدثاً عن السياسة الأميركية التي أغرقت العالم في حروب وصراعات بدلاً من أن تهديه حضارتها المزعومة، ومفنداً طريقة الإدارة الأميركية المعتمدة في الدفاع عن مصالحها على حساب الغير، واعتبار الضحايا خسائر هامشية لا تستحق التوقف. الحوار يبدو صالحاً مدخلاً لنقاش حول ما يحدث في عالم اليوم، بينما الفيلم القصير كتبه وأخرجه يوسف شاهين قبل نحو ربع قرن، محاولاً من خلاله أن يفهم لماذا وقعت أحداث الـ11 من سبتمبر (أيلول) 2001.

التاريخ الذي اتخذ الفيلم منه عنوانه، بينما يبدو الخطاب استكمالاً لسلسلة محاولات يوسف شاهين لتحليل ما يجري بكل طرق التعبير الفنية التي يمتلكها، وبينها فكرة الحلم الأميركي نفسه الذي اعتبره مزيفاً، وذلك في أعمال عددية قدمها قبل عقود، إذ الهم السياسي حاضر بقوة في غالبية أعماله، فقد كان يهرب في بعض الأوقات من اللغة السينمائية المواربة، ويمنح نفسه قسطاً من المباشرة في عدة تجارب توثيقية وتسجيلية وقصيرة، بينها هذا الفيلم الذي يتبنى خطاباً يتردد اليوم بقوة عبر منصات كثيرة ويطرح تساؤلات استنكارية كثيراً ما شغلت المخرج، الذي تحتفل مصر بمئويته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يوسف شاهين (يناير "كانون الثاني" 1926 – يوليو "تموز" 2008)، الذي قدم أفلاماً تسجيلية وتوثيقية حول ناس القاهرة والسد العالي وحرب أكتوبر، كان يحب أن يقول عن نفسه إنه ابن ثورة يوليو، كان غزير الموهبة وكذلك الإنتاج، امتدت تجربته على مدى ستة عقود، قدّم فيها أكثر من 45 عملاً، عبر فيها عن همومه وهواجسه وفلسفته ومكنونات نفسه ونظرته إلى المجتمع والعالم، وقلقه الصاخب على أبطاله المتمردين النبلاء الذين يحاولون الهرب من المصير المظلم الذي يحاصر أمنياتهم بالخلاص وبمحاربة فساد الروح وفساد الواقع الاقتصادي والسياسي.

تجارب يوسف شاهين كانت في مجملها قصصاً اجتماعية تستعرض العلاقات الإنسانية المتشابكة التي تعبر عن نفسها، فتدخل في صراعات مع نماذج متغيرة من المتحكّمين الذين يرمزون بشكل أو بآخر لنوعيات من السلطة، ولهذا فحتى الأفلام التي تصنف شعبياً باختزال مخل على الأغلب بأنها تدور حول قصة حب بين شخصين، تتماس مع هموم أكبر بكثير، وتواجه مصاعب على مستويات معقدة تقدمها مؤسسات أخرى، لكنها تلقي بظلالها الكثيفة على تلك الحكايات وتدمرها في الغالب.

فوضى المشاعر والسياسة

من المعاناة والظلم اللذين يطالان الكادحين مع فيضان النيل، مروراً بفساد نواب الشعب في المجلس، وتداعيات النكسة الثقيلة، ورفض سياسة الصوت الواحد، وانتقاد وهم الحلم الأميركي، والتحذير من توغل الجماعات الدينية المتطرفة، وصولاً إلى صرخات صدّ الفساد السياسي والأمني الذي يهدم بنية المجتمع، وحتى الفيلم الذي قدمه للسيدة فيروز منتصف الستينيات "بياع الخواتم"، كان يحمل نقداً صارخاً لفكرة استغلال السلطة وترهيب الجماهير، تدرج يوسف شاهين في تضمين أفلامه مكنونات نفسه، كرجل عاش الحلم الناصري ببريقه وصداميته، وعاصر العصر الملكي طفلاً ومراهقاً وشاباً في مقتبل العمر، كذلك رافق عصري السادات ومبارك وتوفي قبل ثلاثة أعوام من ثورة يناير 2011.

تلك الثورة التي يحلو لكثيرين أن يستدعوا مشهد اقتحام قسم الشرطة بفيلمه "هي فوضى؟" دلالة على تنبؤ الفيلم بهذا الحراك. "هي فوضى؟" الذي أسهم في إخراجه خالد يوسف وكتبه ناصر عبدالرحمن، وثيقة سينمائية حذّرت من انفجار الأوضاع بعدما أصبح الفساد خانقاً على مستويات عدة، بخاصة في الملف الأمني، إذ تعتبر شخصية حاتم أمين الشرطي الذي يستغل منصبه في إرهاب من حوله ويتحوّل إلى طاغية محورية في الأحداث.

 

لكن من جهته يرى الكاتب ناصر عبدالرحمن أن فيلمه لا يصنف على أنه "عمل سياسي، إنما تراجيديا اجتماعية". لافتاً إلى أن هذا النوع من الدراما السينمائية هو المصدر الأول لكل شيء يحدث في المجتمع مهما كان تصنيفه، ويتابع عبدالرحمن: "الفيلم به أكثر من خمس قصص حب تحمل كثيراً من التحديات، ليتساءل المشاهد عن مستقبل هذه العلاقات في هذا المناخ، وهل سيؤدي الأمر إلى فوضى أم لا؟ هل اختلاف المشاعر يسبب الفوضى؟ هل الرفض العاطفي يؤدي إلى عنف وقسوة؟".

الفيلم الذي ودع به يوسف شاهين جمهوره، اعتبره بعض المتابعين غير متوقع، ولا يدور في عالم شاهين المعتاد، بينما بات اليوم وثيقة إبداعية مهمة تُستعار في ظروف اجتماعية ووطنية كثيرة، هنا يعلق ناصر عبدالرحمن الذي قدم عدداً كبيراً من الأفلام ذات الشعبية الكبيرة، التي أثارت جدلاً وحملت حساً استشرافياً مثل "حين ميسرة" و"الغابة" و"دكان شحاتة"، مشيراً إلى أن يوسف شاهين حينما قرأ النص قال له إن هذا الفيلم "لا يشبهه، لكنه ثمّن التجربة كما هي، واحتفى بالشخصيات الحقيقية التي خرجت من الواقع".

ويضيف الكاتب، الذي صدرت له مؤلفات عدة بينها "في الشخصية المصرية ـ صمت الياسمين ـ حبك كفارة ـ الولد سر أبيه": "البطل الرئيس في الفيلم، كانت لديه ملامح نبل، وكذلك البطلة كانت مقاومة ودافعت عن حبها، والتوترات التي حدثت بين مختلف الأفراد في هذا المناخ بالذات في تلك الفترة من الطبيعي أن تؤدي إلى انفجار، وفي ما بعد تبنى الناس العمل، وتعاملت معه الجماهير على أنه صوت يعبّر عنها بصدق".

مواجهة التطرف وتفنيد الخيارات الفكرية

التأويلات السياسية أو التي تتجاوز المستوى الفني للأفلام بصورة عامة تتعدد وتتناقض وفقاً للمتلقي، فما دام العمل عُرض جماهيرياً أصبح ملكية عامة للمتلقين، وهذا يحدث بصورة مستمرة في أفلام يوسف شاهين، الذي كان يسير على الخط نفسه في طرح القضايا الجدلية اجتماعياً ودينياً للنقاش من منطلق إنساني أولاً.

وعلى رغم أن المناوشات التي خاضها شاهين مع الرقابة في أفلام مثل "بابا أمين" و"المهاجر" و"المصير"، يختصرها بعضهم في الجانب الديني، فإن الحقيقة أن كثيراً منها كان يحمل إسقاطات سياسية على الواقع، بخاصة القضايا ذات البعد القومي، وتلك التي تناقش فكرة السلطة والاختيار الحر، إذ يعتبر "المصير" 1997 على وجه التحديد من الأفلام التي تلامست مع الواقع من خلال مواجهة الأفكار الظلامية، وانتقاد التطرف الديني وصعود الجماعات التكفيرية التي كانت تستقطب الشباب في ذلك الوقت، من خلال محاكاة حقبة قاسية خلال فترة الحكم العربي في الأندلس.

 

بخلاف ذلك كانت أفلام السيرة الذاتية التي قدمها يوسف شاهين "إسكندرية ليه" و"حدوتة مصرية" و"إسكندرية كمان وكمان" و"إسكندرية نيويورك"، حافلة بمراجعات للأفكار السياسية لصاحبها، من خلال سرد الحكاية شديدة الشخصية للبطل/ المخرج، إذ حاول تفكيك الخيارات السياسية والمواقف التي تبناها وتأثيراتها فيه وفي من حوله من دون أي مواربة، فقد حفلت الأفلام بتأريخ متقد الذهن لسيرة المجتمع المصري إلى جوانب ثقافية واقتصادية وفنية وسياسية بطبيعة الحال، لتعتبر شاهداً فنياً يمكن من خلاله فهم التحولات المفصلية التي ألمّت بالبلاد والعباد.

ابن التجربة الناصرية ولكن

في كتابه "يوسف شاهين... قصة وطن"، الصادر عن دار ريشة للنشر العام قبل الماضي، اقترب الكاتب يوسف الشريف من عالم المخرج الفذ، من خلال دراسة عبر ستة فصول رصدت التحولات الفنية بعين ناقد ومحب أيضاً لفن المخرج البارز الذي تُوج بأبرز الجوائز عربياً وعالمياً، وأبرزها جائزة إنجاز العمر بمهرجان كان السينمائي عام 1997، وحلّقت معه أفلام السينما المصرية في أكبر المحافل الفنية.

يرى يوسف الشريف أن اهتمام شاهين بأبناء الطبقة الوسطى، الذي هو منهم، كان واضحاً منذ بداية تجاربه الفنية، حين رصد آثار القرارات السياسية في أبناء هذه الفئة حتى في أفلامه التي سبقت ثورة يوليو، ويتابع "صوته أصبح أكثر وضوحاً بعد 1952 بطبيعة الحال، إذ آمن بالتجربة الناصرية بشدة وعلق عليها آمالاً كبيرة، وعلى رغم أنه قيل إنه محسوب على دولة يوليو، بل ذهب البعض إلى أن فيلم (الناصر صلاح الدين) قصد به شاهين التمجيد في شخصية جمال عبدالناصر، إلا أن هذا لم يمنعه من أن يحاكم حقبة عبدالناصر في أفلام قوية مثل (العصفور) و(الاختيار) و(عودة الابن الضال)".

 

وحملت الأفلام الثلاثة التي أنتجت في مرحلة السبعينيات تشريحاً عنيفاً لأسباب الهزيمة، بينها الفساد السياسي، وغلق الآفاق أمام أي انتقاد والتحكم في القرارات والخيارات، ومن ثم المصائر، إذ كانت الأصوات المتمردة في تلك التجارب تواجه سلطة راسخة وعتيدة متمثلة في الآباء الكبار، وذوي النفوذ العائلي أو السياسي.

يلفت المؤلف يوسف الشريف، الحاصل على جائزة القلم الذهبي عن روايته "الصنادقية"، إلى الحس الوطني في أعمال شاهين، إذ كان له الغلبة، مستشهداً بشخصية "بهية" التي ترمز إلى مصر الحاضرة في غالبية أفلامه، وكذلك حضور جمال عبدالناصر، باعتباره من الزعماء السياسيين الأكثر تأثيراً في تشكيل أفكاره وقناعاته، سواء بشكل مباشر أو رمزي، مثل صورته في منزل "بهية" التي قامت بدورها هالة فاخر في "هي فوضى؟"، آخر أعماله.

يوسف شاهين بين ثورتين

يضيف الشريف "ظل يوسف شاهين مخلصاً لأفكاره وأسئلته، ومحاولة تحليل ما يجري، التي عبر عنها بأشكال فنية متعددة في أفلامه، ففي كل فترة كان ينتهج نهجاً فنياً معيناً يجده ملائماً لمرحلة معينة، إذ الإسقاطات على الواقع كانت واضحة في مرحلة التسعينيات، من خلال استدعاء قصص من التاريخ، وكذلك كانت هناك مرحلة أكثر مباشرة وتحمل حوارات تبدو وكأنها رؤية تلقينية في أفلام تالية مثل (الآخر) الذي تناول بجرأة نقاش الأديان والإرهاب والطبقية".

ويشدد الشريف أيضاً على أن "أزمات الفرد الخارج من طبقة مكافحة، ظلت مع يوسف شاهين حتى فيلمه الأخير، فنفس تلك الطبقة تجد نفسها في صراعات فوضوية بسبب قرارات أكبر منهم، وهو العمل الذي بدا وكأنه إرهاصة لثورة يناير ونهاية عصر مبارك، حيث توفي شاهين قبل الثورة بثلاث سنوات فقط".

 

هنا نتذكر أن يوسف شاهين بدأ نجوميته في عالم الإخراج، مطلع الخمسينيات بفيلم أيضاً يتنبأ بانفجار ثوري يرفض عدم العدالة في توزيع الفرص ويرفض انتشار الجهل والفقر من خلال "ابن النيل" 1951، الذي استعرض معاناة الطبقة الأضعف من فيضانات النيل قبيل بناء السد، واختتم مشواره بتنبؤ ثوري آخر، بينما عاش حياته مخلصاً لفكرة التعبير عن معاناة الناس بلغتهم هم، إذ اعتبر فيلمه الأكثر شعبية، على سبيل المثال، "الأرض" 1970 نقداً صارخاً للعصر الملكي المصري أيضاً، حين تفشى الإقطاع ومعه الظلم وسلب الحقوق والكرامة، والإخلاص للناس رافقه أيضاً الإخلاص للتمرد من خلال أبطال يحاولون التغيير والوقوف في وجه "المدفع" كما يقولون.

لهذا، على رغم إيمان شاهين بالمشروع الناصري واعتباره زعيماً يستحق الالتفاف حوله، فإنه قدم في أفلامه مساءلة صريحة لهذا العصر، قال عنها في حواراته إنها انتقاد المحب، وهو أمر يتضح بشدة في كثير من المشاهد، أبرزها لقطات رفض تنحي ناصر عقب نكسة يونيو (حزيران) 1967 في فيلم "العصفور"، كذلك حرص يوسف شاهين على توثيق جانب من الجنازة المهيبة لعبدالناصر.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما