ملخص
يدخل الأكاديمي والباحث اللبناني نادر سراج في الانشغال اللساني بدراسة موضوعات مهمشة، ومغيبة، وغير مألوفة من نمط العيش المتغير، فيجري بحوثاً تطبيقية على محكيات المدينة المعاصرة، خطاب الرشوة، لغة الشباب، شعارات الاحتجاج، وألفاظ الحياة العامة. وجديده، في هذا السياق، اشتغاله على نكهات الطعام في كتابه الصادر حديثاً عن دار المؤلف، في بيروت، بعنوان "نكهة بيروت/ موائد وسرديات".
تتعدد في الكتاب الحقول المعرفية، وتتجاور بمقادير مختلفة، فتقف الأنثروبولوجيا والسوسيولوجيا والتاريخ والجغرافيا واللسانيات والأدب والبلاغة والثقافة الشعبية، جنباً إلى جنب، وتتفاعل في ما بينها لتتمخض عن كتاب نادر في موضوعه، متنوع في مضمونه، غني بمعلوماته، منهجي في متونه، ومضلل في عنوانه، ذلك أن من يقرأ العنوان سرعان ما يظنه كتاباً في فن الطبخ، لكن ما إن يدخل في المتن، حتى يجد نفسه إزاء دراسة أكاديمية رصينة، تندرج "في إطار مشروع معرفي طموح يجدد النظر إلى حضور الثقافات المجتمعية، بما فيها ثقافة المائدة،...، في الوعي العام العربي وفي السلوكيات اليومية للمستهلكين..." (ص 21).
نصوص تمهيدية
يشتمل الكتاب على 18 فصلاً، وخاتمة. ولكل من هذه الأقسام وظيفته النصية في الكتاب، ففي المقدمة والنصوص التمهيدية الأخرى، يبرر اختياره بيروت حقلاً لدراسته بكونها "مدينة العالم" الرائدة في الثقافة والإعلام والطعام. ويحدد أهداف الكتاب بـدراسة "الصلات المنسوجة بين اللغة بوصفها كياناً قائماً بذاته ولذاته، ومؤسسة اجتماعية، في مقام أول، والطعام باعتباره منتجاً غذائياً واحتياجاً بيولوجياً، وعنوان حضارة، في مقام ثان..."، و"النظر في تأثيرات شفرة الطعام في أنماط العيش وتجلياتها..."، ما يشي بتداخل المعيشي واللغوي والوطني والثقافي والحضاري في أهدافه.
وفي إطار السعي لتحقيق هذه الأهداف، يروح يتقصى العلاقة بين الطعام والكلام، في المظان المكتوبة، والمرافق الميدانية. ويعمل "مبضع اللسان الوظيفي" لفك شيفرات المأكل والمشرب والتحلية، وفتح "كوة معرفية في عالم أطعمة وأشربة متعددة الألوان..."، على حد تعبيره. وهكذا، تزخر مقدمات الكتاب بملاحظات منهجية، تسوغ اختيار الموضوع، وتطرح إشكاليته، وتحدد أهدافه، وتبين المنهج المعتمد في معالجته، من جهة. وتشتمل على إشارات معرفية، تتعلق برمزية الطعام في التراث العربي، وتأثير الدين فيه، وارتباطه بالمناسبات الاجتماعية، والتلاقح الطعامي بين الأمم المتجاورة، من جهة ثانية.
أدبيات الطعام
في الأبواب المتعاقبة، يتناول سراج أصول الطهي، آداب المائدة، مذاقات الطعام، فنون النكهة، أعراف السفر، قواعد المؤاكلة، مرويات الطعام، تمثلاته في الفن والثقافة الشعبية، وغيرها. ويخلص، بنتيجة هذا التناول، إلى خلاصات معينة، يوجزها في خاتمة الكتاب. وإذا كان الباب الأول يطغى عليه الطابع المنهجي، بحيث يتناول الباحث في فصوله الأدبيات المرجعية والمفاهيم المفتاحية والمصطلحات الغذائية والمرافق السياحية، ويختمه بعرض نماذج من "محلات الأكل"، المستقلة أو الأهلية أو المرتبطة بمرافق سياحية مشهورة، فإن الباب الثاني يشكل صلب الدراسة، ويغلب عليه السرد والأنثروبولوجيا، بحيث تتناول فصوله سرديات الموائد، وحكايات المناسبات، وطقوس المؤاكلة، ومجريات السفرة، ومرويات الطعام، وتمثلاته الفنية والأدبية.
وقد عاينها الباحث بالأداة اللسانية، واستخدم تحليل الخطاب للنظر فيها. بينما يطغى الطابع الموسوعي على الباب الثالث الذي يتناول فيه المصطلحات والمجازات والأمثال الشعبية. ويضمنه "مجموعة منتقاة من أطباق وطنية ومأكولات ومشروبات وأصناف تحلية ومتفرقات غذائية، فضلاً عن تشكيلة شامية، وعربية، من تسميات أدوات الطهو ومستكملات المائدة وما إليها" (ص 291). وبذلك، يتخطى المتن الإطار الوطني الذي يحدده العنوان حقلاً للدراسة إلى الإطارين الشامي والعربي، وتتسع نكهة بيروت لتشمل نكهات دمشق وحلب وعمان والإسكندرية والقاهرة وغيرها.
الذائقة الغذائية
في الخاتمة، يجاور سراج بين الأعمال الإجرائية التي قام بها، خلال الدراسة، والنتائج التي توصل إليها بنتيجتها. وإذا كانت الأولى قد أنف ذكر بعضها أعلاه، فحسبنا الإشارة إلى بعض الثانية، من قبيل: متنية عالم المأكل في حياة الشعوب، فهو متن لا هامش. تغير الذائقة الغذائية في ظل العولمة. تجاوب المطبخ البيروتي، واستطراداً اللبناني، مع متغيرات العيش. انتقال بعض أطباقه إلى عواصم أخرى. مساهمة وسائل التواصل الاجتماعي في نشر المعجم الغذائي، حتى في أشد مفرداته محلية، وغيرها.
أقوال مأثورة
كثيرة هي الملاحظات التي يلاحظها القارئ في هذا السفر النفيس. وإذا كان المقام لا يتسع لإبدائها جميعها، فحسبنا الإشارة إلى بعضها، من قبيل: ارتباط الطعام بالمجتمع، فهو ثقافة اجتماعية تختلف بين مجتمع وآخر، ولكل مطبخه الخاص وأطباقه المتخصصة به. ارتباط الطعام بالهوية الوطنية إلى حد نسبة هذا الطبق أو ذاك إلى البلد الذي ينتمي إليه. التفاعل الغذائي بين البلدان المتجاورة لا سيما المتوسطية منها. تنازع الهوية الوطنية للأطباق في البلدان المتجاورة، ما يطرح مسألة الملكية الأدبية على بساط البحث.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
اشتمال الفصول على كثير من مصطلحات الطعام التي يجري شرحها، في متن الفصل لا في هامشه، بحرف مختلف، مما يعزز معجمية الكتاب، لا سيما أنه يتكئ إلى عدد من المعاجم في شرحها. تجريد كثير من التراكيب المحكية والأمثال الشعبية والأقوال المأثورة من عالم المأكل والمشرب، من قبيل: "آخر العنقود سكر معقود". "أكل البيضة والتقشيرة". "بيتاكل بلا ملح". "بيرش عالموت سكر". "بيناتنا خبز وملح". "سفرة بيلعب عليها خيال". "صب الزيت على النار"، على سبيل المثال لا الحصر. وهذه المجردات، إن دلت على شيء، إنما تدل على الصلة الوثيقة بين عالمي الطعام والثقافة الشعبية.
متون وهوامش
لعل استمرار الباحث في الإضاءة على موضوعات، كانت تعتبر مهمشة، هو من الأهمية بمكان. ذلك لأن متون المعنى كثيراً ما تتوارى خلف الهوامش، وهو ما ينطبق على موضوعة الطعام ونكهاته وفنونه وأدبياته وسردياته الكثيرة، فنحن نتاج ما نأكل، بشكل أو بآخر، والإنسان، بما هو جسد وأنسجة وخلايا، يتأثر بما يأكل، وغالباً ما يتحكم المأكول بمزاجه وميوله ونزعاته، وهو ما ينعكس على خياراته والقرارات التي يتخذ. وبهذا المعنى، لا يكون الطعام هامشاً بل متناً، يترك بصماته على الأجساد، واستطراداً العقول، وما تتخذه من قرارات، وتأمر به من أفعال، وتنهى عنه من سلوكيات.
من هنا، ضرورة "نكهة بيروت/ موائد وسرديات"، وأهمية قراءته لفك الشفرات التي تقف خلف القرارات والأعمال والسلوكيات. فالكتاب يضيء العلاقة التاريخية بين الطعام والكلام، في زمن تطغى فيه العتمة على ما عداها.