Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أيام قرطاج لفنون العرائس" تحتفي بمسرح الظل

فرق عربية وعالمية تقدم عروضاً تعبيرية تجمع بين الرمز والخيال وتطرح أسئلة عن الإنسان المعاصر

مشهد من مسرحية عرائس في مهرجان قرطاج (خدمة المهرجان)

ملخص

انطلقت "أيام قرطاج لفنون العرائس" في دورتها السابعة (تستمر حتى 8 فبراير 2026)، وبانطلاقها تعود مدينة الثقافة الشاذلي القليبي في تونس العاصمة فضاءً رئيساً لاحتضان هذه التظاهرة المتخصصة، التي أصبحت موعداً دائماً في المشهد المسرحي العربي.

منذ تأسيسها، شكّلت التظاهرة مساحة للتلاقي بين التجربة المحلية والخبرات الدولية، بين التراث والابتكار، متوجهة إلى الأطفال والكبار، ما جعلها مرجعاً لا يُستغنى عنه في فهم تطورات فنون العرائس.

دورة 2026، اختارت أن تجعل من مسرح الظل محوراً جمالياً وفكرياً، ليس فقط لكونه فناً تقليدياً عريقاً، بل لأنه لغة تعبيرية تجمع بين الرمز والخيال، وتطرح تساؤلات الإنسان المعاصر بطريقة غير مباشرة، تمزج بين البساطة الفنية وعمق المعنى. هذه العودة إلى الظل تأتي في سياق اهتمام متجدد بالتحولات الثقافية في المنطقة، وبحاجة الجمهور إلى أشكال فنية تحمل قدرة على التأمل، وتجاوز الحدود التقليدية للفرجة المسرحية.

فن الذاكرة وأسئلة الحاضر

يحمل مسرح الظل تاريخاً طويلاً في تونس والمنطقة العربية، حيث كان وسيلة للتسلية، والسخرية، والنقد الاجتماعي، وسرد القصص الشعبية بأسلوب مبسط وذكي. في دورة 2026، يُعاد تقديمه ليس كشكل تراثي جامد، بل كمنصة للتجريب وإعادة التأويل، تجمع بين الحكاية والرمز، وبين الحركة والصورة.

العروض المبرمجة تستلهم أشكالاً تقليدية معروفة، لكنها تنفتح على موضوعات معاصرة: العزلة، التحولات الاجتماعية، الهوية، وأسئلة العلاقة بين الإنسان والفضاء الرقمي الحديث. كما تم تصميم العروض بحيث يكون المشاهد جزءاً من التجربة، إذ تُستثمر مساحات الفرجة والتفاعل، ما يتيح للمتفرج إعادة صياغة المعنى في ذهنه، بدلاً من الاكتفاء بالتلقي السريع.

توظف العروض الضوء والظل والموسيقى والحركة لخلق تجارب متعددة الحواس، تثير الخيال وتحوّل الرموز إلى حوارات صامتة بين الدمية والجمهور. في هذا السياق، يصبح الظل لغة فنية حيّة، قادرة على مساءلة الواقع وتقديم قراءة مغايرة للحياة اليومية، بين ما هو مرئي وما هو مستتر، بين التقليد والتجريب، وبين الحنين إلى الماضي والرؤية المستقبلية للفنون المسرحية. وفي الإطار نفسه، انطلقت ورشة متخصصة في مسرح الظل، يشرف عليها المسرح الوطني لفن العرائس قبل انطلاق المهرجان، وهي ورشة استُهدفت من خلالها تدريب مجموعة من الفنانين الشباب، وإعادة تقديم تقنيات الظل بطريقة مبتكرة، لتكون بمثابة افتتاح رمزي للمهرجان وإشارة إلى تواصل التظاهرة مع التكوين الفني والبحث التجريبي، وليس مجرد عرض للفرجة وحدها.

 مشارب مختلفة

يتميز برنامج" أيام قرطاج لفنون العرائس" 2026 بتنوع عروضه وتعدد خلفيات ضيوفه، حيث تشارك فرق وفنانون من تونس ومن 16  دولة عربية وأجنبية، يمثلهم أكثر من 100 عرائسي، موزعين على 17 فرقة دولية وعربية. من أبرز الدول المشاركة: الجزائر، ليبيا، مصر، فرنسا، إيطاليا، إسبانيا، بلجيكا، هولندا، رومانيا، بولندا، اليونان، مالطا، السينغال، الصين، مع إبراز مشاركة الصين بأربعة عروض خارجية للأطفال للمرة الأولى في تاريخ المهرجان.

البرنامج لا يقتصر على العروض المسرحية، بل يشمل سلسلة من الورشات التكوينية، بما فيها ورش تحريك العرائس، صناعة الدمى، التفاعل بين الصوت والحركة، وتقنيات الدمج بين الفنون الرقمية ومسرح الظل. كذلك يقدم ماستر كلاس وجلسات نقاشية مع ممارسين محليين ودوليين، تسمح للشباب والفنانين بالاطلاع على تجارب جديدة وتبادل الخبرات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتُضاف إلى ذلك عروض في ولايات أخرى خارج العاصمة، مثل أريانة، المهدية، باجة، وجندوبة، في خطوة تهدف إلى تعزيز اللامركزية الثقافية وإتاحة الفرصة أمام جمهور أوسع للاطلاع على فن العرائس. هذه الأنشطة تعكس التزام المهرجان ليس فقط بالعرض الفني، بل ببناء قاعدة مستدامة من الممارسين، وتعزيز قدراتهم على البحث والتجريب الفني، وخلق بيئة متجددة للتفاعل الثقافي.

فعل ثقافي حيّ

أوضح مدير "أيام قرطاج لفنون العرائس" ماد المديوني في بيان المهرجان، أن اختيار مسرح الظل محوراً لهذه الدورة "يندرج ضمن رؤية تسعى إلى إعادة الاعتبار للفنون التي تقوم على الخيال والبساطة، والقادرة على مخاطبة الطفل والراشد في آن واحد". وأضاف أن التظاهرة "لا تكتفي بعرض التجارب القائمة، بل تراهن على التكوين ودعم البحث والتجريب، بما يضمن استمرارية فنون العرائس وتجددها في سياق ثقافي سريع التحول".

وأبرز أن الهدف هو جعل التظاهرة منصة للتبادل بين الفنانين المحليين والدوليين، وتطوير شبكة علاقات مهنية تعزز حضور فن العرائس في المهرجانات العربية والدولية. من خلال هذا الطرح، تتحول أيام قرطاج إلى فضاء ديناميكي للبحث والتجريب، حيث يصبح الفن أداة لفهم الواقع ومساءلته، وإعادة صياغة العلاقة بين الجمهور والفنون الهجينة، وليس مجرد وسيلة للترفيه.

بهذا الاختيار الفني، تؤكد "أيام قرطاج لفنون العرائس" 2026 أنها ليست مجرد مهرجان للفرجة، بل مساحة للتفكير في دور الفن اليوم، وفي قدرة الظل على أن يكون مرآة خافتة لكنها صادقة للواقع. بين الضوء والدمية والخيال، تواصل التظاهرة ترسيخ موقعها كأحد أهم المنابر العربية التي تمنح الفنون الهامشية حقها في الرؤية والاعتراف، وتفتح الباب أمام جمهور جديد للتفاعل مع تاريخ طويل وفن حيّ يتجاوز حدود الزمان والمكان.

اقرأ المزيد

المزيد من فنون