Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"الخديعة الكبرى" يختبر الصداقة ويهجو مجتمع روما المزيف

المدينة الباذخة بشوارعها العريقة تحكمها السياسة وأجواء الجريمة والعصابات

من فيلم "الخديعة الكبرى" (نتفليكس)

ملخص

الانطباع الذي يتشكل بعد الانتهاء من مشاهدة الفيلم الإيطالي "الخديعة الكبرى" (The Big Fake) هو الانشداه، وهو إحساس أقل من الدهشة وأكثر من الفتور؛ ذلك أنّ الفيلم الذي أنتجته "نتفليكس" ويعرض حالياً على منصتها، يعيد تدوير قصة سبق للمشاهد أن تلمّس مناخاتها في أفلام إيطالية عديدة (أبرزها فيلم Good Morning, Night للمخرج ماركو بيلوكيو 2003).

 إنها العاصمة الإيطالية روما، التي عاشت في ستينيات القرن الماضي وسبعينياته وثمانينياته أكثر الأزمنة اضطراباً في التاريخ المعاصر، علماً أنّ هذه المدينة كانت عبر التاريخ ساحة للحروب ومسرحاً للفنون والآداب، وميداناً لصناعة التحالفات، وإعادة صياغة قوانين السلطة والسيطرة، وابتكار الكولونيالية على نحو مبكّر.

الفيلم الذي أخرجه ستيفانو لودوفيتشي، المقتبس عن كتاب "Il falsario di Stato" لنيكولا بيوندو وماسيمو فينيزياني، لم يستغرق في الحنين إلى روما التي قدمها في البداية في شكل جذاب، بمبانيها القديمة، وديكوراتها الباذخة، وأزيائها التي جعلتها أرض الموضة، وبشوارعها المكتظة بالرسامين والمغنين والمقاهي والملاهي الليلية، وسيارات "ألفا روميو"، بل فوق ذلك مزج هذه العناصر كلها في عالم السياسة، وبالتالي أجواء الجريمة والعصابات، والفساد الذي كانت تمارسه السلطة الحاكمة آنذاك المنقسمة على نفسها، والمتورطة في هذه المناخات المتناحرة التي أطلق عليها "سنوات الرصاص".

"الخريف الساخن"

هذه المرحلة، التي بدأت بما يعرف بـ"الخريف الساخن"، العام 1969 للمطالبة بتحسين أجور العمال، حتى العام 1988، اقترنت بالتطرف السياسي الذي مارسته جماعات فاشية وتنظيمات يسارية متشددة ذات مرجعيات ماركسية لينينية مثل "الألوية الحمراء" وراح ضحية هذا الصراع الدموي قضاة وفنانون وصحافيون، فضلاً عن تفجيرات استهدفت مدناً إيطالية، أبرزها ميلانو.

في غضون هذا الخريف الدامي، يرتحل من منطقة بحيرة دوكيسا بإقليم أبروتسو إلى روما فنان شاب هو توني كيكياريلي (بيترو كاستيليتو) مع صديقيه، الثوري في "الألوية الحمراء" فابيوني (بيرلويجي جيغانتي)، والكاهن فيتوريو (أندريا أركانجيلي) الذي لديه طموحات أن يترقى في السلك الكنسي.

لوحات مزورة لطبقة روما الراقية

الرسام توني (وهو بالمناسبة نجل الفنان الإيطالي سيرجيو كاستيليتو) يبدو للوهلة الأولى شخصاً بوهيمياً يعيش على الكفاف، ويرسم لقاء أجر زهيد، بورتريهات، وبعض اللوحات المزورة، وأخرى مستوحاة من الطبيعة، لكنه لا يبدو من حيث الشكل أنه يستبطن في داخله شخصاً مستعداً لتسخير موهبته التي جعلته أبرز رموز روما، في خدمة رجال العصابات، ورموز السياسة والمال الذين يغدقون عليه بسخاء نادر، وذلك بفضل السيدة المتخصصة في هذه التجارة دوناتا (جوليا ميكيليني)، التي يتعرف عليها في أحد الملاهي، ويقع في حبها، فتتولى بيع روائع فنية مزوّرة لطبقة روما الراقية ينفذها توني ببراعة لا تختلف فيها اللوحة المزورة عن الأصل.

وفي هذا الجزء من الفيلم، يستمتع المشاهد بعالم الفن المزور الذي لا يكتفي باللوحات، بل بتزوير التواقيع على الشيكات، وإصدار جوازات السفر التي استثمرتها العصابات الإجرامية في التخفي وعبور الحدود ونماء تجارتها التي شملت الأسلحة والمخدرات، وتنوعت أعمالها بين الابتزاز والقتل السياسي الذي بلغ أعلى ذراه في اختطاف رئيس الوزراء الإيطالي ألدو مورو، زعيم حزب الديمقراطية المسيحية وقتله، العام 1978، وهي حادثة تبنتها "الألوية الحمراء" ومثلت أكثر مراحل الصراع مأساوية.

من كل بستان وردة

نجح السيناريو، الذي كتبه ساندرو بيتراجليا ولورينزو بانغاتوري، في نسج حكاية درامية متعددة الوجوه والمآلات، وهو ما يمكن أن يُنظر إليه إيجاباً وسلباً، ففي حين أنه رسم صورة بانورامية عن فترة عاجّة بالصراعات والتناقضات، فإنه ابتسر الأحداث، كمن يقطف من كل بستان وردة، لكنه، في المجمل، نجح في تجسيد طموح توني، واستعلائيته، ونرجسيته، وعبوديته لشهواته ورغبته الشديدة والسريعة في الصعود، مهما كانت الدروب التي يسلكها، ما جعله، كما صعد بسرعة، يتقهقر بالسرعة نفسها، ويختفي من المشهد نهائياً، لكنّ الفيلم لا يقول كيف.

لعل السؤال الأكثر إلحاحاً هو: ماذا يريد الفيلم، وما الرسالة التي يتوخاها من خلال استعادة أحداث مر عليها أكثر من نصف قرن؟ هل يريد أن يختبر الصداقة بين الرسام والكاهن والثوري، وهي التي رغم مثاليتها الظاهرة تكشف عن تصدّع عميق بسبب غلبة الخيارات الفردية التي تنظر للمبادىء الأخلاقية كخلفية للحياة العملية، وليس كناظم لها؟

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وهل يكون الفيلم هجاء لمرحلة سياسية راهنة لا تختلف كثيراً عن سابقاتها إلا في الجانب الدموي العنيف، لكنّ العنف ما انفك متغلغلاً في أوصال الطبقة السياسية الجديدة. أم أنه استعادة لمرحلة لا لامتداحها، وإنما لتفاديها وتعلم الدروس من الماضي؟

الحكمة بأثر رجعي

على ضوء الأسئلة السابقة، التي تبدو للوهلة الأولى حالكة العتمة، وبلا ضوء في نهاية النفق، يلمس المشاهد أنّ الفيلم ربما ينتقد فكرة الحكمة بأثر رجعي، فلا اكتشاف الثوري أنّ المقاومة المسلحة هي الخلاص الوحيد لدحر النظام الدستوري في البلاد يفيد معتنق هذا الخيار، ولا التخلي عن حياة الرهبنة، وتفضيل العمل في التجارة والتربح من تبرعات الكنيسة تحرر الكاهن من أثقال الدين. وفضلاً عن ذلك فإنّ تزوير اللوحات مقدمة لخيانات كثيرة تبدأ من الفن وتصيب الحبيبة والأصدقاء، ولا تنتهي بسرقة ذكية كاملة الأوصاف لشركة "برينكس سيكورمارك" في روما العام 1984، والسطو على ما قيمته 35 مليار ليرة إيطالية (نحو 21 مليون دولار آنذاك).

هذه السرقة يتعامل معها توني، بلا زهو مفرط، ويصفها بأنها نوع من "الفن المفاهيمي"  (Conceptual Art) وهو حركة فنية ظهرت في ستينيات القرن العشرين، تُعطي الأولوية للفكرة أو المفهوم الكامن وراء العمل الفني، وتقدمها على الاهتمامات الجمالية أو التقنية أو المادية التقليدية.

محو الفارق بين الأصالة والتزييف

كان هذا الوصف المترف للجريمة جزءاً من شخصية الفنان المزور الذي يتلاعب بالمفاهيم، كما تلاعب بالأصالة والتزييف، ومحا إلى حد بعيد الفوارق بينهما، جاعلاً (على حد زعمه) التزييف فناً يحتاج إلى موهبة خارقة.

الفيلم نجح في تمرير الكثير من الأفكار المتصادمة، وجسدها في إطار سكورسيزيّ (نسبة للمخرج مارتن سكورسيزي)، لكنه لم يشق طريقاً لم يسبقه إليه أحد، بل كان استعادة، لا بأس في جماليتها، لأفلام سابقة، على أنّ ذلك لا يغمط العمل جدته في استثمار الرواية شبه الحقيقية عن شخصية رسام مزور جعل موهبته جسراً لاختراق الطبقة السياسية، والمنظمات الإرهابية، وجهر بأنّ مصلحته لا تعبأ بالمبادىء الأخلاقية، معتنقاً، في المقابل، براغماتية متوحشة مفادها "أنا أو الطوفان".

اقرأ المزيد

المزيد من سينما