Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"رقية" فيلم رعب يستعيد كوابيس العشرية السوداء

المخرج الجزائري يانيس كوسيم يدمج بين العنف البشري والغرائبية

لقطة من "رقية" فيلم الرعب الجزائري (ملف الفيلم)

ملخص

يعيد المخرج الجزائري يانيس كوسيم أفلام الرعب للمشهد السينمائي من خلال فيلمه "رقية" الذي أنتج بدعم من وزارة الثقافة وصندوق مهرجان البحر الأحمر. ويعد هذا النوع من أفلام الرعب نادراً في أرشيف السينما الجزائرية، بحيث يمكن عد عناوينه على أصابع اليد الواحدة.

كان فيلم "يد الساحرة" من بطولة بيونة أول أفلام الرعب وأبرزها، وبقي حاضراً في ذاكرة المشاهدين لعقود، إذ جسد حكاية امرأة مشعوذة تقتل طفلاً لتبتر يده وتفتل بها الكسكس.

أما فيلم "رقية" فيتوغل مخرجه في عوالم مختلفة، تستند إلى العشرية السوداء كمناخ قاتم وخلفية زمنية للأحداث، فيما يعرض الفيلم تجارب أخرى للمس الشيطاني وكائنات غامضة تحتل جسد الإنسان وتسكنه، فيتوحش ولا يعود يشبه نفسه في صوته وأفعاله. وقد يبدو هذا الخيار استعارة لدوامة العنف التي سادت خلال فترة التسعينيات، بحيث يذكر كيف تحول كثير من الجزائريين إلى قتلة بسبب التطرف الديني والجشع السياسي للسيطرة على الحكم، ولو كلف ذلك البلاد آلاف أرواح الأبرياء.

 اضطرابات عشرية كاملة

تساعد اللقطات الأولى على تشكيل الانطباع المبدئي لأي فيلم، فثمة سحر أزلي في تجربة المشاهدة في صالة السينما بعدما تطفأ الأضواء، ويتحول لون الشاشة من الأسود إلى مشاهد حية تنقل المشاهد إلى عالم آخر بناه صناع الفيلم. أما في فيلم رقية، فقد جاءت المشاهد الأولى قاتمة وصادمة، إذ يفتتح يانيس كوسيم عمله بمجزرة وقعت عام 1993، ويصدم المتلقي بمشاهد مرعبة تذكره بكوابيس التسعينيات، حين كان المسلحون يقتحمون القرى النائية ليلاً، يقطعون عنها الكهرباء ويذبحون أهاليها تاركين جثثهم غارقة في دمائها. يعرض المخرج هذه اللقطات بإيقاع سريع وموتر للأعصاب، بلا ملامح واضحة، مع تأثيرات صوتية تتداخل فيها خطوات الأقدام والتكبير ودعوات الأمهات وصراخ الأطفال، قبل أن يتباطأ إيقاع الفيلم على امتداد عرضه، ولا يتسارع مجدداً إلا في مشاهده الختامية.

يقسم الفيلم إلى ثلاثة أقسام، الأول يركز على مشاهد شيخ في منتصف العمر، أدى دوره الممثل مصطفى جاجام يظهر معالجاً لمريض ممسوس يعاني تشنجات جسدية، ويصدر أصواتاً حيوانية متوحشة، وتشي نظراته بأنه مسكون بكائن شيطاني. في القسم الثاني، يعود الفيلم بتقنية الفلاش باك إلى فترة التسعينيات، لنتعرف على رجل يتعرض لحادثة، ويعود لعائلته في القرية بوجه تغطيه الضمادات، لنتعرف على ملامحه لاحقاً عندما يزيل الشاش ويكشف عن وجه الممثل علي ناموس، الذي يؤدي دور رجل فاقد للذاكرة، مشتت لا يتذكر وجهته قبل الحادثة ولا شيئاً من تفاصيل رحلته إلى أفغانستان وعودته منها، فنكتشف معه ماضيه تدريجاً.

أما القسم الأخير، فيضم مشاهد تفسر بعض الأحداث وتربطها ببعضها، ليختتم الفيلم بمشهد المجزرة مرة ثانية، بعدما أتيح للمتابع التعرف على أفراد العائلة وحكايتهم، فتغدو النهاية أقسى بكثير من البداية. وينتهي الفيلم بجريمة تحدث في الزمن الحاضر، تقتل فيها وفاء، الشابة الحامل بعد شق بطنها ونجاة جنينها، في إشارة إلى استمرارية الكابوس وأن العنف لم يخلف اضطرابات نفسية فحسب، ولكنه يورث عنفاً آخر يورط الأجيال الجديدة في جرائم مشابهة كما لو كانت تورث بالجينات.

فيلم وممثلون

مع الإعلان عن فيلم "رقية" وطاقم ممثليه وظهورهم اللافت في المهرجانات، كان من المنتظر مشاهدة بعض الأسماء اللامعة في أدوار أكثر أهمية من تلك التي قدمتها، وفي مساحات تليق بموهبتها. فهناء منصور مثلاً، على رغم كونها ممثلة شابة في بداية مسارها، تمكنت من صناعة اسم وإثبات موهبتها في عدة أعمال، جعلت تمثيلها يبدو واقعياً وتلقائياً في السينما والدراما على حد السواء.

وينطبق الأمر نفسه على الممثل عبدالكريم دراجي، الذي نجح في أداء أدوار صعبة ومركبة، ولكن على العكس من ذلك، ظهر كل منهما في دورين ثانويين بحضور باهت، إذ أدت هناء منصور دور شابة حامل تدعى وفاء، تحضر في بيت الراقي من خلال قيامها بالمهام اليومية من طبخ وتنظيف. ولا تتبين علاقتها بالراقي الذي ينادى بـ"الحاج" فيظن المشاهد أن الممثل أكرم جغيم يؤدي دور ابنه، مرافقاً له في جلسات الرقية الشرعية. وتبدو وفاء كأنها زوجة الابن، بحكم ظهورها الدائم إلى جانبه وتقديمها الاهتمام لهما، ولكن يتضح في النهاية أن أكرم هو تلميذ الراقي وليس ابنه، وأن وفاء ليست أكثر من جارة تزورهما لتقديم خدماتها. وحتى بافتراض أنها قتلت عقاباً لها على علاقة عاطفية جمعتها بالابن في غياب زوجها، فإن ذلك لا يبرر المعلومة الأساسية بكونها متزوجة من رجل آخر.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لا تتضح طبيعة هذه العلاقات إلا في الدقائق الأخيرة من الفيلم، حين تقتل شخصية وفاء وتحضر الشرطية لتروي ما حدث لزميلها وتشرح من يكون هذا وتلك. ولعل هذا يعود إلى ضعف في السيناريو وإشكالية في كتابته. في المقابل قدم الممثل علي ناموس الأداء الأقوى في الفيلم بمساحة تليق بمسيرته وتجاربه السابقة، من خلال دور مقنع ومنسجم مع صراعاته النفسية لشخصيته.

العنف البصري يفوق العنف النفسي

لكل مخرج خياراته الفنية في تنفيذ أفلام الرعب، فثمة من يعتمد على العنف البصري، وآخرون يركزون على الرعب النفسي. في فيلم رقية، يجمع يانيس كوسيم بين الخيارين، غير أن العنف البصري يفوق العنف النفسي في جرعته، فيرى المشاهد عدداً من المشاهد العنيفة والدموية التي قد تصل إلى حد الإزعاج. لهذا السبب قد لا يكون هذا الفيلم مناسباً لجميع الأذواق، وربما يرضي ذائقة معينة من المشاهدين دون غيرها.

من جهة أخرى أوضح المخرج في لقاء له مع تلفزيون "العربي الجديد" أنه في البداية لم يكن ينوي كتابة فيلم رعب، غير أن السيناريو اتجه تدريجاً إلى هذا النوع مع التقدم في كتابته. وبرأيه، فإن المشاهد يتعطش حقاً لهذا الصنف من الأفلام، باعتباره متابعاً جيداً، ولا سيما أن الجمهور الجزائري شاهد معظم أفلام الرعب العالمية الشهيرة، ويفتقد عملاً محلياً يعكس بيئته ويروي قصته أو حكاية من ماضيه. وعندما سئل عن مدى ملاءمة موضوع العشرية لعرضه في السينما، خصوصاً أن الجزائريين عايشوا بما يكفي هذا النوع من الرعب المرتبط بمآسي التسعينيات، وربما لا يرغبون في مشاهدة المزيد عما حدث. برر يانيس كوسيم قائلاً إن ما عشناه في تلك الفترة كان أكثر رعباً من الخيال، وإن أي فيلم يكتب عن العشرية السوداء، لا يمكن أن يكون إلا فيلم رعب. ومن وجهة نظره فإن إحياء الذاكرة يشكل معالجة لجروح قديمة بدلاً من تجاهلها، وتأملاً فيما حدث من عنف، ربما لفهم الشر الراهن وجذوره.

اقرأ المزيد

المزيد من سينما