ملخص
يرى مراقبون أنه على رغم دور الرقابة المالية الذي يضطلع به المجلس الأعلى للحسابات من أجل تعزيز تدبير المال العام في البلاد، فإن هناك نوعاً من "ضعف التفاعل" مع توصيات هذه المؤسسة الدستورية بسبب عوامل متداخلة، على رأسها عامل الزمن الذي يتطلبه تنفيذ الإصلاحات والمشاريع الكبرى.
أماط تقرير رسمي حديث للمجلس الأعلى للحسابات في المغرب اللثام عن عديد من الاختلالات في تدبير المال العام من لدن إدارات حكومية ومؤسسات عمومية وأحزاب سياسية خلال الفترة الزمنية من 2024 إلى 2025، وعن متابعات قضائية لعديد من مدبري الشأن العام، لتنزيل الشعار الدستوري "ربط المسؤولية بالمحاسبة" على أرض الواقع.
ويرى مراقبون أنه على رغم دور الرقابة المالية الذي يضطلع به المجلس الأعلى للحسابات من أجل تعزيز تدبير المال العام في البلاد، فإن هناك نوعاً من "ضعف التفاعل" مع توصيات هذه المؤسسة الدستورية بسبب عوامل متداخلة، على رأسها عامل الزمن الذي يتطلبه تنفيذ الإصلاحات والمشاريع الكبرى.
خريطة رسمية بالاختلالات
رسم التقرير الجديد للمجلس الأعلى للحسابات، وهو مؤسسة مستقلة تعتبر الهيئة العليا لمراقبة المالية العمومية بالمملكة، "صورة رمادية" حول عديد من الاختلالات التي شابت تدبير المال العام، سواء من طرف المؤسسات العمومية، أو من لدن مسؤولين في مناصب تدبير الشأن العام.
ويقوم المجلس الأعلى للحسابات بمهمة تدعيم وحماية مبادئ وقيم الحوكمة الجيدة والشفافية والمحاسبة بالنسبة للدولة والأجهزة العمومية، كما يتكلف مراقبة تنفيذ قوانين المالية، ومراقبة وتتبع التصريح بالممتلكات، وتدقيق حسابات الأحزاب السياسية، وفحص نفقات العمليات الانتخابية.
وأحال المجلس المذكور 20 ملفاً وُصفت إعلامياً بالثقيلة إلى القضاء بخصوص تهم تستوجب عقوبات جنائية، منها ستة أجهزة عمومية للدولة و13 جماعة ترابية وجمعية واحدة.
وتمت متابعة 63 شخصاً أمام المجلس الأعلى للحسابات، زهاء النصف منهم مسؤولون وآمرون بالصرف، وآمرون بالصرف مساعدون، وتوبع أمام المجالس الجهوية للحسابات 332 شخصاً، 47 في المئة منهم رؤساء الجماعات الترابية والأجهزة المنبثقة عنها.
وعلى صعيد آخر، وتبعاً لذات المعطيات الرسمية، لم يرجع 14 حزباً سياسياً مبالغ مالية تقدر بـ21.85 مليون درهم (نحو مليوني دولار)، وهي الأموال التي تمنحها الدولة من أجل دعم الحملات الانتخابية للأحزاب السياسية.
وتنقسم هذه الأموال بين دعم لم يتم تبريره بوثائق قانونية بقيمة 15.07 مليون درهم، ومبالغ غير مستعملة بقيمة 3.25 مليون درهم، ومبالغ استخدمت لغير الأغراض المخصصة لها بقيمة 2.88 مليون درهم، ومبالغ غير مستحقة بقيمة 0.65 مليون درهم.
وفي سياق الاختلالات المسجلة، أورد التقرير الرسمي أن 61 في المئة من الموظفين والأعوان في الإدارات العمومية الملزمين بالتصريح الإجباري بالممتلكات لم يمتثلوا بعد لهذا الواجب القانوني، على رغم إشعار السلطات الحكومية لهم.
حملات رقابية
يقول الأستاذ الجامعي والمحلل السياسي محمد نشطاوي، إن المجلس الأعلى للحسابات أثار الانتباه إلى الاختلالات التي شابت تنفيذ برنامج تقليص الفوارق المجالية، وذلك بناء على معطيات كشفتها حملاته الرقابية، فقد لاحظ المجلس أن عدداً مهماً من الاتفاقيات الموقعة لم يعرف طريقه إلى التنفيذ الكامل، إذ إن حوالي 78 اتفاقية لم تُستكمل فيها الأشغال، وهو ما يمثل نحو 41 في المئة من مجموع الاتفاقيات.
وبيّن التقرير الرسمي ذاته أن نسبة نجاح هذه الاتفاقيات لا تتجاوز 26 في المئة من مجموع المشاريع التي أنهت برامجها، مما يعكس وجود خلل بنيوي في تدبير المال العام، يتجلى أساساً في غياب التنسيق المسبق بين مختلف المتدخلين، الأمر الذي أثّر سلباً على العلاقة بين التمويل والنتائج، ولم يسهم في تسريع وتيرة الإنجاز أو تحسين جودة المشاريع.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولفت نشطاوي إلى أن التسريع في وتيرة الإنجاز تم أحياناً على حساب الجودة، مما انعكس على الصورة النهائية لبعض المشاريع المقدَّمة للعموم"، مستدلاً بمشروع "مراكش الحاضرة المتجددة"، الذي رُصدت له اعتمادات مالية ضخمة قُدّرت بمليارات الدراهم، غير أن نتائجه جاءت مخيبة للآمال، بل إن عدداً من المشاريع المرتبطة به لم يرَ النور أو تم تغيير طبيعته.
ولفت المتحدث إلى توقف أكثر من 100 مشروع، وفق ما ورد في التقرير، مما أثر بشكل مباشر على حوكمة البرامج العمومية، بخاصة أن نسبة المشاريع المكتملة لا تتجاوز ثمانية في المئة، كما تم تسجيل وجود مشاريع غير مستغلة، إما بسبب نقص الموارد البشرية أو غياب الهيئات المكلفة بتشغيلها وتدبيرها.
وبخصوص عدم إرجاع أحزاب سياسية للمال العمومي إلى الدولة، أفاد نشطاوي بأن الأحزاب مطالَبة بإرجاع المبالغ العمومية غير المستعملة، سواء تلك المتعلقة بالحملات الانتخابية أو بمصاريف المهام والدراسات والأبحاث، احتراماً لمبادئ الشفافية وربط المسؤولية بالمحاسبة، وفق ما نص عليه الدستور المغربي.
تحديات تنفيذ التوصيات
على رغم أدوار الرقابة التي يضطلع بها هذا المجلس، والمتابعات القضائية التي يقف وراءها للمتورطين في سوء تدبير المال العام، فإن ثمة ضعفاً للتفاعل مع توصيات هذه المؤسسة الدستورية التي كشفت أن 82 في المئة من 300 توصية قبل نهاية 2024 لم يتم تنفيذها بينما عرفت 18 في المئة فقط طريقها إلى التنفيذ.
ترى شريفة لموير، وهي باحثة ومحللة سياسية، أن ضعف التفاعل مع توصيات المجلس الأعلى للحسابات ليس أمراً جديداً، بل يعكس إشكالاً بنيوياً تتحكم فيه مجموعة من العوامل المتداخلة التي لا تقل أهمية إحداها عن الأخرى، ويأتي في مقدمتها العامل الزمني، بخاصة في ما يتعلق بتنزيل الأوراش الإصلاحية الكبرى التي انخرط فيها المغرب.
التقرير السنوي للمجلس أكد هذه الحيثية، حين أفاد بأن عدم اتخاذ التدابير اللازمة لتنفيذ بعض التوصيات يرجع إلى عوامل عدة أبرزها ارتباط عدد منها ببرامج وإصلاحات ذات بعد استراتيجي تتطلب آجالاً زمنية أطول للتنفيذ، وتستوجب تنسيق الجهود والتعاون بين قطاعات وأجهزة عمومية عدة".
واستطردت لموير "على رغم هذا الواقع لا يمكن إنكار الدور الذي تضطلع به الرقابة المالية للمجلس الأعلى للحسابات، باعتباره أعلى هيئة للرقابة المالية في المملكة، وأسهمت خلال السنوات الأخيرة بشكل ملموس في تعزيز تدبير المال العام وترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، على أن نجاعة عمل المجلس لا تزال تواجهها عراقيل بنيوية ومؤسساتية عدة".
وتشرح الباحثة "من أبرز هذه الإكراهات الحاجة إلى تجويد الترسانة القانونية المؤطرة لعمل المجلس، بما يسمح بمواكبة التحديات الراهنة، ويُيسّر أداء مهامه الرقابية بعيداً من أية تأثيرات قد تُضعف جهوده أو تحدّ من فعاليته واستقلاليته"، فتعزيز هذا الإطار القانوني، بحسب لموير، يُعد مدخلاً أساسياً لتقوية دور المجلس وتمكينه من مواكبة المسار الإصلاحي بالمغرب.
وخلصت إلى أن "المجلس الأعلى للحسابات يظل ركيزة أساسية في تنزيل الأوراش الكبرى، والارتقاء بفعالية أدائه يقتضي تعزيز استقلاليته القانونية والمؤسساتية، بما ينسجم مع متطلبات الإدارة الجيدة وتطلعات الإصلاح".