ملخص
اشتكى مواطنون من ارتفاع بعض المواد الاستهلاكية وبعض الحاجات الضرورية في مثل كارثة طبيعية كالفيضانات، إذ ارتفع على سبيل المثال سعر الشمعة الواحدة من درهم واحد إلى 15 درهماً (1.64 دولار).
في خضم عديد من المشاهد الإنسانية والمبادرات التضامنية التي واكبت الفيضانات التي تشهدها حالياً مدينة القصر الكبير في المغرب، ومدن أخرى كذلك بدرجات متفاوتة الحدة، ظهرت سلوكيات سلبية تتنافى مع تلك المبادرات، وتتمثل في استغلال حاجة المتضررين برفع أسعار بعض المواد الاستهلاكية أو رفع أسعار خدمات النقل.
ويطلق كثيرون على الواقفين وراء هذه السلوكيات وصف "تجار الأزمات" أو "تجار المآسي"، الذين يستغلون ظروف الكوارث الطبيعية وحتى المناسبات الدينية الموسمية من أجل البحث عن "الربح السريع" على حساب المتضررين والمستهلكين.
استغلال الكارثة
بقدر ما شهدت القصر الكبير المغربية، التي صارت "مدينة أشباح" بعد إخلائها شبه الكامل من طرف السلطات المعنية مساء الثلاثاء الثالث من فبراير (شباط) خشية حدوث فيضانات مدمرة مرتقبة، مبادرات تضامنية لإيواء المتضررين، تفشت سلوكيات جانبية تستغل هذا الوضع الاستثنائي والمربك للمدينة وسكانها.
واشتكى مواطنون من ارتفاع بعض المواد الاستهلاكية وبعض الحاجات الضرورية في مثل كارثة طبيعية كالفيضانات، إذ ارتفع على سبيل المثال سعر الشمعة الواحدة من درهم واحد إلى 15 درهماً (1.64 دولار).
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
واستنكرت مواطنة من ساكنة القصر الكبير، ما سمته الاستغلال البشع لظروف الناس الذين يضعون أيديهم على قلوبهم خوفاً من فيضانات قد تكون أكثر تدميراً من السيول التي أغرقت عدداً من البيوت والمحلات والمرافق العمومية بالمدينة.
ورفع بعض التجار والبائعين في الدكاكين والمحلات سعر الشموع، بالنظر إلى قرار السلطات المحلية إطفاء الكهرباء في الكثير من أحياء المدينة المنكوبة، وهو ما اعتبره المتضررون استغلالاً غير مقبول لمأساتهم مع تداعيات السيول.
وفي السياق عرفت أسعار النقل، خصوصاً سيارات الأجرة من الحجم الكبير التي تربط القصر الكبير بمدن أخرى، ارتفاعا لافتاً، كما هو الشأن بأسعار بعض المواد الاستهلاكية التي عرفت المصير نفسه في خضم الفيضانات التي تلاحق المدينة.
وأيضا اشتكى عديد من المتضررين من الفيضانات من رفع بعض مالكي البيوت والشقق للسومة الكرائية (مبلغ الإيجار)، مستغلين الحاجة الماسة للمتضررين الذين غادروا منازلهم قسراً بهدف ربح المال من خلال الرفع من سعر الكراء.
تجار المآسي
تصرفات "تجار الأزمات" هذه اعتبرها بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، غير مقبولة أخلاقياً واجتماعياً وإنسانياً واقتصادياً، باعتبار أن تجار المآسي يستلغون ضعف وهشاشة المواطنين في أحلك الفترات وأصعب الظروف مثل الكوارث الطبيعية من زلازل وفيضانات من أجل الاغتناء بطرق ملتوية.
وأكد الخراطي أن هذه الظاهرة تستوجب من الحكومة التدخل العاجل من أجل تطبيق الفصل الرابع من قانون حرية الأسعار والمنافسة، بالنظر إلى أن المغرب يعيش حالاً استثنائية في مناطق منكوبة عدة بسبب الفيضانات والتساقطات الغزيرة، مثل القصر الكبير ومنطقة الغرب وغيرهما.
ويورد الفصل الرابع من القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة في المغرب، أنه يتعين على رئيس الحكومة أو السلطة الحكومية المفوضة لذلك اتخاذ تدابير موقتة لتحديد الأسعار في حالات استثنائية، مثل الأزمات والكوارث أو اختلالات السوق، وذلك بعد استشارة مجلس المنافسة ولجنة الأسعار المشتركة، مع إمكانية تسريع هذه الإجراءات.
وشدد الخراطي على أنه يجب على السلطات الحكومية المعنية تسقيف الأسعار والسهر على تطبيق هذا القرار داخل هذه المناطق المتضررة من الكوارث الطبيعية"، مبرزاً أنه يجب أيضاً التدخل المسبق في مناطق أخرى تتهددها الفيضانات بهدف كبح أي تصرف مماثل غير مقبول بالمرة".
مطالب تدخل الحكومة من أجل كبح جماح "تجار الأزمات" رد عليها وزير التجارة المغربي رياض مزور، الإثنين الماضي ضمن جواب له على أسئلة برلمانيين حول هذا الموضوع، بالتأكيد على أن جميع المتلاعبين في الأسعار باستغلال الكوارث الطبيعية التي يعيشها المغرب سيواجهون "عقوبات صارمة" وفق تعبيره.
وتوعد المسؤول الحكومي "تجار الأزمات" الذين يستغلون الأزمات والكوارث الطبيعية للزيادة في الأسعار، وقال "لا نقبل بالزيادات في الأسعار إبان فترات الكوارث الطبيعية، والفاعلون سيلقون جزاءهم".
أرض خصبة
هذه المقاربة الردعية التي تبديها الحكومة المغربية حيال "تجار المآسي"، يعتبرها الباحث في الاقتصاد الاجتماعي عبد الرزاق بلملاح، غير كافية على رغم أنها مهمة وضرورية، إذ يتعين بحسبه معالجة المسببات الأصلية لهذه الظاهرة المشينة.
وعزا بلملاح تفشي وتناسل "تجار الأزمات" خلال فترات الكوارث الطبيعية بالخصوص إلى مجموعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية المترابطة والمتشابكة، مؤكداً أنه "إضافة إلى الزجر والدرع بالقوانين والعقوبات المادية والحبسية، يجب على الدولة سن مقاربة استباقية حتى قبل وقوع هذه السلوكيات المختلة".
وأرجع الباحث ضعف المقاربة الاستباقية للسلطات في فترة الأزمات مما يسمح بترعرع تجار الأزمات، إلى انشغال السلطات المعنية بتداعيات الظرف المتمثلة في الكارثة الطبيعية، الشيء الذي يخلق فراغات ومساحات تعبث فيها شبكات تجارة الأزمات والمآسي.
ونبه إلى مسألة أخرى لا تقل أهمية، تتمثل في الارتباك الذي قد يقع في منظومة السوق من خلال قانوني العرض والطلب، إذ إن الكارثة الطبيعية غالباً ما تؤثر سلباً في تزويد السوق بالمواد، مما يمكن أن ينتج منه ارتفاع في بعض المواد الاستهلاكية"، مستدركاً بأن "هذا السبب ليس مبرراً لتجار الأزمات استغلال الوضع ورفع الأسعار بشكل مرفوض".
ونادى الباحث من أجل الخروج من وضعيات الاستغلال التي تتفشى في فترات الكوارث كما حصل في "زلزال الحوز" عام 2023، إلى تعميم تجربة منصة المخزون والاحتياطات الأولية التي دشنها العاهل المغربي في مايو (أيار) الماضي والخاصة بجهة الرباط لتشمل بقية جهات المملكة.
وكان الملك محمد السادس أعطى انطلاقة أشغال إحداث منصة كبرى للمخزون والاحتياطات الأولية من خيام وأغطية وأدوية ومواد غذائية، بهدف مواجهة الكوارث الطبيعية والوقوف أمام تجار الأزمات.