Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"أجساد هشة" في سوق المهن الشاقة بالمغرب

يعزى عمل الأطفال في مهن متعبة وخطرة إلى عوامل الفقر والهشاشة الاجتماعية وضعف الدراسة

"مدونة الشغل" المغربية التي يرجع تاريخ صدورها إلى عام 2004 تضمنت ديباجة تدعو إلى القضاء الفعلي على تشغيل الأطفال (أ ف ب)

ملخص

تفيد الأرقام الرسمية التي نشرتها المندوبية السامية للتخطيط في المغرب بأن زهاء ثلثي الأطفال العاملين، بنسبة تصل إلى 62.7 في المئة، يزاولون أعمالاً مصنفة ضمن خانة الأنشطة والمهن الخطرة، وهو ما يعادل نحو 62 ألف طفل، أي ما يمثل 0.8 في المئة من مجموع الأطفال المنتمين إلى الفئة العمرية بين 7 و17 سنة.

يحاول طفل التقاط أنفاسه بمشقة بالغة بعد حمله أكياس الأسمنت إلى الطابق الرابع في أحد الأبنية السكنية داخل حي شعبي بضواحي العاصمة المغربية الرباط، حيث يعمل مساعداً لبناء، يحمل الأشياء الثقيلة وينفذ بعض المهام الشاقة.

هو طفل من بين 62 ألفاً من أقرانه يمارسون مهناً وأعمالاً شاقة في المغرب، خلال وقت يبلغ فيه عدد الأطفال العاملين الذين تراوح أعمارهم بين 7 و17 سنة، 101000 طفل خلال عام 2024، وفق تقرير رسمي سابق للمندوبية السامية للتخطيط (مؤسسة حكومية).

وتعزو تقارير رسمية ظاهرة عمل الأطفال في مهن شاقة بالمغرب إلى عوامل الفقر والهشاشة الاجتماعية وضعف الدراسة، بينما يحذر فاعلون ومتخصصون من أخطار انتهاكات جسيمة لحقوق الطفل، وفي صدارتها الحق في التعليم والحماية والنمو السليم، فضلاً عن تداعيات نفسية واجتماعية عدة.

خريطة رسمية

تفيد الأرقام الرسمية التي نشرتها المندوبية السامية للتخطيط بأن زهاء ثلثي الأطفال العاملين، بنسبة تصل إلى 62.7 في المئة، يزاولون أعمالاً مصنفة ضمن خانة الأنشطة والمهن الخطرة، وهو ما يعادل نحو 62 ألف طفل، أي ما يمثل 0.8 في المئة من مجموع الأطفال المنتمين إلى الفئة العمرية بين 7 و17 سنة. ووفق نفس المصدر الرسمي، تتركز هذه الظاهرة بصورة لافتة داخل القرى والبوادي، التي تستحوذ على 73.1 في المئة من الحالات، مع هيمنة واضحة للذكور بنسبة 89.8 في المئة، خصوصاً في الفئة العمرية الممتدة بين 15 و17 سنة، التي تمثل 84.4 في المئة من مجموع الأطفال المشتغلين.

وعلى مستوى القطاعات الاقتصادية، تسجل أعلى نسب التعرض للأخطار في قطاعي الصناعة والبناء والأشغال العمومية بنسبة 88.6 في المئة و74.4 في المئة على التوالي، يليهما قطاع الخدمات بنسبة 71.1 في المئة، ثم قطاع الفلاحة والغابة والصيد بنسبة 51.7 في المئة.
أما من الناحية الأسرية، فتظهر ذات البيانات أن تشغيل الأطفال يمس نحو 73 ألف أسرة مغربية، أي ما يعادل واحداً في المئة من مجموع الأسر، تتركز نسبة 70 في المئة منها في العالم القروي. وتبرز الظاهرة بصورة أوضح داخل الأسر ذات الحجم الكبير، والتي يترأسها أشخاص بمستوى تعليمي محدود، إذ تصل النسبة إلى 1.2 في المئة في الأسر التي يعيلها شخص من دون أي مستوى دراسي، مقابل تراجع ملموس في الأسر التي يترأسها أشخاص حاصلون على تعليم عالٍ.

وبخصوص علاقة اشتغال الأطفال في مهن تصنف خطرة أو شاقة مع مستوى التعليم، تورد الأرقام الرسمية أن 87.7 في المئة من هؤلاء الأطفال غادروا المدرسة، و10.7 في المئة يعملون بالتوازي مع دراستهم، و1.6 في المئة من هذه الفئة من الأطفال لم يسبق لهم دخول المدارس.

فقر ودراسة

يرجع الفتى القاصر اختياره لمهنة "خدام"، أي مساعد البناء "المعلم"، إلى ظروف أسرته الفقيرة التي تعيش في أحد الأحياء الهامشية بضواحي الرباط، فقال إن والده كان بناءً قبل أن يُتوفى ليجد نفسه يتيماً داخل أسرة لا معيل لها، فاضطر إلى سلوك "حرفة الوالد"، وفق تعبيره.

وأوضح الفتى أنه بدأ العمل في هذه المهنة الشاقة والخطرة قبل سنة تقريباً، وأنه يأمل "تسلق الدرجات" في هذه المهنة، من مجرد "حمال" إلى "خدام" ثم إلى معلم"، ليكون بناءً يتكلف ببناء المنازل.
وحول الأخطار التي تعترضه في هذا النشاط المهني، كشف عمر أن الأحمال الثقيلة تؤثر في جسده، كما أن الصعود أحياناً فوق سلالم خشبية عشوائية تخيفه كثيراً، مبرزاً أنه "مُجبر على ممارسة هذا العمل"، وإلا فإنه كان يأمل استكمال دراسته مثل باقي الأطفال.

مهنة البناء ليست وحدها التي توصف بكونها مهنة خطرة وشاقة بالنسبة إلى فئة الأطفال والقاصرين، بل هناك أيضاً مهنة الحدادة والنجارة وإصلاح السيارات (الميكانيك)، وغيرها من المهن التي تجمع بين المشقة والأخطار الجسدية والنفسية أيضاً.

ثمة قاصر أيضاً لم يتجاوز بدوره سن الـ18، يعمل في ورشة للنجارة بمدينة سلا، يقول إنه يعمل في مهنة النجارة لأنه لم يجد بديلاً، بعد طرده من المدرسة بسبب مستواه التعليمي السيئ.

ويكشف أن أخطار مهنة النجارة التي يزاولها في ورشة يمتلكها نجار مهني محترف تتمثل في خطر التعرض لإصابات أو عاهات جسدية، مثل الجروح وبتر الأصابع جراء استخدام المنشار والآلات الحادة، وأيضاً إلى أمراض تنفسية بسبب استنشاق غبار الخشب.

 

دوافع ومخاطر

في هذا الصدد ترى الباحثة الاجتماعية ابتسام العوفير أن "أبرز سبب يضطر الأطفال والقصر إلى مزاولة مهن شاقة وخطرة، هو وضعية الفقر والهشاشة الاجتماعية والاقتصادية للأسرة التي تعجز عن تلبية أدنى الشروط المعيشية لحياة كريمة لأفرادها".

وتابعت أن "حالة الفقر والفاقة والهشاشة المالية للأسرة تجعل الطفل مضطراً إلى محاولة كسب لقمة العيش أو لإعالة عائلته، سواء كان قراراً ذاتياً له أو بضغط من والديه، فيمتهن أحياناً أنشطة مهنية خطرة لا تناسب سنه وحتى تكوينه الجسدي والنفسي".

وسجلت العوفير ضمن السياق ذاته أن "عدم متابعة الدراسة أو الهدر المدرسي أيضاً عوامل مؤثرة تدفع بالطفل أو القاصر إلى البحث عن أية مهن كيفما كان، حتى لو كانت خطرة وشاقة للتعويض عن مغادرة المدرسة"، مشيرة إلى أن "عطلة الصيف تكون مناسبة لبعض الأطفال والقصر للعمل في تلك المهن من أجل توفير بعض النقود لشراء ملابس أو لوازم الموسم الدراسي الجديد".
مندوبية التخطيط ربطت بدورها ظاهرة عمل الأطفال والقاصرين في مهن شاقة بالفقر والهشاشة الاجتماعية وضعف التمدرس، محذرة من وقوع هؤلاء الأطفال في براثن الاستغلال الاقتصادي، وبخاصة داخل القرى والمهن ذات الطابع اليدوي والشاق. وإضافة إلى الاستغلال الاقتصادي، تعدد الباحثة نفسها أضراراً كثيرة أخرى للمهن الشاقة التي يعمل فيها الأطفال والقصر، منها الأخطار الصحية من قبيل مشكلات تصيب الجهاز التنفسي في مهنتي النجارة والميكانيك، أو التعرض لأضرار جلدية مثل مهنة الصباغة، دون احتساب أخطار السقوط من أماكن مرتفعة، والكسور، والعاهات التي تنجم عن ذلك.

انتهاكات حقوقية

وعدا عن الأخطار الجسدية والصحية وحتى النفسية التي قد تلاحق الطفل والقاصر الذي يعمل في مهن شاقة وخطرة، مثل البناء والنجارة وإصلاح السيارات، يمكن رصد تجاوزات وانتهاكات جسمية لحقوق الطفل.

يقول مدير المركز المغربي لحقوق الإنسان عبدالإله الخضري إنه "على رغم كون تعلم الحرف يعد تقليداً قديماً موجوداً في مختلف المجتمعات، فإن الإشكال الحقيقي يكمن في الزج بالأطفال في ورش خطرة وخلال سن مبكرة، وضمن ظروف قاسية تحرمهم أبسط حقوقهم وعلى رأسها الحق في التعليم والحماية والنمو السليم".

وأفاد الخضري بأن "الوضع الاجتماعي والاقتصادي الهش والتفكك الأسري وارتفاع معدلات الفقر والهدر المدرسي، كلها عوامل تدفع بآلاف الأطفال إلى سوق العمل باكراً قصد المساهمة في إعالة أسرهم، في ظل استغلال أرباب العمل لأجورهم الزهيدة وسهولة التحكم فيهم".

واستطرد المتحدث أنه "على رغم وجود قوانين تمنع تشغيل الأطفال في الأعمال الخطرة، فإن ضعف المراقبة وصعوبة تفعيل هذه القوانين يجعلانها غير كافية لحماية هذه الفئة، إذ لا يتم التحرك في الغالب إلا بعد وقوع حوادث مأسوية".

ولفت الخضري إلى أن "الأطفال المنتشرين في الشارع يظلون الأكثر تضرراً، واستمرار هذا الوضع يعكس قصور السياسات العمومية عن انتشال الأطفال المغاربة من مزاولة الأعمال الشاقة، ويؤكد الحاجة الملحة إلى رؤية تنموية حقيقية تقوم على دعم الأسر الهشة وتعزيز التعليم والحماية الاجتماعية وتطبيق القانون بصرامة، علاوة على أهمية مساهمة المجتمع المدني وكذلك الأذرع الاجتماعية للشركات الكبرى، لما لها من دور فعال في تمويل ودعم وإطلاق مبادرات تعليمية لفائدة الأطفال، حفاظاً على كرامة الطفل وضماناً لمستقبل الأجيال القادمة".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تباين القوانين

أمام استمرار تشغيل الأطفال في مهن شاقة وخطرة بالمغرب، كيف يواجه القانون هذه الظاهرة السلبية التي تضر بالطفل والقاصر؟ يجيب المحامي بهيئة الجديدة وهابي رشيد بأن "هناك تبايناً في القوانين بين التي تعاقب المخالفين بشدة وحزم، وتلك التي تتساهل في معاقبة المتورطين في تشغيل الأطفال دون سن الـ18 في مهن شاقة".

يشرح وهابي أن "مدونة الشغل" المغربية التي يرجع تاريخ صدورها إلى عام 2004 تضمنت ديباجة تدعو إلى القضاء الفعلي على تشغيل الأطفال، ونصت على منع تشغيل الأحداث، أي من يقل عمرهم عن 15 سنة بمقتضى المادة 143 من مدونة الشغل في جميع الأشغال، ويكون عقاب المخالف بغرامة بين 25 ألف درهم و30 ألف درهم (بين 2500 دولار و3000 دولار)، وفي حالة العود تضاعف عقوبة الغرامة، ويمكن أن يُحكم على المخالف بالحبس من ستة أيام إلى ثلاثة أشهر، حسب المادة 151 من مدونة الشغل المغربية.

ويرى المحامي ذاته أن هذه العقوبات لا يمكن أن تكون رادعة لمشغلي أطفال يقل عمرهم عن 15 سنة، وإذا كان المنع من التشغيل يقع على من يقل عمرهم عن 15 سنة فإن تشغيل أحداث يراوح سنهم ما بين 16 و18 سنة يُسمح به بشروط، مثل ضرورة الحصول على إذن مكتوب يسلمه مسبقاً مفتش الشغل، والحصول على موافقة ولي أمر الحدث.

واسترسل وهابي قائلاً "من جهة أخرى، قد يعد فعل تشغيل القاصرين أقل من 18 سنة في جميع الأحوال، جريمة اتجار بالبشر في حق المشغل طبقاً للفصل 4-448 من القانون الجنائي المغربي، التي يعاقب عليها بالسجن من 20 إلى 30 سنة وغرامة من 20 ألفاً إلى مليوني درهم في عدد من الحالات، ومنها إذا استُغل طفل قاصر دون الـ18 بتشغيله في أعمال شاقة أو عنيفة.

ويرى المتحدث أن "هذا الفصل القانوني كافٍ ليكون سيفاً مصلتاً بشكل لا يرحم ضد كل رب عمل يشغل أو يسعى إلى تشغيل طفل يقل عمره عن 18 سنة، في عمل من الأعمال، متى اعتبر التشغيل قسرياً لتجعل فعل الاستغلال قائماً، بما يستدعي إنزال عقوبة هذا الفصل الصارم الذي يمكن أن يحول تشغيل طفل إلى فعل جناية تنزل على مرتكبيها عقوبات ثقيلة".

حكومة وبرلمان

 تحت قبة البرلمان، دق نواب ونائبات ناقوس الخطر في شأن استمرار آفة تشغيل الأطفال والقاصرين في مهن شاقة. وقالت البرلمانية سلوى البرادعي في هذا الصدد إن هذه الظاهرة تؤشر إلى ما سمته "فشل السياسات الاجتماعية. وتضع المغرب أمام مسؤولياته الدولية، وبخاصة في ما يتعلق بالاتفاقات الموقعة في مجال حقوق الطفل ومكافحة تشغيل القاصرين".

من جانبها، أفادت البرلمانية نادية تهامي بأن "الأرقام المهولة التي أوردها المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، العام الماضي، حول الأشخاص خارج المدرسة وخارج التكوين وخارج الشغل، والأرقام المفزعة لعدد الأطفال المنقطعين عن الدراسة سنوياً (بين 280 و300 ألف منقطع سنوياً) يتعين على الحكومة تفعيل مقتضيات حظر وتجريم تشغيل الأطفال بصفة عامة، وفي أعمال خطرة على وجه التحديد".
على الجانب الآخر من هذا الموضوع، تعد الحكومة المغربية أنها تقوم بجهود مضنية وحثيثة لمحاربة تشغيل الأطفال بصفة عامة، وخصوصاً في مهن شاقة وخطرة، معتبرة أن هذه الجهود تنضوي تحت سياسة تطوير قطاع الطفولة.

وصرح وزير التشغيل المغربي يونس السكوري في لقاء دولي بجنيف بأن "هذه الجهود أتاحت خفض عمل الأطفال بنسبة 55 في المئة منذ عام 2017، وأنه من بين 7 ملايين و775 ألف طفل تراوح أعمارهم ما بين 7 و17 سنة، بلغ عدد المنخرطين في أنشطة اقتصادية عام 2023 نحو 110 آلاف طفل، وهو ما يمثل 1.4 في المئة من هذه الفئة العمرية.

وبالنسبة إلى هذا المسؤول الحكومي، 60 في المئة من هؤلاء الأطفال يعملون مع أسرهم في أنشطة خاصة في البوادي والقرى، مسجلاً أن "هذه الحالات على رغم أنها لا تندرج ضمن مهن الأطفال، لا يتعين قبولها أيضاً".

اقرأ المزيد

المزيد من تحقيقات ومطولات