ملخص
يمكن لهذه الأحزاب السياسية الجديدة التي تحاول الوجود خلال الانتخابات أن تسهم في تجاوز حال العزوف السياسي والانتخابي، لا سيما إذا استطاعت تقديم برامج متطورة ومنفتحة، تؤسس لعمل حزبي جاد ومسؤول قائم على التداول السلمي للسلطة.
تبحث أحزاب سياسية جديدة عن موافقة السلطات المغربية لملفات تأسيسها، قبيل تنظيم الانتخابات التشريعية المقررة في سبتمبر (أيلول) المقبل، حيث تقبل وزارة الداخلية ولادة أحزاب سياسية، وترفض أحياناً إنشاء أحزاب أخرى لأسباب تتعلق بعدم مطابقة أحكام القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية.
ظهور أحزاب جديدة قبل الانتخابات التشريعية بالمغرب يعيد إلى واجهة النقاش موضوع جدوى إحداث هذه الهيئات السياسية، بين من يراها داعمة للتعددية السياسية والحزبية بالبلاد، شريطة تحقيق بعض المتطلبات المرتبطة بالديمقراطية الداخلية للأحزاب، وبين من يعدها مجرد ظاهرة تبزغ في موسم الانتخابات، ثم لا تلبث أن تختفي بعد ذلك.
ولادة أحزاب
توصلت وزارة الداخلية المغربية أخيراً بملف تأسيس حزب جديد اختار له اسم "التضامن الشعبي"، غير أنها لم تمنح بعد ترخيصاً نهائياً لهذا الحزب، مشترطة استيفاء بعض الشروط القانونية، من بينها عقد المؤتمر التأسيسي وفق الشروط المحددة في القانون التنظيمي للأحزاب السياسية، وهو ما يتيح إما تثبيت الترخيص بتأسيس الحزب، وإما ترتيب الآثار القانونية اللازمة في حال الإخلال بالشروط المطلوبة.
ويقدم حزب التضامن الشعبي نفسه على أنه يروم دعم التماسك الاجتماعي، من خلال التركيز على الفئات الهشة والطبقة المتوسطة، وأيضاً استقطاب الكفاءات الشابة، وتبني هدف تحقيق "الدولة الاجتماعية" وقضايا المواطن المرتبطة بعيشه اليومي.
وفي وقت تبحث فيه أحزاب سياسية جديدة عن موطئ قدم في المشهد السياسي بالبلاد، قبيل تنظيم الانتخابات البرلمانية، يستعد حزب التجديد والتقدم للتقدم للمرة الأولى إلى الانتخابات المقبلة، وهو الذي يتبنى وفق أدبياته الدفاع عن استكمال الوحدة الترابية وتدبير الشأن العمومي والمشاركة فيه بطرق ديمقراطية وصيانة كرامة المغاربة وحقهم في العيش الكريم.
ويورد الفصل السابع من الدستور المغربي أن "الأحزاب السياسية تعمل على تأطير المواطنات والمواطنين وتكوينهم السياسي، وتعزيز انخراطهم في الحياة الوطنية وفي تدبير الشأن العام، وتسهم في التعبير عن إرادة الناخبين والمشاركة في ممارسة السلطة، على أساس التعددية والتناوب، بالوسائل الديمقراطية وفي نطاق المؤسسات الدستورية".
ووفق الوثيقة الدستورية أيضاً تؤسس الأحزاب وتمارس أنشطتها بحرية في نطاق احترام الدستور والقانون، كذلك "لا يجوز أن تؤسس الأحزاب السياسية على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي، وبصفة عامة، على أي أساس من التمييز أو المخالفة لحقوق الإنسان، ولا يجوز أن يكون هدفها المساس بالدين الإسلامي، أو بالنظام الملكي، أو المبادئ الدستورية، أو الأسس الديمقراطية، أو الوحدة الوطنية أو الترابية للمملكة".
حق دستوري
يرى في هذا السياق الحبيب إستاتي زين الدين، المتخصص في مجال القانون الدستوري والعلوم السياسية في جامعة مراكش، أن تأسيس أحزاب سياسية جديدة قبيل الانتخابات البرلمانية يعد ممارسة لحق دستوري مشروع، ما دام يجري في إطار الفصل السابع من دستور 2011، وفق المقتضيات التي يحددها القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، بما في ذلك مساطر التصريح والإيداع والحصول على الوصل القانوني من وزارة الداخلية.
ومن هذه الزاوية يؤكد زين الدين أنه "لا يمكن من حيث المبدأ التشكيك في مشروعية أي مبادرة حزبية جديدة، كما لا يصح إصدار حكم مسبق عليها قبل التعرف على مكوناتها البشرية وفلسفتها العامة والأسس الفكرية والسياسية التي تنطلق منها".
واستدرك المتحدث بأن منطق الفعل السياسي يقتضي التمييز بين التأسيس كحق قانوني والتأسيس كقيمة مضافة للمشهد الحزبي. فالحزب السياسي ليس مجرد أداة انتخابية ظرفية، بل هو إطار دائم لتأطير المواطنين وتنظيم مشاركتهم في الشأن العام وصياغة تمثلات جماعية لقضايا المجتمع.
وفق إستاتي التأطير في هذا المعنى، لا ينبغي أن يختزل في لحظة الانتخابات التشريعية، مهما كانت أهميتها، لأن هذه الأخيرة تظل مجرد محطة من محطات متعددة يعيشها المجتمع سياسياً، لذلك، فإن أي حزب يبنى فقط بمنطق الاستحقاق الانتخابي القريب، ومن دون رؤية ممتدة في الزمن، يصعب أن يقدم إضافة نوعية للعمل السياسي أو أن يسهم في ترسيخ الثقة في الوساطة الحزبية.
إنتاج فكر سياسي جديد
وسجل إستاتي زين الدين أن هذا الإشكال يزداد وضوحاً في السياق المغربي، حيث كشفت التجربة خلال الولاية التشريعية الحالية عن فراغ ملحوظ في التفاعل الحزبي مع عدد من الظواهر والقضايا الاجتماعية والسياسية، باستثناء حالات محدودة.
هذا الواقع، يتابع الأستاذ الجامعي، يطرح سؤال الحاجة إلى أحزاب قادرة على إنتاج فكر سياسي جديد يستوعب التحولات العميقة التي تعرفها البلاد، سواء على مستوى البنية الاقتصادية أو على مستوى التحولات الاجتماعية والقيمية، بدل الاكتفاء بإعادة إنتاج خطابات عامة أو وعود انتخابية قصيرة النفس.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
من هذا المنطلق، يكمل المحلل نفسه، لا يبدو أن التحدي الحقيقي يكمن في عدد الأحزاب السياسية، حتى وإن اقترب من 40 حزباً، بقدر ما يكمن في قدرتها على الإقناع وحسن التموقع داخل المجتمع المغربي. ويشرح "تحقيق نتائج انتخابية ذات دلالة يقتضي زمناً كافياً لبناء قواعد تنظيمية فعلية وتكوين مناصرين وترسيخ هوية أيديولوجية واضحة، إلى جانب التعريف ببرنامج سياسي قابل للفهم والتملك من طرف المواطنين. كذلك يتطلب الأمر توفر نخب وأطر مؤهلة قادرة على التأطير والتواصل وربط الفعل السياسي بتوقعات المجتمع".
وخلص إستاتي زين الدين إلى معادلة جوهرية هي أن "تأسيس الأحزاب قبيل الانتخابات، قد يحمل منافع محتملة إذا اندرج ضمن مشروع سياسي متكامل وطويل المدى، لكنه قد يتحول إلى عامل إضعاف إضافي للمشهد الحزبي إذا ظل محكوماً بمنطق انتخابي صرف"، مورداً أن "معيار التقييم الحقيقي لأي تجربة حزبية يظل في قدرة الحزب على الاستمرار وملء الفراغ التمثيلي والفكري، وعلى جعل السياسة ممارسة جماعية منتظمة، لا مجرد موعد انتخابي عابر".
إضافات سياسية
من جهته يفصل إدريس لكريني، أستاذ الحياة السياسية في جامعة القاضي عياض، في جدل ظهور أحزاب سياسية جديدة في الفترة الزمنية التي تسبق إجراء الاستحقاقات التشريعية، بتأكيد وجود إيجابيات وسلبيات لهذه السلوك الحزبي والسياسي بالبلاد.
في المنظور الإيجابي، يقول لكريني إنه يمكن للأحزاب السياسية الجديدة أن تشكل إضافة نوعية للمشهد السياسي المغربي، لا سيما في تجاوز الإشكالات التي تواجه العمل الحزبي الراهن، مثل الحاجة إلى تجديد النخب، خصوصاً أن عديداً من الأحزاب تعاني الرتابة وعدم تجديد قياداتها، وعدم إشراك الشباب في مواقع المسؤولية.
واستطرد الأستاذ الجامعي ذاته بأنه يمكن لهذه الأحزاب السياسية الجديدة التي تحاول الوجود خلال الانتخابات، أن تسهم في تجاوز حال العزوف السياسي والانتخابي، لا سيما إذا استطاعت تقديم برامج متطورة ومنفتحة، تؤسس لعمل حزبي جاد ومسؤول قائم على التداول السلمي للسلطة.
وأكمل المتحدث عينه قائلاً "من شأن ذلك أن يحفز المواطنين على المشاركة بكثافة في الانتخابات المقبلة، ويسهم في بلورة برامج جديدة تعكس التحولات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يشهدها المغرب، خصوصاً أن البرامج التي تقدمها الأحزاب التقليدية غالباً ما تكون متشابهة، وغير محضرة بدقة".
إضافة إلى ذلك وفق لكريني، تتيح هذه الأحزاب فرصة لإعادة الحيوية إلى الخطاب السياسي وتطويره، لا سيما في قدرة هذه الأحزاب على إقناع المواطنين والشباب بالانضمام إليها واعتناق توجهاتها، مما يعزز التنافسية بين الأحزاب، وهو رهان يسعى المغرب إلى تحقيقه، بخاصة في ظل انخفاض نسب المشاركة في التجارب الانتخابية السابقة.
الكفاءات والطاقات
وفي المقابل، هناك جوانب سلبية في ظاهرة ولادة أحزاب جديدة في مرحلة ما قبل الانتخابات التشريعية بالمغرب، ويرى لكريني أنها تتمثل في "إرباك هذه الأحزاب الوليدة للمشهد السياسي إذا لم تتمكن من تقديم إضافات أو بدائل حقيقية، أو إذا كررت مظاهر الفشل التي عانتها الأحزاب التقليدية، خصوصاً إذا كانت هذه الأحزاب متفرعة أو منشقة عن أحزاب سابقة. فقد يشكل ذلك عاملاً سلبياً يقلل من نجاعة العمل الحزبي ويعكس ضعفاً في التدبير الديمقراطي للشأن الداخلي للأحزاب".
ولا يوجد رقم ثابت للأحزاب السياسية بالمغرب بسبب دينامية تأسيس أحزاب جديدة، أو حل أحزاب سابقة، أو انشقاق أحزاب من رحم الأحزاب "الأصلية"، غير أن عدداً من المصادر المتطابقة تشير إلى أن العدد يناهز 38 حزباً سياسياً، وقد يصل إلى 40 حزباً، منها أحزاب كبيرة تملك قوة وحظوة في الخريطة السياسية، ومنها أحزاب صغيرة لا تحظى بأدوار ملموسة في الحياة السياسية للمملكة.
بالنسبة إلى لكريني، "قد لا تشكل بعض هذه الأحزاب الجديدة خياراً استراتيجياً إذا ظهرت فقط خلال المواسم الانتخابية ثم اختفت تدريجاً بعيداً من عمق المجتمع، من دون أن تترك أثراً حقيقياً في تعزيز العمل السياسي والحزبي"، مردفاً أنه "إذا لم تستطع هذه الأحزاب تطوير تصورات واضحة، قد يحدث ارتباك لدى الناخبين، ويزيد من التباين في البرامج والمخططات والتوجهات الحزبية".
وذهب لكريني في خلاصة تحليله إلى أن المغرب في الانتخابات المقبلة "في حاجة إلى دينامية جديدة في المشهد السياسي، قادرة على تعزيز الثقة في العملية الانتخابية وتقديم برامج وأفكار متناسقة، قائمة على الكفاءات والطاقات النزيهة، وبعيداً من الشخصيات المثيرة للجدل أو المشتبه في تورطها في قضايا فساد".
وانتهى المتحدث ذاته إلى أن "المحدد الأساس لنجاح هذه الأحزاب هو مدى قدرتها على تقديم قيمة مضافة حقيقية، وامتلاكها مشروعاً اجتماعياً منفتحاً وإرساء ديمقراطية حزبية متينة، مع وجود إطار قانوني يضمن المنافسة النزيهة بين الأحزاب، ويجعلها تدعم العملية السياسية وتثري العمل السياسي في المغرب".