Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"كانتوس" إزرا باوند: ملحمة القرن الـ20... وانكساراته

الشاعر على خطى هوميروس وفرجيل وصولاً إلى تبني الفاشية والنازية

إزرا باوند (1885 - 1972) (غيتي)

ملخص

انطلق الشاعر الأميركي إزرا باوند قد انطلق في كتابة قصيدته "كانتوس"، غداة انقضاء أول مذبحة بشرية في القرن الـ20 (الحرب العالمية الأولى)، عام 1918، واستمر في العمل عليها طيلة حياته، مما جعل من هذا العمل الإبداعي الكبير "مرآة" قاسية تعكس تحولات القرن نفسه

هي القصيدة الأطول في الأدب الغربي على الإطلاق، وفي الأقل كما ظهر هذا الأدب في القرن الـ20. لكنها كذلك القصيدة التي استغرقت كتابتها أطول مساحة زمنية كتب فيها شاعر قصيدة واحدة، على مدى التاريخ.

وما نتحدث عنه هنا ليس سوى قصيدة "كانتوس" ("الأناشيد") التي شرع الشاعر الأميركي إزرا باوند، يكتبها منذ عام 1918 ليرحل في عام 1972، وهو لا يزال يشعر أنها لم تكتمل بعد. لم تكتمل، حتى وإن كان عدد أبياتها قد أربى في ذلك الحين على 50 ألف بيت.

وعلى رغم هذا الحجم الاستثنائي وتلك المدة الاستثنائية التي استغرقها "نظم" هذه القصيدة، فإن هذه الـ"كانتوس" يمكن أن تقرأ في جرة واحدة كما تقرأ قصيدة عادية، من دون أن ننسى أنها قصيدة نخبوية أولاً وأخيراً، يتطلب الدخول المنطقي إليها ثقافة كبيرة وصبراً أكبر وإحساساً يبقى خارج الزمن، على رغم ما يقال عنها من أنها قصيدة الزمن الذي يمكن أن تقرأ فيه، كما قصيدة الأزمان كلها، وعلى رغم أن كثراً يلعنونها ويرجمونها، معتبرينها كلاً واحداً مع شاعرها، الذي اختار النازية والفاشية، مرجعين إيديولوجيين له في حياته ودفع الثمن غالياً، كما نعرف، وكما سنرى على أية حال.

ونعرف أيضاً، أن بعض كبار مفكري القرن الـ20 ومبدعيه قد سلكوا الدرب الإيديولوجية نفسها، فلعنوا ورجموا كما حال إزرا باوند الذي نتحدث عنه هنا (سيلين الفرنسي، وكينيث هامسن النرويجي، وحتى باناييت استراتي الروماني، لكي لا نذكر سوى هؤلاء الذين كانوا الأشهر بين الأدباء "النازيين" عند أواسط القرن الـ20).

على خطى الملحدين

والحال أنه يصعب الحديث عن شعر القرن الـ20 من دون التوقف طويلاً عند "الكانتوس"، لا بوصفها قصيدة فحسب، بل باعتبارها مشروعاً شعرياً هائلاً لشاعر حاول، في طموحه، أن يوازي "الإلياذة" والكوميديا الإلهية، وأن يكون في الوقت نفسه سجلاً شعرياً للعصر الحديث بكل تناقضاته وانكساراته. فهي ليست قصيدة تقرأ من البداية إلى النهاية بكل سهولة، بل هي نص متشظ متعدد اللغات يعكس قرناً فقد وحدته المعرفية والأخلاقية، ففقدت قصيدته بدورها وحدتها الشكلية.

وهنا قبل ولوج هذا العمل الشعري الكبير نفسه، قد يكون من المفيد أن نشير إلى أن باوند قد انطلق في كتابة قصيدته هذه، غداة انقضاء أول مذبحة بشرية في القرن الـ20 (الحرب العالمية الأولى)، وتحديداً كما أشرنا في عام 1918، مما جعل من هذا العمل الإبداعي الكبير "مرآة" قاسية تعكس تحولات القرن نفسه بدءاً من تفاؤل الحداثة المبكرة، وصولاً إلى صدمة تلك الحرب الأولى، ثم الانجراف نحو الفاشية وصولاً إلى الخيبة الأخلاقية والجنون السياسي الذي انتهى باكراً بباوند نفسه، وقد أضحى سجيناً ومداناً أخلاقياً قبل أن يكون مداناً قانونياً.

فراديس ضاعت إلى الأبد

والحقيقة أن قصيدة "الكانتوس" ترتبط بالقرن الـ20 وحداثته أولاً من خلال شكلها، فالقصيدة تقوم على التوليف والتقطيع والتجاور الصادم بين نصوص تاريخية وأسطورية وحتى اقتصادية. ففيها نقرأ هوميروس وكونفوشيوس، ونصوصاً من العصور الوسطى، ووثائق مصرفية وخطوات سياسية ولغات متعددة بدءاً بالإنجليزية واللاتينية واليونانية والإيطالية والفرنسية وصولاً إلى الصينية. بيد أن هذا التعدد اللغوي ليس ترفاً فكرياً أو ثقافياً، بل هو انعكاس مباشر لصورة عصر فقد مركزيته.

بمعنى أن القرن الـ20 هو قرن انهيار السرديات الكبرى والأديان والأفكار الكبرى، والإمبراطوريات بوصفها معاً مرجعية جامعة، وتدهور العقل التنويري بوصفه ضامنة للتقدم. ولذلك جاءت هذه القصيدة بلا حبكة واضحة وبلا بطل مركزي، بل حتى بلا خاتمة حاسمة. إنها قصيدة تبدو وكأنها أرشيف مهشم أو ذاكرة حضارية لم تعد قادرة على ترتيب نفسها، ومع ذلك ها هي تتطلع إلى إمكان أن تعبر، ليس فقط عن تلك النفس، ولكن في الوقت نفسه، وعلى الأرجح، عن افتقارها إلى أن تقول ذلك الانكسار ومكامن التدهور في زمن يرى الشاعر أنه فقد البوصلة والحماسة في وقت واحد، لكن عليه أن يستكمل مساره، وإلا فما الذي يمكنه أن يفعل في الزمن المتبقي له؟ والحقيقة أن ذلكم هو السؤال المركزي هنا. وتحديداً السؤال الحائر الذي يشعر أن عليه، بعد أن يوفر لطارحه مبرراً يفسر وجوده والأهمية المتضائلة لذلك الوجود في زمان ومكان يشعر الشاعر، وكأنه هو نفسه لم يخلق لهما، وإن كان قد خلق فيهما متطلعاً دائماً إلى المكان والزمان المغايرين "كفراديس مفقودة تبحث عن الحالمين بها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بين الشعر والتاريخ

في خضم هذا نجد كيف أن باوند يرى أن الشعر لا يمكن أن ينفصل عن التاريخ، بيد أن شاعرنا لا يبدو هنا واثقاً من أي تاريخ رسمي. وبالتالي نراه في "الكانتوس" يعيد كتابة التاريخ من منظور أخلاقي واقتصادي، مركزاً على فكرة فحواها بأن الفساد المالي والربا هما أصل الخراب في الحضارات.

والحقيقة أن هذا الهوس الباوندي بالاقتصاد، يعكس قلق القرن الـ20 نفسه بوصفه قلق الأزمات المالية والكساد العظيم وتحول الإنسان إلى مجرد رقم داخل منظومة رأسمالية عمياء. ولكن هنا بالذات، تظهر المعضلة الكبرى. فبينما يقدم باوند نفسه ناقداً للحداثة الرأسمالية، ينطلق في الوقت نفسه إلى تمجيد أنظمة شمولية وخصوصاً منها الفاشية الإيطالية، ولعل هذا ما يجعل من "الكانتوس" وثيقة مزدوجة، فهي من ناحية عمل شعري عظيم من حيث طموحها الفني، وإشكال أخلاقي محير من حيث أبعادها السياسية.

بيد أن علينا ألا ننسى هنا أن هذا التوتر نفسه، إنما هو توتر القرن الـ20، إذ تداخلت الحداثة الفنية مع الانهيار الأخلاقي، ولو من وجهة نظر محددة.

وفي نهاية الأمر تعد "الكانتوس" تجسيداً راديكالياً للحداثة الشعرية، إذ رفض باوند السرد الخطي واللغة الزخرفية والعاطفية الرومانسية، نراه يدعو بدلاً من ذلك إلى شعر يقوم على الكثافة والدقة واستدعاء المرجعية الثقافية. ونعرف كم أن هذه المبادرة تتقاطع مع روح القرن الـ20، الذي كان يبحث عن لغة جديدة، بعد أن فقد ثقته باللغة القديمة التي يرى هو نفسه كيف أنها قادت إلى الحرب والدمار، لكن المفارقة تكمن في أن باوند، الحداثي المتطرف، لجأ باستمرار إلى الماضي البعيد يستلهمه في شعره: الصين القديمة، وبلاد الإغريق، وروما، ومصر الفرعونية، والعصور الوسطى، وصولاً إلى الزمن الراهن طوال القرن الـ20 في ذروة تقدمه التقني ليجد الخلاص المنشود في العودة لما قبل الحداثة، وهذا ما يجعل "الكانتوس" أشبه بمحاولة يائسة لترميم حضارة متصدعة باللجوء إلى استدعاء شظايا حجارة آتية من حضارات سابقة بائدة.

اقرأ المزيد

المزيد من ثقافة