ملخص
ما جرى في عدن من تفكيك تدريجي لمؤسسات الدولة، وإعادة توجيه للموارد العامة، وتراجع حاد في الخدمات، لا يمكن قراءته كاختلال محلي معزول، بل كنموذج مكتمل جرى اختباره في العاصمة الموقتة للجمهورية اليمنية تمهيداً لتعميمه.
في التجربة اليمنية الراهنة، أعتقد أن عدن لم تعد مجرد مدينة أنهكتها الحرب أو أخفقت إدارتها، بل تحولت إلى مختبر فعلي لنمط حكم فرضه المجلس الانتقالي الجنوبي بوصفه سلطة أمر واقع، قبل أن تتسع طموحاته الجغرافية نحو حضرموت والمهرة.
فما جرى في عدن من تفكيك تدريجي لمؤسسات الدولة، وإعادة توجيه للموارد العامة، وتراجع حاد في الخدمات، لا يمكن قراءته كاختلال محلي معزول، بل كنموذج مكتمل جرى اختباره في العاصمة الموقتة للجمهورية اليمنية تمهيداً لتعميمه.
وعليه، لا تنطلق هذه المقالة التحليلية من سرد وقائع آنية أو مناكفة سياسية، بقدر ما تسعى إلى تفكيك البنية التي حولت المدينة إلى فضاء مفتوح للنهب المنظم، وقراءة دلالاتها الأعمق على معنى السلطة والشرعية والدولة في اليمن المعاصر، إذ تصبح السيطرة بديلاً عن الحكم، والغنيمة بديلاً عن المصلحة العامة.
دعوني أدخل في صلب الموضوع وأقول إن المعطيات المتداولة في وثائق رسمية يمنية، وما رافقها من قرارات قضائية صادرة عن النيابة العامة، تشير إلى لحظة كاشفة في مسار السلطة بوصفها أداة أمر واقع في اليمن المعاصر، فإحالة وقائع فساد وإثراء غير مشروع منسوبة إلى عيدروس قاسم الزبيدي عضو مجلس القيادة الرئاسي سابقاً إلى التحقيق القضائي بقرار النائب العام القاضي قاهر مصطفى في الـ17 من يناير (كانون الثاني)، لا تمثل في تصوري مجرد إجراء قانوني اعتيادي، بل تفتح شقاً في جدار الصمت الذي أحاط طويلاً بعلاقة القوة بالمال في المناطق الخاضعة لسلطات غير مكتملة الشرعية المؤسسية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
فضلاً عن ذلك، لا تستمد هذه اللحظة الكاشفة أهميتها من اسم عيدروس الزبيدي بوصفه شخصاً، ولا من موقعه السياسي السابق فحسب، بل من دلالتها البنيوية العميقة. فهي تكشف كيف تدار السلطة حين تنفصل عن الدولة، وحين يستعاض عن منطق المؤسسات بمنطق السيطرة. في مثل هذا السياق الصادم، لا يعود الفساد انحرافاً عرضياً يمكن عزله عن الواقع الماثل على الأرض، بل يتحول إلى نمط إدارة، وإلى لغة خفية لتنظيم العلاقة بين القوة والموارد.
لاحظوا معي من فضلكم وتأملوا التالي: في اليمن، إذ ما زالت الدولة تعاني التصدع منذ سنوات الحرب والانقلاب على الدولة بقوة السلاح، تصبح الموارد العامة مجالاً مفتوحاً لإعادة التملك القسري. فحين تغيب الدولة كمرجعية ناظمة، تتحول الإيرادات السيادية والأراضي والمؤسسات إلى غنائم سياسية، ويغدو الوصول إليها مرهوناً بالقرب من مركز القوة لا بالخضوع للقانون أو الخدمة العامة.
ضمن هذا الاختلال الفاجع، تفرغ فكرة الشرعية من بعدها الأخلاقي والقانوني. فالشرعية، كما كانت تمارس في مناطق نفوذ المجلس الانتقالي الجنوبي، لا تستمد من الالتزام بمسؤوليات الحكم، بل من السيطرة الفعلية بالسلاح. وهكذا تتحول من تعاقد سياسي مع المجتمع إلى توصيف تقني لهيمنة قائمة، تستخدم لتبرير السلطة لا لتقييدها.
في الواقع هذا الانفصال بين القوة والمساءلة يعيد إنتاج واحدة من أخطر مفارقات السياسة في التاريخ اليمني الحديث: حين لا تخضع السلطة للمحاسبة، يصبح المال العام أداة لإدامة النفوذ السياسي. وتغدو الموارد، بدلاً من أن توجه لتحسين حياة الناس، وسيلة فعالة لتثبيت مراكز القوة وبناء شبكات ولاء مغلقة.
وعليه، وفق ما هو موضح أعلاه، لا يمكن فهم الوقائع المتداولة في شأن الاستحواذ على موارد مالية من البنك المركزي في عدن على سبيل المثال لا الحصر، وتوجيهها لخدمة المجلس الانتقالي الجنوبي، بوصفها مجرد تجاوزات فردية. بل هي تعبير واضح عن منطق سياسي يرى في المؤسسات السيادية خزائن مفتوحة، وفي الدولة جسداً يمكن تقاسمه لا بناؤه.
في هذا السياق الموضح أعلاه، يصبح تدهور الخدمات في مدينة عدن نتيجة طبيعية لا خطأ إدارياً عادياً. فالكهرباء والمياه والصحة والتعليم لا تتراجع فقط بسبب شح الموارد، بل وأيضاً لأن بنية السلطة القائمة لا ترى في هذه القطاعات أولوية. فحين تدار المدينة بعقلية الغلبة، تهمش الإدارة، ويستبدل التخطيط بالجباية.
دعوني من فضلكم أشير إلى أن عدن، العاصمة الموقتة للجمهورية اليمنية، التي كانت مؤهلة لتكون نموذجاً للاستقرار النسبي بعد الحرب، جرى اختزالها في فضاء مفتوح للنهب المنظم. لم يكن ذلك قدراً محتوماً، بل نتيجة مباشرة لاستبدال الدولة بشبكات ولاء مسلحة، والمؤسسات الرسمية بمراكز نفوذ غير خاضعة لأية رقابة فعلية، (وقد أشرت إلى ذلك قبل أشهر ماضية في مقالات عدة في "اندبندنت عربية").
بيد أن هذا المسار، بكل ما حمله من اختلالات فاجعة، أفرز في المقابل وعياً اجتماعياً متنامياً داخل عدن نفسها، فالأصوات المطالبة باسترداد الأموال المنهوبة، واستعادة أراضي ومؤسسات الدولة، في اعتقادي، لا تعبر فقط عن غضب آني، بل عن إدراك متأخر لعمق الخديعة التي مورست باسم "القضية الجنوبية".
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الشعارات الثورية، حين تفرض كإرادة قسرية وتقدم بوصفها طريقاً مختصراً للخلاص، غالباً ما تنتهي إلى نتائج نقيضة. ففي غياب مشروع مؤسسي واضح، تتحول هذه الشعارات إلى غطاء لسلطة لا تختلف في جوهرها عن الأنماط التي ادعت محاربتها.
في عدن، كما في تجارب يمنية أخرى، أدت هذه المقاربة إلى فوضى أمنية، وشلل اقتصادي، وتعطيل ممنهج للمؤسسات، ونهب واسع للأراضي، وفرض جبايات غير قانونية، وتراجع حاد في مستوى الخدمات، وكل ذلك من دون أن يتحقق أي من الوعود الكبرى التي رفعت باسم التحرير أو الاستعادة أو الاستقلال.
بهذا المعنى، لا تبدو تجربة المجلس الانتقالي الجنوبي استثناء، بل في تصوري امتداد لنمط متكرر في اليمن. فالتجارب التي تبدأ بادعاء محاربة الفساد، من دون تفكيك البنية التي تنتجه، تنتهي غالباً بإعادة إنتاجه بصورة أكثر فجاجة، لأن المشكلة كما أرى لا تكمن في الخطاب بل في البنية الحاكمة له.
هنا - تحديداً - يتبدى لي التشابه البنيوي الواضح مع تجربة الميليشيات الحوثية في صنعاء. فكما استخدمت الحوثية، منذ انقلابها على الدولة بقوة السلاح في الـ21 من سبتمبر (أيلول) 2014، خطاباً أخلاقياً ودينياً لتبرير سلطتها القامعة، يوظف المجلس الانتقالي الجنوبي خطاب القضية والتمثيل لتكريس نمط حكم مغلق، يحتكر الموارد، ويقصي المجتمع، ويدير الدولة كملكية خاصة.
المعضلة إذاً لم تكن يوماً في الشعار، سواء كان وطنياً أم ثورياً أم تحررياً، بل في البنية التي تسمح بتحويله إلى قناع. فحين تدار السلطة خارج منطق الدولة، لا يعود المجتمع شريكاً في الحكم، بل يتحول إلى مورد إضافي للاستنزاف، ومعاناته اليومية إلى تفصيل ثانوي في معادلة النفوذ.
في نهاية المطاف، فإن أي أفق حقيقي للخلاص في اليمن لا يمكن أن يبدأ بتغيير الأشخاص أو إعادة تدوير الشعارات، بل بإعادة الاعتبار لفكرة الدولة ذاتها: دولة القانون الذي لا يستثني أحداً، والمساءلة والمؤسسات. من دون ذلك، ستظل كل "لحظة كاشفة" مجرد حدث عادي أو عابر، يضيء الأزمة للحظة، ثم يتركها أكثر تعقيداً، من دون أن يفتح فعلياً طريقاً واضحاً نحو مستقبل مختلف.