ملخص
يقف اليمن اليوم أمام مفترق لا يحتمل الرمادية، إما دولة تحمي الجميع وتصون حقوقهم وتحتكر العنف باسم القانون، وإما ميليشيات تنشر الفوضى بقوة السلاح وتعمم الخراب. وبين هذين الخيارين لا توجد منطقة وسطى، لأن التاريخ لا يعترف بأنصاف الدول ولا يرحم من يؤجل حسم معاركه الوجودية.
أتصور أنه لا يمكن قراءة "استهداف" موكب العميد حمدي شكري قائد الفرقة الثانية عمالقة في عدن بوصفه حادثة أمنية عادية أو معزولة، بل ينبغي وضعه في سياقه البنيوي الأوسع، باعتباره فعلاً سياسياً عنيفاً يسعى إلى تقويض لحظة انتقالية دقيقة، تتشكل فيها ملامح استعادة الدولة لوظيفتها الأساس، حماية المجال العام وضبط العنف داخله. فالإرهاب، في جوهره، لا يضرب الأشخاص بقدر ما يستهدف المعنى الذي يمثلونه.
دعوني أدخل في صلب الموضوع مباشرة وأقول إن هذه الجريمة تبدو حلقة جديدة في سلسلة محاولات منهجية لإرباك المشهد الأمني وخلط الأوراق، لا سيما في لحظة تتقدم فيها الدولة، بدعم واضح من أشقائها في السعودية نحو توحيد القرارين الأمني والعسكري. وهي في تصوري لحظة لا تحتمل الصدمات أو الارتجاجات، لأن أي اهتزاز فيها لا يُقاس بحجمه الآني بل بتداعياته التراكمية على ثقة المجتمع بمستقبله.
وليس من قبيل المصادفة أن تأتي هذه العملية الإرهابية بعدما كنت حذرت على نحو واضح لا يحتمل اللبس ضمن مقالتي الماضية في "اندبندنت عربية" يوم الأحد الماضي الـ18 من يناير (كانون الثاني) الجاري من استهداف "الاستقرار الوليد" في جنوب اليمن، ذلك الاستقرار الذي لم يكتمل بعد وهذا صحيح، لكنه على نحو أصح بدأ يُقاس بما هو أبعد من غياب التفجيرات، أي بعودة الإحساس العام بإمكانية الحياة الطبيعية. فالاستقرار حين يكون في طور التكوين يصبح هشاً، وأكثر إغراء لأعدائه في آن معاً.
في الواقع إن خطورة هذه العملية لا تكمن فقط في طبيعتها الإرهابية بل في توقيتها السياسي، إذ تأتي في مرحلة صعبة تتطلب أعلى درجات وحدة الصف وجمع الكلمة، وفق ما نص عليه إعلان نقل السلطة بصورة واضحة ودقيقة. فالدولة خلال لحظات التحول لا تبنى بالقوة وحدها بل بتوافق إرادي على مرجعية واحدة، وقبل ذلك بالضرورة على أولوية الأمن العام باعتباره شرطاً سابقاً على أية تنمية أو إصلاح أو عقد مؤتمر حوار.
ومن هنا ووفق ما هو موضح أعلاه، فإن استهداف قيادي عسكري كبير وفاعل خلال هذه المرحلة الحرجة لا يمكن في اعتقادي فصله عن محاولة إفشال مسار إعادة الثقة بالمؤسسات، وتعطيل أي جهد يُعيد الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها إطاراً وطنياً جامعاً، لا غنيمة متنازعاً عليها. فالإرهاب كما أرى لا يعادي السلطة فحسب بل يعادي فكرة التنظيم نفسها، لأنها تناقض منطقه القائم على الفوضى.
لقد بات واضحاً أن هذه العملية الإرهابية التي استهدفت العميد حمدي شكري تسعى إلى خلط الأوراق بصورة غير اعتيادية، عبر ضرب الجهود التي يبذلها التحالف لإعادة الاستقرار إلى المحافظات الجنوبية على طريق إعادة الاستقرار إلى المحافظات اليمنية كلها، تمهيداً لبدء مسارات اقتصادية ومعيشية، كصرف الرواتب ووضع خطط تنموية بعيدة المدى، تعيد للمواطن شعوره بأن المستقبل ليس وعداً مؤجلاً إلى ما لا نهاية.
في هذا السياق، أعتقد أن بيان مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي وبحضور كامل أعضائه يكتسب دلالة سياسية وقانونية بالغة الأهمية، إذ يؤكد أن الدولة حين تقرر أن تكون دولة لا تساوم على ملاحقة الجناة، ولا تميز بين الفاعل والممول والمتواطئ. فسيادة القانون لا تُقاس بجمال النصوص بل بقدرة السلطة على إنفاذها من دون تردد.
بيد أن تطبيع الأوضاع في عدن باعتبارها العاصمة الموقتة للجمهورية اليمنية لا ينبغي أن يُختزل في عودة شكلية للمؤسسات، أو في مظاهر إدارية فارغة من مضمونها. فالتطبيع الحقيقي هو استعادة فعلية لوحدة القرارين الأمني والعسكري في المحافظات المحررة، لأن الدولة التي لا تحتكر أدوات العنف المشروع، وفق المفهوم الكلاسيكي، تتحول إلى كيان هش عاجز عن حماية مواطنيه أو كسب ثقتهم.
بعبارة أخرى أوضح وأدق، فإن بقاء تشكيلات عسكرية خارج إطار وزارتي الدفاع والداخلية لا يمثل خللاً إدارياً فحسب، بل يشكل خرقاً مباشراً لمعنى إعلان نقل السلطة ذاته، إذ لا معنى لسلطة سياسية لا تملك سلطة القرار الأمني، ولا قيمة لإطار دستوري لا يترجم إلى سيطرة فعلية على المجال العام.
من هذا المنظور، المشار إليه أعلاه، يمكن فهم جريمة استهداف العميد حمدي شكري بوصفها استهدافاً صريحاً لقوات العمالقة، لا لكونها تشكيلاً عسكرياً فحسب، بل لأنها جسدت خلال الفترة الماضية نموذجاً لتغليب المصلحة الوطنية واحترام حقوق المواطنين، والعمل الجاد على فرض الأمن والاستقرار في عدن ومحيطها بعيداً من منطق الاستعراض أو الانتقام.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
في الواقع، يمكنني القول إن الأيام الماضية شهدت حالاً من الاستقرار النسبي داخل عدن وحضرموت وبقية المحافظات المحررة، ترافق معها انطلاق مشاريع تنموية مدعومة من السعودية، وبدء خطوات عملية لإخراج المعسكرات من المدن. وهي مؤشرات، وإن بدت تقنية، إلا أنها في تصوري دالة تحمل معنى سياسياً عميقاً، بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع.
ضمن هذا السياق -تحديداً- تبدو العملية الإرهابية كفعل مضاد للتاريخ، يسعى في تصوري إلى إيقاف عجلة بدأت تتحرك ببطء، لكنها تتحرك بثبات. فالقوى التي تعيش على الفوضى تدرك أن التنمية أخطر عليها من أي سلاح، لأنها تسحب من تحتها مبررات الوجود وتكشف عري خطابها.
وعليه، فإن التعامل مع هذه الجريمة في اعتقادي لا ينبغي أن يظل محصوراً في الإدانة الأخلاقية، بل يجب الارتقاء به إلى مستوى الفعل الوطني الجامع والتعامل معها باعتبارها استهدافاً للدولة كلها، لا لشخص أو وحدة عسكرية. فالدولة حين تُستهدف لا يُدافع عنها طرف واحد، بل مجموع الإرادات الوطنية.
في الواقع تقع على عاتق الأجهزة الأمنية والعسكرية وسلطات إنفاذ القانون مسؤولية وطنية كاملة في الحفاظ على السكينة العامة، والتنفيذ الصارم لإعلان حالة الطوارئ، وملاحقة الخلايا الإرهابية وشبكاتها اللوجيستية والتمويلية. فالتساهل خلال هذه المرحلة في تصوري لا يُقرأ بوصفه حكمة، بل ضعفاً يغري بمزيد من العنف.
في نهاية المطاف أرى أن اليمن يقف اليوم أمام مفترق لا يحتمل الرمادية، إما دولة تحمي الجميع وتصون حقوقهم وتحتكر العنف باسم القانون، وإما ميليشيات تنشر الفوضى بقوة السلاح وتعمم الخراب. وبين هذين الخيارين لا توجد منطقة وسطى، لأن التاريخ لا يعترف بأنصاف الدول ولا يرحم من يؤجل حسم معاركه الوجودية.