Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

عام على رئاسة ترمب والفوضى وتآكل النظام الدولي

الرئيس الأميركي أوقف الجهود الرامية إلى الحفاظ على ما تبقى من النظام الذي تقوده الولايات المتحدة وافتعل مواجهات غير ضرورية ومتزايدة الخطورة مع حلفاء محوريين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ديربورن، ميشيغان، يناير 2026 (إيفلين هوكشتاين/ رويترز)

ملخص

تقدّم عودة ترمب نسخة أكثر اضطراباً من "الأناركية" الدولية: تآكلٌ متسارع لقواعد ما بعد 1945، وانزلاقٌ نحو عالم هوبزي يبيح إعادة رسم الحدود بالقوة ويجعل القرار الأميركي رهناً بالنزوات والسرعة الرقمية. ومع تقويضه القيود الداخلية والتحالفات والمؤسسات التي صنعت الهيمنة الأميركية، تتحول واشنطن من راعية للنظام إلى قوة تُغذّي عدم الاستقرار وتضعف نفسها، بما يدفع الحلفاء للتحوّط ويجعل الصين خياراً أكثر جاذبية.

بالنسبة إلى معظم الأميركيين والأوروبيين الأحياء اليوم، فإن فكرة عالم يسوده غياب السلطة العالمية "الأناركية" anarchy لم تكن يوماً واقعاً محسوساً حقاً. فمنذ عام 1945، صاغت الولايات المتحدة وحلفاؤها نظاماً عالمياً وحافظوا عليه، نظاماً لم يكن ليبرالياً بالكامل ولا قائماً على مشاركة دولية متكافئة، لكنه أرسى قواعد حافظت على السلام بين القوى العظمى، وعززت عالماً من التجارة الحرة نسبياً، وسهلت التعاون الدولي. وخلال العقود التي تلت ذلك، أصبح العالم أكثر استقراراً وازدهاراً.

لكن قبل تلك الفترة الطويلة من السلام بين القوى العظمى، لم تكن "الأناركية" مجرد مفهوم نظري بعيد من الواقع في العالم المتقدم. فقد شهد النصف الأول من القرن الـ20 وحده حربين عالميتين، وكساداً اقتصادياً عالمياً، وجائحة مميتة. ومع ضعف القواعد العالمية وضعف آليات إنفاذها، لم يكن أمام معظم الدول سوى خيار الاعتماد على نفسها، وغالباً ما لجأت إلى القوة العسكرية. ومع ذلك، كانت هناك حدود لما يمكن أن تفعله الدول ذات السيادة في حالة الصراع. فقد كانت الدول قد بدأت للتو في بسط القوة العسكرية خارج حدودها، وكانت المعلومات والسلع والأفراد تتحرك بوتيرة أبطأ. وحتى في فترات الاضطراب الدولي، لم تكن الدول قادرة على إلحاق أذى غير محدود ببعضها من دون تعريض نفسها لخطر الفناء.

اليوم، تقود الدولة الأقوى في العالم النظام الدولي نحو نوع مختلف من "الأناركية". وعلى رغم أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يكن وحده المسؤول عن مسار تراجع النظام العالمي الذي ساد بعد 1945، فإنه، في عامه الأول منذ عودته للسلطة، سرع هذا المسار، لا بل حتى تعامل معه وكأنه أمر مرحب به. فشهية ترمب للتوسع الإقليمي تقوض أقوى معيار سائد في فترة ما بعد 1945، وهو أن الحدود لا يمكن إعادة رسمها بالقوة العسكرية، كما أن استخفافه بالمؤسسات الداخلية أتاح له أن يتجاوز بلا رادع أية محاولات داخلية لكبح طموحاته التوسعية في الخارج.

وبعبارة أخرى، إن "الأناركية" التي تتشكل في ظل ترمب هي أشد اضطراباً. إنها أقرب إلى حالة "الأناركية" البدائية التي وصفها الفيلسوف السياسي توماس هوبز، عالم يتصارع فيه "الكل ضد الكل"، إذ لا يمكن تحدي السلطة السيادية لا محلياً ولا دولياً. وفي هذا النظام الهوبزي، الذي يقوده زعيم يرفض أي قيود على قدرته على التصرف ويستقوي بالتكنولوجيا التي تمكنه من التحرك بسرعة هائلة، يصبح كل شيء مباحاً. وقد ينبثق نظام في نهاية المطاف من حالة الفوضى هذه، لكن من غير المرجح أن تقوده الولايات المتحدة أو أن يعود بالنفع عليها.

العيش في العالم الحقيقي

لنبدأ بتعريف مفهوم غياب السلطة العالمية أو "الأناركية"، وما الذي يندرج ضمنه وما الذي لا يندرج. فمعظم علماء العلاقات الدولية "الواقعيين" يعتبرون "الأناركية" نقطة انطلاق لنظرياتهم، كما أن إدارة ترمب نفسها تؤكد أن سياساتها تستند إلى فهم واقعي للعالم. يعرف الواقعيون "الأناركية" ببساطة بأنها غياب السلطة في النظام الدولي. ومن دون سلطة تفرض قواعد اللعبة العالمية، لا يمكن للدول إلا الاعتماد على قوتها واستراتيجياتها الخاصة من أجل البقاء. وكما قال عالم السياسة كينيث والتز، فإن النظام الدولي هو نظام تقوم فيه الدول على تدبير أمنها بنفسها. وفي عالم "أناركي"، تكون الحرب جزءاً طبيعياً من العلاقات الدولية.

لكن غياب السلطة العالمية لا يعني بالضرورة الفوضى، إذ يرى الواقعيون أن غياب سلطة مركزية لا يعني بالضرورة اضطراباً دائماً في النظام الدولي. فـ"الأناركية" تعمل أيضاً بوصفها قيداً قوياً، يجبر الدول على التصرف بحذر وترشيد مواردها. فخطر الحرب قد يدفع حتى القوى الكبرى إلى التفكير ملياً قبل الإقدام على أي إجراءات عدوانية، تجنباً لإثارة تحالف موازن ضدها. وقد جادل عالم السياسة الواقعي تشارلز غلاسر بأن مثل هذه الرؤية للعالم ليست بالضرورة تشاؤمية، وأن الدول يمكن أن تمارس المساعدة الذاتية من خلال التعاون.

لذلك، يؤمن الواقعيون بأن النظام والاستقرار ممكنان في عالم "أناركي". وفي الواقع، وعلى رغم استمرار الجدل بين الواقعيين أنفسهم حول معنى اتباع سياسة خارجية واقعية، فإنهم يتفقون على أن حالة الفوضى ليس من المفترض أن تعني التخلي عن الاستراتيجية أو اغتنام كل فرصة للقتال أو التدخل في شؤون الدول الأخرى.

الأناركية لا تعني بالضرورة الفوضى

 

ومن أشهر التفسيرات لكيفية انبثاق النظام من "الأناركية" ما يعرف بـ"نظرية ااستقرار الهيمنة" Hegemonic stability theory، وهي الفكرة القائلة إن النظام الدولي يكون أكثر استقراراً عندما تهيمن عليه دولة واحدة. فعلى سبيل المثال، جادل عالم السياسة روبرت غيلبين بأن الدولة المهيمنة توفر منافع عامة دولية، مثل المؤسسات النقدية والتحالفات الأمنية، وتضع القواعد وتفرضها (وغالباً ما تكون هذه القواعد في مصلحة الدولة المهيمنة)، وتسهل التبادل والتعاون الاقتصاديين. ورأى غيلبين بأن هذه الأنظمة المهيمنة تنشأ من حروب عالمية، ومن المقدر لها أن تسقط في نهاية المطاف مع تمدد الدولة المهيمنة القديمة بصورة مفرطة، وظهور قوى جديدة لتتحداها وتنافسها على الهيمنة العالمية.

للوهلة الأولى، يبدو أن هذه القصة تصف اللحظة الراهنة بدقة، إذ يمكن القول إن الولايات المتحدة بلغت مرحلة ما سماه المؤرخ بول كينيدي، في تعبير اشتهر به، "التوسع الإمبراطوري المفرط" قبل ترمب بوقت طويل. فقد أدت الغزوات المكلفة والفاشلة لأفغانستان والعراق إلى إنهاك القوة العسكرية الأميركية إلى حد الانهيار تقريباً. وفي الوقت نفسه، تتحدى الصين الصاعدة الولايات المتحدة على القيادة العالمية، والتفوق التكنولوجي، والهيمنة الاقتصادية. ووفق هذا المنظور، فإن الخيار الأفضل لواشنطن هو الحفاظ على مواردها، وصون شبكة تحالفاتها وشراكاتها، والاستعداد لاحتمال الصدام مع منافسها. 

وفي الواقع، توقع كثير من المراقبين أن تعيد إدارة ترمب تركيزها على الصين، بما في ذلك سحب الموارد من أوروبا والشرق الأوسط. وعلى رغم أن ترمب لم يرث بيئة دولية مسالمة، فهو كان لا يزال يملك متسعاً من الوقت للتحرك: فحتى مع اشتعال الحروب في أوكرانيا وغزة والسودان، لم تندلع حرب عالمية، وكان لدى واشنطن شركاء في أوروبا يساعدونها في إيقاف روسيا، التي تعد أقرب ما يكون إلى قوة عظمى تعديلية، عن إخضاع أوكرانيا بعد غزوها الشامل عام 2022. كما كانت الولايات المتحدة لا تزال تمتلك شبكة تحالفات قوية، وجهازاً دبلوماسياً كفؤاً وواسع النطاق، وأقوى قاعدة بحث علمي في العالم.

غير أن ترمب، في غضون عام واحد، بدد معظم هذه المزايا أو تخلى عنها، مفرغاً إياها من مضمونها أو متنازلاً عنها على رغم قيمتها للولايات المتحدة في صراعها على الهيمنة بين القوى الكبرى. وبدلاً من ذلك، تبنى سياسات تقوم على الاستغلال والفساد والترتيبات النفعية التي يمكنه تعديلها أو نقضها متى شاء.

نظرية عدم استقرار الهيمنة

على مدى العام الماضي، أوقف ترمب الجهود الرامية إلى الحفاظ على ما تبقى من النظام الذي تقوده الولايات المتحدة، وافتعل مواجهات غير ضرورية ومتزايدة الخطورة مع حلفاء محوريين، وقوض الأسس ذاتها التي تقوم عليها القوة الأميركية. فحرب روسيا في أوكرانيا، التي يبدو أن ترمب لا يوليها اهتماماً يذكر، وكذلك المنافسة مع الصين، وهي مسألة تكاد تغيب عن أحدث نسخة من استراتيجية الأمن القومي التي وضعتها إدارة ترمب، تمثلان أخطر التهديدات للنظام الليبرالي الذي تقوده الولايات المتحدة. ومع ذلك، ينتشر الجيش الأميركي بكثافة في منطقة الكاريبي، وينقل حاملة طائرات من بحر الصين الجنوبي إلى البحر المتوسط عقب احتجاجات في إيران. علاوة على ذلك، فإن تهديدات ترمب لسيادة غرينلاند والدنمارك، وما يصاحبها من استعداد واضح لنسف حلف "الناتو"، أدت بلا داع إلى استعداء دول أوروبية كانت، لولا ذلك، تتوق إلى منح واشنطن قدراً من الوصول والتموضع لا تحلم به إلا قلة من الدول. 

والنتيجة هي قوة مهيمنة آخذة في التراجع، لا تسعى إلى الحفاظ على موقعها، بل تتحول تدريجاً إلى قوة تعديلية، فالولايات المتحدة تضخ قدراً متزايداً من العدوانية في النظام الدولي، ظاهرياً لمصلحتها الخاصة، بينما تضعف القدرات التي ساعدتها أصلاً في إنشاء النظام الذي استفادت منه والحفاظ عليه. وكما أوضحت أونا هاثاواي وسكوت شابيرو في مجلة "فورين أفيرز"، فإن ترمب يخلق عالماً "لا تكون فيه القواعد غير قابلة للتنبؤ فحسب، بل تعتمد بالكامل على نزوات من يصادف أنه يمتلك في لحظة معينة أكبر قدر من القوة القسرية".

إن العالم الذي ينشئه ترمب ليس حالة الفوضى التي يكتب عنها الواقعيون المعاصرون، إذ تجبر الدول على اتخاذ قرارات حذرة في شأن متى وأين تتحرك، ومع من وضد من تتحالف، وكيف وبأي قدر تفرض إرادتها على الآخرين. ففي ذلك العالم، يظل النظام ممكناً. أما ترمب، فعلى النقيض من ذلك، يتخذ قرارات مصيرية من دون مسار مؤسسي يذكر، وفي أوقات تبدو عشوائية، ومن دون أن تكون مدفوعة بحالات طوارئ. ومن خلال استحواذه على أدوات الهيمنة، يتصرف ترمب بعدوانية في مناطق متعددة في الوقت نفسه، وبسرعة لم يكن في مقدور أية قوة عظمى سابقة حتى أن تتخيلها. ففي غضون أسبوع واحد فقط من شهر يناير (كانون الثاني)، نفذت إدارة ترمب مهمة عسكرية في كراكاس لاعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، وأطلقت تهديدات بحق حلفائها في "الناتو" في شأن الاستيلاء على غرينلاند، وعززت انتشار عناصر إدارة الهجرة والجمارك في مينيابوليس على رغم الاحتجاجات الواسعة.

تاريخياً، لم يمتلك أي مهيمن قدرات بسط القوة التي لا تزال الولايات المتحدة تتمتع بها، ولا سرعة التواصل واتساع نطاقه اللذين أتاحهما العصر الرقمي. وخلال الشهر المقبل، من الوارد بالقدر نفسه أن يقرر ترمب قصف إيران مجدداً، أو أن يعقد صفقة مع رجال الدين الحاكمين في إيران من أجل الحصول على تنازلات نفطية. وربما سيؤكد مجدداً التزام الولايات المتحدة تجاه "الناتو"، أو يغزو غرينلاند. وإذا كان لعدم القدرة على التنبؤ أية قيمة بوصفه تكتيكاً جيوسياسياً، فيجب استخدامه على نحو استراتيجي وباعتدال. غير أن نزوات ترمب المتقلبة، التي يستطيع ترجمتها إلى أفعال بسرعة وسهولة لم يشهدهما أي زعيم في التاريخ، تمثل مستوى جديداً من الفوضى.

بناء "الدولة الوحش"

تختلف حالة الفوضى الترمبية الجديدة في جانب مهم آخر: فلم يحدث في أية مرحلة من التاريخ أن بدأت قوة مهيمنة، عرفت لقرون بأنها ديمقراطية متماسكة (وإن لم تكن يوماً كاملة)، في هذا التراجع السريع والانهيار المتسارع لمؤسساتها الديمقراطية. فالمملكة المتحدة، على سبيل المثال، تراجعت من مكانتها كقوة عظمى مع ازدياد ديمقراطيتها في القرن الـ19، لا مع انحسار ديمقراطيتها. أما اليوم، فإن الولايات المتحدة تمزق القواعد الدولية القديمة، وتحاول في الوقت نفسه تقويض القيود المؤسسية الداخلية وأسس قوتها، وكل ذلك في غضون عام واحد مذهل.  

وبهذا المعنى، فإن رؤية ترمب للعالم تنسجم مع تصور توماس هوبز لحالة الفوضى أكثر من انسجامها مع الرؤية التي يتبناها الواقعيون. فعلى رغم أن معظم الواقعيين يعدون هوبز جزءاً من تراثهم الفكري، إلا أن رؤيته للنظام امتدت عميقاً إلى المجال الداخلي، إلى حد لا يرغب معظم الواقعيين في بلوغه. فقد وصف حالة الفوضى، في تعبير اشتهر به، بأنها حرب "الكل ضد الكل"، حيث تكون الحياة "كريهة، ووحشية، وقصيرة". والأقل شهرة هو اعتقاده بأن بقاء دولة ما في عالم قاس مثل هذا يتطلب أن يتمتع الحاكم السيادي بسلطة شبه مطلقة في الداخل. فقد كان هوبز يحتقر أي فصل للسلطات، أو أي تجمع للقوة داخل الدولة خارج شخص الحاكم نفسه. 

في العام الأول من ولايته الثانية، سعى ترمب إلى ترسيخ السلطة على المستويين الدولي والمحلي. فعلى المستوى الدولي، أوضح أنه لا يرى نفسه مقيداً بأية صورة من صور القانون أو الأعراف الدولية. وفي مقابلة مع صحيفة "نيويورك تايمز"، صرح بأن مبادئه الأخلاقية هي القيد الوحيد على أفعاله. وقال للصحافيين: "لست بحاجة إلى القانون الدولي"، وقد تصرفت إدارته على هذا الأساس. فبعد فترة وجيزة من تثبيته في منصبه، أقال وزير الدفاع بيت هيغسيث كبار المستشارين القانونيين في الجيش، في إشارة واضحة إلى اعتقاده بأن القيود القانونية على خوض الحروب تعوق قوة الولايات المتحدة. ويواجه هيغسيث اليوم اتهامات بانتهاك القانون الدولي على خلفية الضربات الأميركية لقوارب يشتبه بتورطها في تهريب المخدرات في البحر الكاريبي، وعملية الإطاحة بمادورو في فنزويلا.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

إضافة إلى ذلك، اتخذ ترمب خطوات لإزالة القيود الداخلية على سلطته. ففي ولايته الأولى، كان يصطدم بعدد من الحواجز المؤسسية الداخلية التي كبحت نزواته وتفضيلاته السياسية: الكونغرس والقضاء، وحتى ما كان يعرف بـ"العقلاء" داخل إدارته. أما في ولايته الثانية، فقد تجاهل ترمب أو تجاوز أو هدم أي قيود قانونية أو مؤسسية. ومع غياب شبه كامل للمعارضة من الكونغرس أو المحكمة العليا، أعلن 10 حالات طوارئ مختلفة خلال عامه الأول في السلطة، شملت قضايا متنوعة مثل الطاقة والهجرة والمحكمة الجنائية الدولية، وهي إجراءات عززت من صلاحيات السلطة التنفيذية. كما فرض نظاماً جمركياً ذا شرعية دستورية مشكوك فيها، في محاولة لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي وإحياء قطاع التصنيع الأميركي. ونشر عناصر فدراليين وقوات من الحرس الوطني في مدن عدة متحدياً بصورة مباشرة رغبات القيادات المحلية، لتسريع حملته الواسعة للترحيل الجماعي. وقد أقال، وحاول إقالة، مسؤولين في السلطة التنفيذية كان يعتقد سابقاً أنهم يتمتعون باستقلالية عن الصلاحيات الرئاسية. وقد حول وزارة العدل إلى سلاح لتصفية حساباته السياسية. وهاجم أسس القوة الوطنية نفسها، من خلال خفض التمويل المخصص للبحث العلمي والخبرة الدبلوماسية.

وفي شهر يونيو (حزيران)، جادل أحدنا (سوندرز) في مجلة "فورين أفيرز" بأن الولايات المتحدة باتت تنتهج سياسة خارجية لنظام ديكتاتوري شخصاني. واليوم، سواء على المستوى الداخلي أو الدولي، يتصرف الرئيس الأميركي بقيود محدودة للغاية. وقد وجد سكان الولايات المتحدة أنفسهم خاضعين لنفس الفوضى الهوبزية التي أطلقها ترمب على بقية العالم. ويقاوم القضاة وهيئات المحلفين والمواطنون هذا الوضع، وقد يحرمون ترمب في نهاية المطاف من الحكم الاستبدادي المحكم الذي يبدو أنه يسعى إليه. غير أن إعادة بناء الثقة في المؤسسات الأميركية على المستوى المحلي، فضلاً عن المستوى الدولي، ستكون عملية شاقة وطويلة الأمد.

حياة كريهة، ووحشية، وقصيرة النظر

جادل عالم السياسة ألكسندر ويندت ذات مرة أن "الأناركية هي ما تصنعه الدول"، وقد استغلت إدارة ترمب الصلاحيات الواسعة الممنوحة لرئيس الولايات المتحدة، التي لا تزال القوة المهيمنة، لصياغة نسخة هوبزية من "الأناركية" تمتد إلى كل المستويات. وقد أطلقت على استراتيجيتها اسم "السلام من خلال القوة"، وأعلنت تبني سياسة خارجية تقوم على "الواقعية المرنة"، التي يفهمها واضعوها على أنها "التحلي بالواقعية في شأن ما هو ممكن ومرغوب فيه في تعاملاتها مع الدول الأخرى". 

وقد يجادل مؤيدو ترمب بأن هذا النهج عزز الهيمنة الأميركية، وبالفعل من خلال تحركاته المتهورة حول العالم، سلط ترمب الضوء على مجمل المزايا التي راكمتها الولايات المتحدة خلال ما يعرف بالقرن الأميركي، لكن إدارته تستخدم هذه المزايا بطرق لا ينصح بها أي واقعي.  

فأسس القوة الأميركية متجذرة في سيادة القانون في الداخل والتزامها الموثوق في الخارج، وهما تحديداً الأمران اللذان سعى ترمب إلى تقويضهما. إن إضعاف ترمب للمساعدات الخارجية، والبنية التحتية التي يستند إليها التفوق العلمي والتكنولوجي الأميركي، ومواجهته الخطرة مع الحلفاء الأوروبيين المخلصين، والأخطر من ذلك كله استخدامه الجيش وقوات الأمن الفدرالية لترسيخ سلطته الداخلية، كلها ستقوض القوة الأميركية على المدى الطويل. فالحلفاء الذين جرى تنفيرهم بدأوا بالفعل يتواصلون مع الصين ومع بعضهم بعضاً للتحوط من الولايات المتحدة المتقلبة. وسواء نجحت هذه السياسات أم لا، فإنها تضعف الولايات المتحدة وتجعل الصين خياراً أكثر جاذبية نسبياً بالنسبة إلى الدول الصغيرة الباحثة عن الأمن. وفي ظل النظام العالمي الذي يتبناه ترمب، والقائم على مبدأ المحصلة الصفرية [مكسب طرف على حساب خسارة الطرف الآخر]، ستكون الولايات المتحدة هي التي ستدفع الثمن في نهاية المطاف.

 

مترجم عن "فورين أفيرز" 20 يناير (كانون الثاني)، 2026

دانييل و. دريزنر هو العميد الأكاديمي وأأستاذ مرموق في السياسة الدولية في كلية فليتشر للقانون والدبلوماسية في جامعة تافتس، ومؤلف النشرة الإخبارية "عالم دريزنر".

إليزابيث سوندرز هي أستاذة العلوم السياسية في جامعة كولومبيا، وزميلة أولى غير مقيمة في معهد بروكينغز، ومؤلفة كتاب "لعبة المطلعين: كيف تصنع النخب الحرب والسلام".

المزيد من آراء