ملخص
أثار إقدام إسرائيل على رش مواد ومبيدات كيماوية فوق أراض زراعية في جنوب لبنان وعلى الحدود مع سوريا موجة استنكار رسمية وحقوقية واسعة، وسط تحذيرات من أخطار صحية وبيئية وزراعية جسيمة. ووصفت السلطات اللبنانية هذه المواد بأنها سامة، وبدأت إعداد ملف قانوني متكامل مدعوم بفحوص مخبرية تمهيداً لتقديم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي، بتوجيه مباشر من رئاستي الجمهورية والحكومة.
زوبعة سياسية وبيئية وصحية أثارها إقدام إسرائيل قبل أيام قليلة على رش مبيدات فوق الأراضي اللبنانية القريبة من الحدود بالقرب من الخط الأزرق، وصفها لبنان الرسمي بأنها سامة، وحذر من أخطارها على الإنسان والبيئة والزراعة، وبدأ يعد العدة للشكوى ضد إسرائيل أمام مجلس الأمن الدولي، وأوعز إلى السلطات المعنية لأخذ العينات وتوثيق ما حصل ضمن تقارير وفحوص علمية ومخبرية.
وقالت وزارة الخارجية اللبنانية في بيان لها، إنها باشرت "باتخاذ الإجراءات اللازمة لتوثيق الاعتداءات الإسرائيلية المتمثلة برش مواد ومبيدات سامة على الأراضي الزراعية والبساتين في عدد من القرى اللبنانية". وأضافت أنها ستنسق مع الوزارات المعنية "مثل البيئة والزراعة والصحة، بتوجيه رئاسي من رئيسي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام لإعداد ملف قانوني متكامل يوثق ما سمته بـ"الانتهاكات الخطرة".
هذه ليست المرة الأولى التي تعتدي فيها إسرائيل على لبنان من خلال استخدام أسلحة ممنوعة دولية أو قذائف محرمة، وسبق لبيروت أن قدمت شكاوى إلى مجلس الأمن الدولي موثقة بالتقارير التي تثبت أن إسرائيل ومنذ اندلاع المناوشات بينها وبين "حزب الله" في الثامن من أكتوبر (تشرين الأول) 2023 ومن ثم في إبان حرب الـ66 يوماً بين الـ23 من سبتمبر (أيلول) 2024 والـ27 من نوفمبر (تشرين الثاني) تاريخ إعلان وقف إطلاق النار ضمن اتفاق دولي رعته أميركا وفرنسا، استخدمت قذائف تحتوي على الفوسفور الأبيض السام الذي يضر بالإنسان والمزروعات والتربة لسنوات طويلة.
تقويض الأمن الغذائي والبيئي
لم تتنصل إسرائيل من عملية رش المبيدات التي ترافقت بعمل مماثل عند الحدود السورية القريبة من الجولان، إذ دان "المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان" (مرصد حقوقي مقره جنيف) "قيام الجيش الإسرائيلي برش مواد كيماوية على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في جنوب لبنان وسوريا". وأكد المرصد في بيان صحافي وزعه أمس الأربعاء أن "هذا الاستهداف المتعمد لرقعة زراعية مدنية يشكل انتهاكاً جسيماً لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما الحظر المفروض على مهاجمة أو تدمير الأعيان الضرورية لبقاء السكان المدنيين، وأن تدمير الممتلكات الخاصة على هذا النطاق، من دون ضرورة عسكرية محددة، يرقى إلى جريمة حرب ويقوض الأمن الغذائي ومقومات الحياة في المناطق المتضررة".
وأوضح المرصد أنه في صباح يوم الأحد الأول من فبراير (شباط) الجاري، "تلقت قوة الأمم المتحدة الموقتة في لبنان (اليونيفيل) إخطاراً من الجيش الإسرائيلي يفيد بنيته تنفيذ نشاط جوي قرب الخط الأزرق، مطالباً قوات حفظ السلام بالبقاء داخل ملاجئها، مما أدى إلى تعطيل عمل الولاية الأممية، إذ جرى إلغاء أكثر من 10 أنشطة ميدانية، وتعذر تنفيذ الدوريات الاعتيادية على نحو ثلث طول الخط لأكثر من تسع ساعات".
وأشار المرصد الأورومتوسطي إلى أنه "خلال فترة التحييد القسري لعمل القوات الدولية، رصدت طائرات إسرائيلية وهي ترش مواد كيماوية فوق مساحات زراعية واسعة، تركزت في منطقة عيتا الشعب (بنت جبيل) ومحيطها جنوب لبنان"، محذراً من "تبعات كارثية تتجاوز الضرر المباشر للمحاصيل، لتصل إلى تهديد جدي للحق في الصحة والبيئة السليمة، عبر التلويث طويل الأمد للتربة والموارد المائية".
القناة 15 الإسرائيلية قالت بدورها، "نقلاً عن أوساط أمنية في الجيش الإسرائيلي"، إن "الهدف من رش طائرات زراعية مواد على مناطق حدودية في جنوب لبنان، هو قتل كل النباتات الموجودة قرب الحدود، بسبب مخاوف، من أن يشكل النبات الكثيف، غطاء يسمح باقتراب مسلحين، أو أشخاص غير مرغوب فيهم، من الحدود ويشكلون خطراً على الجنود والمستوطنات، لذلك قررت قيادة المنطقة الشمالية القضاء على كل الغطاء النباتي القريب من السياج".
منطقة حزام ميت
حتى الساعة لم يعرف اللبنانيون عموماً والجنوبيون خصوصاً ما هي هذه المادة التي رشتها الطائرات الإسرائيلية، بين قائل إنها مواد لقتل الغطاء البيئي في المنطقة، وآخر اعتبر أن هذه المواد تقتل حتى البشر، فيما ذهب آخرون أبعد واعتبروا أن ما رشته إسرائيل هو مادة تتبع لمن يلمسها.
الخبير البيئي رئيس جمعية "الجنوبيون الخضر" (جمعية تعنى بالشأن البيئي لجنوب لبنان) الدكتور هشام يونس قارب الملف من جانبه، واعتبر أنه "لا يمكن مقاربة الاعتداء الأخير المتمثل بنثر مركب كيماوي على المناطق الحدودية، يرجح لغاية الساعة أن يكون الغليفوسات Glyphosate، ريثما تصدر نتائج الفحوص المخبرية التي تجريها وزارة الزراعة على العينات التي جمعت من المناطق المستهدفة، إلا في إطار سياسة الأرض المحروقة التي ينتهجها الجيش الإسرائيلي منذ بدء الحرب في أكتوبر 2023، وهي سياسة اعتمدت على التدمير المنهجي للبيئة والأراضي الزراعية ومقومات الحياة في المنطقة".
في فرنسا . هنالك مواد كيميائية، تقوم برشها حساسات اجهزة الإنذار اثناء قيام اللصوص بعمليات السرقة ..دون لون و دون رائحة. تبقى لمدة ايام او اسابيع على الاشخاص او الملابس و الاماكن ..هذه المواد اصبحت تستعمل ايضا في المجال العسكري
SmartWater (من شركة DeterTech):
سائل شفاف تماماً… https://t.co/MO5hjiufrI
— تَمّام نورالدين (@tammam1975) February 2, 2026
وأضاف "لم توفر تل أبيب وسيلة في سعيها هذا، من الاستخدام المكثف للفسفور الأبيض والقنابل الحارقة، وصولاً إلى استعمال الغازولين (وقود سائل سريع الاشتعال) كما في منطقتي اللبونة وحرج الراهب (الحدود الجنوبية)، فضلاً عن استخدام أنواع متعددة من الأسلحة التي خلفت دماراً واسعاً وترسبات من المعادن الثقيلة فضلاً عن الفسفور المكثف في التربة، وفاقمت بالتالي الضغوط البيئية المتراكمة".
ويرى الخبير يونس أن "استخدام هذه المركبات اليوم يأتي كمرحلة متقدمة في هذا النهج، الهادف إلى تحويل المنطقة الحدودية إلى منطقة وحزام ميت (dead zone)، ولا سيما بأنه يستهدف مواقع كانت قد تعرضت لتعديات مكثفة قبل أن تجرف على نطاق واسع عقب دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ وتوغل القوات الإسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية. فقد سبقت الجرافات عمليات الرش عبر اقتلاع الأشجار الحرجية وأشجار الزيتون المعمرة بالكامل، بعد موجات متتالية من الفسفور الأبيض الحارق، في تسلسل واضح يستهدف القضاء بصورة كاملة على كل أشكال الغطاء النباتي وفرص استعادة الموائل الطبيعية حيويتها".
رش يبيد الملقحات والنحل
وبرأي الخبير يونس أن "ما قام به الجيش الإسرائيلي يقرع مجدداً ناقوس خطر مرتفع حيال ما تتعرض له المجتمعات الحشرية والملقحات، وعلى رأسها النحل، الذي يعد من أكثر الضحايا تضرراً خلال هذا العدوان، على رغم كونه من الأقل ذكراً. فعمليات الرش الكيماوي هذه تصيب الملقحات والنحل بصورة مباشرة، وتؤدي إلى تراجع حاد في مجتمعاتها، مما قد يسهم في تعميق اختلال التوازن البيئي وزيادة هشاشة النظم الطبيعية، مع آثار تتجاوز حدود الموقع المستهدف".
ويضيف يونس "ما حصل يمتد حكماً ليلحق أبلغ الضرر بالتنوع الحيواني الذي يعتمد على هذا الغطاء كمأوى ومصدر للغذاء، وصولاً إلى تفكيك النظام البيئي بأكمله ومحو الهوية الطبيعية للمنطقة. وتكتسب هذه الاعتداءات الممنهجة خطورة مضاعفة لوقوعها في مناطق لم تستعد عافيتها أصلاً من آثار الاعتداءات السابقة، بما يعكس نهجاً واضحاً يهدف إلى حرمان الأرض من أية فرصة حقيقية للتعافي، وتحويلها إلى حزام ميت، مجرد من الحياة وأية قابلية مستقبلية للعيش أو الإنتاج، وبالتالي هي تستبطن نوايا الإسرائيليين بأفراغ المنطقة من أهلها".
مواد بالغة الخطورة
يبرز يونس "محاذير جدية من تداعيات تطاول التربة والمياه، مما يستدعي تقييماً عاجلاً والتحرك الفوري لوقف هذه الانتهاكات، إذ إن بعض المركبات المرتبطة بالغليفوسات، التي يحتمل استخدامها في عمليات الرش، معروفة بقدرتها على الارتباط بجزيئات التربة والبقاء فيها لفترات متفاوتة، مع ما قد يرافق ذلك من اضطراب في بنيتها الحيوية الدقيقة. كذلك يحتمل انتقال هذه المركبات عبر الجريان السطحي أو انجراف التربة نحو الموارد المائية السطحية، ولا سيما أن المنطقة، بعد أعمال القطع والتجريف الواسعة، باتت أكثر عرضة لهذه العمليات، مما يفاقم الضغوط البيئية ويحد من قدرة النظم البيئية على التعافي".
وإزاء كل ما يجري، يختم يونس "بات من الضروري أن تتحرك الحكومة بصورة عاجلة لاتخاذ إجراءات وقائية ورادعة، تحول دون تكرار هذه الاعتداءات التي من شأنها في حال تكرارها وتكثف الآثار إلى إحداث اضطراب عميق وطويل الأمد في نظم التربة والموائل والأراضي الزراعية".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
استنفار لبنان الرسمي
من جهته دان رئيس الجمهورية اللبنانية العماد جوزاف عون بـ"أشد العبارات"، قيام الطائرات الإسرائيلية "برش مبيدات سامة على الأراضي والبساتين في عدد من القرى الجنوبية الحدودية. إن هذا العمل العدواني يشكل انتهاكاً صارخاً للسيادة اللبنانية، وجريمة بيئية وصحية في حق المواطنين اللبنانيين وأرضهم، ويمثل استمراراً للاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان وشعبه".
وأكد أن هذه "الممارسات الخطرة التي تستهدف الأراضي الزراعية ومصادر رزق المواطنين وتهدد صحتهم وبيئتهم، تفرض على المجتمع الدولي والمنظمات الأممية المعنية أن تتحمل مسؤولياتها لوقف هذه الاعتداءات وحماية السيادة اللبنانية". وطلب إلى وزارة الخارجية اللبنانية "إعداد ملف موثق بالتعاون مع وزارات الزراعة والبيئة والصحة العامة، تمهيداً لاتخاذ جميع الإجراءات القانونية والدبلوماسية اللازمة لمواجهة هذا العدوان، وتقديم الشكاوى إلى المحافل الدولية ذات الصلة".
وزارة الزراعة اللبنانية كشفت بدورها عن أن "الأضرار التي تسببت بها المادة التي رشتها إسرائيل واسعة، والمساحات المتضررة كبيرة، والمادة المستخدمة خطرة جداً، إذ تظهر التقارير الأولية أن نسبها تتجاوز الاستخدام الطبيعي للمبيد العشبي بنحو 30 إلى 50 ضعفاً مما يشكل خطراً على الأرض والمياه والإنسان"، ووجهت إرشادات إلى "الأهالي والمزارعين لتجنب تجمعات المياه وإبعاد الحيوانات نظراً إلى خطورة المواد التي رشتها إسرائيل التي قد تكون قاتلة".
"غليفوسات" مبيد كيماوي خطر
جمعية "الجنوبيون الخضر" وفي بيان صدر عنا، أعلنت إدانتها وبالغ قلقها "إزاء ما وثقه الأهالي وناشطوها في المناطق الحدودية الجنوبية، الأحد في 31/01/2026، من قيام طائرات الاحتلال الإسرائيلي برش مساحات واسعة من تلك المناطق بمواد مجهولة التركيب، شملت أراض زراعية وحرجية ومناطق مفتوحة وأطراف أحياء سكنية، ولا سيما في بلدة عيتا الشعب، في اعتداء خطر يمس سلامة الأهالي والبيئة والموارد الطبيعية والأراضي الزراعية".
وأشارت إلى أنه "بانتظار صدور نتائج التحاليل المخبرية التي تجريها وزارة الزراعة، لا يمكن اعتبار هذه المواد مواد محايدة بحكم طبيعة استخدامها وتأثيرها". وأوضحت أنه "بحسب التقديرات الأولية المستندة إلى طبيعة الأثر الظاهر في الغطاء النباتي ونطاق الانتشار، ربما تكون هذه المواد من فئة مبيدات الأعشاب واسعة الطيف، مثل الغليفوسات (Glyphosate) أو مركبات مشابهة تستخدم للقضاء على الغطاء النباتي، وذلك من دون جزم بطبيعة المادة أو تركيبها الكيماوي إلى حين صدور نتائج التحاليل المخبرية الرسمية".
ماذا نعرف عن الغليفوسات؟
وتعتبر مادة الغليفوسات Glyphosate))، التي يرجح أنها المبيد الذي نثرته إسرائيل فوق الأراضي الحدودية جنوب لبنان وجنوب سوريا هو مبيد أعشاب واسع الاستخدام عالمياً، إلا أنه مثار جدل علمي وبيئي واسع، ويخضع لتنظيمات صارمة وقيود مشددة في عدد من الدول الأوروبية وغيرها، بسبب الشبهات المرتبطة بتأثيراته الطويلة الأمد في البيئة وصحة الإنسان، التي أظهرت تقارير صحية أنه مرتبط بارتفاع نسبة الإصابة بالسرطان.
تضاف هذه الأزمة التي أثارتها إسرائيل من خلال قيامها بهذه العملية إلى أزمات سابقة أثارها لبنان ضد استخدام إسرائيل قذائف محرمة دولياً وسامة، منها مادة الفسفور الأبيض، وغيرها من القذائف الحارقة، فضلاً عن أعمال التجريف التي لحقت مناطق واسعة قريبة من الحدود. وكانت وزارة الزراعة اللبنانية قد أحالت في الـ11 من ديسمبر (كانون الأول) 2025 إلى وزارة الخارجية تقرير "منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة" (فاو) حول "الأضرار الزراعية الناتجة من العدوان الإسرائيلي خلال عامي 2023 و2024"، وتضمن "نتائج عما تكبده قطاع الزراعة في لبنان، من أضرارا مباشرة تقدر بنحو 118 مليون دولار، إضافة إلى خسائر اقتصادية تجاوزت 586 مليون دولار، مع تسجيل جنوب لبنان وسهل البقاع كأكثر المناطق تضرراً".
انتهاك ميثاق الأمم المتحدة
وفي نطاق متصل، وثق "المرصد الأورومتوسطي" قيام طائرات إسرائيلية، يومي الإثنين والثلاثاء الـ26 والـ27 من يناير (كانون الثاني) الماضي، برش مبيدات مجهولة التركيب فوق الرقعة الزراعية في ريف القنيطرة جنوب سوريا، مما أدى إلى إتلاف واسع للمحاصيل، وخلق تهديد خطر للأمن الاقتصادي والغذائي في المنطقة، وانتهاك الحق في العمل ومستوى المعيشة اللائق للمزارعين، عبر تدمير مصادر رزقهم الأساسية من دون أي مبرر عسكري".
وشدد المرصد على أن "خرق السيادة الإقليمية واجتياز الحدود لاستهداف الأراضي الزراعية يعد بحد ذاته انتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة ومبادئ القانون الدولي العام". وأضاف أن "استخدام مواد كيماوية مجهولة التركيب، بما تحمله من آثار مدمرة على الغطاء النباتي وتهديد مباشر للصحة العامة، يمثل انتهاكاً جسيماً مركباً لقواعد القانون الدولي الإنساني، التي تحظر استخدام وسائل أو أساليب قتال تحدث أضراراً عشوائية أو معاناة غير ضرورية، أو تسبب ضرراً واسع النطاق وطويل الأمد بالبيئة الطبيعية".
وطالب المرصد الأورومتوسطي "المجتمع الدولي، ولا سيما الأمم المتحدة، بالتحرك الفوري لتشكيل لجنة تحقيق فنية مستقلة لتقصي الحقائق، تتولى جمع عينات من التربة والمحاصيل المتضررة في جنوب لبنان وريف القنيطرة، وإخضاعها لتحليلات مخبرية دقيقة لتحديد الماهية الكيماوية للمواد المستخدمة، ومدى سميتها، ومخالفتها لاتفاق حظر الأسلحة الكيماوية أو البروتوكولات البيئية الدولية".
ليست مبيدات زراعية تقليدية
ونبه المرصد الأورومتوسطي من أن "هذه الممارسات تضع مرتكبيها تحت طائلة المساءلة الجنائية الدولية، إذ يصنف نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وبموجب المادة الثامنة منه، تعمد توجيه هجمات ضد الأعيان المدنية أو تدمير ممتلكات الخصم من دون أن تقتضي ذلك ضرورات الحرب الملحة، كجرائم حرب". وأكد أن "استخدام مواد كيماوية لتخريب الأراضي الزراعية يشكل الركن المادي لهذه الجرائم، نظراً إلى ما يلحقه من ضرر واسع النطاق وطويل الأجل بالوسط الطبيعي ومقومات حياة السكان".
وذكر المرصد بأن هذا السلوك "يعد امتداداً لنمط عملياتي منهجي دأبت تل أبيب على تنفيذه لسنوات في المناطق الحدودية الشرقية والشمالية لقطاع غزة، إذ استخدمت الرش الجوي لمبيدات كيماوية فتاكة كوسيلة لفرض مناطق عازلة، عبر إهلاك الغطاء النباتي وتدمير السلة الغذائية، متجاهلة التحذيرات الدولية من التبعات الكارثية لهذه الممارسات على الأمن الغذائي والصحة العامة".
وأوضح المرصد الأورومتوسطي أنه سبق له "توثيق هذه الاعتداءات استناداً إلى أرشيف توثيقي شامل مدعوم بنتائج تحليلات مخبرية وشهادات خبراء، أثبتت أن المواد المستخدمة ليست مبيدات زراعية تقليدية، بل مركبات كيماوية عالية السمية وذات أثر تدميري غير قابل للاحتواء، إذ يتجاوز ضررها إتلاف المحاصيل الموسمية ليشمل تسميماً طويل الأمد للتربة والمياه الجوفية، والإضرار بالثروة الحيوانية، وتدمير البنية التحتية البيئية، بما يجعل استعادة النشاط الزراعي أمراً شبه مستحيل، في انتهاك مركب يمس جوهر الحق في الحياة والبيئة السليمة".