ملخص
غير أن ما يشهده العالم الآن من سياسات مغايرة لإدارة ترمب، ليس مجرد سلسلة من الأزمات المعزولة، بل فرض معايير جريئة بشكل مذهل لاستعراض القوة الأميركية بطريقة يصفها الحلفاء والأعداء بالإكراه الصريح والفظ، من دون أي اعتبار للدبلوماسية المتعددة الأطراف، وهو مسار مقلق يشير إلى عالم منقسم ليس على أسس أيديولوجية، بل على معايير تتعلق بالقوة والقرب الجغرافي ومدى الخطر الماثل.
في الذكرى السنوية الأولى لتنصيب دونالد ترمب رئيساً للولايات المتحدة، والتي توافق اليوم الـ20 من يناير (كانون الثاني)، ينظر غالبية الأميركيين ومعظم دول العالم إليه الآن بنظرة مختلفة عن تلك التي تصوروها في هذا التاريخ من العام الماضي، فقد دمر ترمب النظام العالمي القائم على القواعد الذي أسسته الولايات المتحدة عقب الحرب العالمية الثانية، ويرسي بدلاً من ذلك نظاماً عالمياً جديداً عبر ممارسة القوة المطلقة، إذ أطاح زعيم فنزويلا، وتعهد بالسيطرة على ثرواتها النفطية، وهدد دولاً أخرى في أميركا اللاتينية بعمل عسكري مماثل، ويسعى حالياً إلى ضم غرينلاند طوعاً أو كرهاً، وحذر إيران من أن الولايات المتحدة قد تضربها مرة أخرى بعد أن ضربها في يونيو (حزيران) الماضي. وهي ممارسات تسارعت أخيراً لتترك الأصدقاء والأعداء في حال من الصدمة والتساؤل حول ما سيفعله ترمب لاحقاً، وهل يجب عليهم التكيف مع الحقائق الجيوسياسية المتغيرة أم أن هذا الوضع قد يتغير مستقبلاً؟
الحلفاء قبل الأعداء
على مدى 12 شهراً، مارس الرئيس ترمب التهديد والوعيد ضد حلفاء الولايات المتحدة قبل أعدائها في مناسبات عدة، فقد جدد انتقاداته لحلفائه الأوروبيين بسبب إسهاماتهم المحدودة في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وحذرهم من ضياع هويتهم الأوروبية بسبب تدفق المهاجرين، وتبنى وجهة نظر اليمين المتطرف، وأوقف الدعم الأميركي لأوكرانيا وهدد بعدم توفير السلاح الأميركي والتعاون الاستخباراتي معها، وفرض رسوماً جمركية على أوروبا وبريطانيا معتقداً أن الأوروبيين لا يتعاملون مع أميركا بإنصاف.
ومنذ أن عاد إلى البيت الأبيض، استخدم سلاح التعريفات الجمركية مع الجميع حول العالم، ووضع الأسواق الأميركية والأوروبية والدولية في حال اضطراب وتقلب شديدين كأسلوب لممارسة النفوذ القسري، مستغلاً السوق الأميركية الضخمة وقوة اقتصاد بلاده، ثم انتقل سريعاً إلى توسيع رقعة نفوذه الجيوسياسي عبر إبداء رغبته في الاستحواذ على جزيرة غرينلاند التي تتمتع بالحكم الذاتي والتابعة للدنمارك، حليف الولايات المتحدة في حلف الـ"ناتو"، وطور تهديداته أخيراً بشكل صارم مهدداً بعمل عسكري لضم الإقليم بالقوة إذا اضطر إلى ذلك.
كذلك تحدث الرئيس الأميركي أيضاً عن ضرورة أن تكون كندا، الجارة الشمالية وأقرب حلفاء أميركا، الولاية 51 للولايات المتحدة، وهدد كذلك الجارة الجنوبية المكسيك بتوجيه ضربات عسكرية إلى عصابات وكارتيلات المخدرات التي اتهمها بتسميم الشباب الأميركي، وتحدث ترمب أيضاً عن استعادة قناة بنما بالقوة العسكرية وضغط على الحكومة البنمية لإعادة النظر في المنشآت التي تديرها الصين بالقرب من الممر المائي الاستراتيجي.
وعلى رغم أن ترمب مارس نفوذه الاقتصادي ضد خصومه في كل من بكين وموسكو إلا أن الحرب التجارية الأميركية مع الصين لم تنجح في تحقيق أهدافها بعدما تعاملت القيادة الصينية بندية مع الإدارة الأميركية، واتفق الجانبان أخيراً على تهدئة نسبية وتأجيل التصعيد، كذلك لم تسهم العقوبات الاقتصادية التي فرضتها واشنطن على روسيا في تغيير موقف الرئيس فلاديمير بوتين من الصراع في أوكرانيا.
ولعل الاستخدام الأولي للقوة العسكرية الأميركية مع إيران في يونيو الماضي لتدمير منشآت إيران النووية، كان أبرز تعبير عن استخدام القوة العسكرية المطلقة من دون تفويض من الكونغرس، مما جعله يرسخ سلطة شن هجوم عسكري من جانب واحد على قوة إقليمية كبرى مثل إيران من دون أي تهديد وشيك للولايات المتحدة.
تحول جيوسياسي
لكن بعد أسابيع قليلة من صدور الاستراتيجية الأمنية لإدارة ترمب على الساحة العالمية، وتأكيدها على إعادة إحياء مبدأ مونرو الذي يعود إلى بداية القرن الـ19، والذي أعطى الأولوية للهيمنة الأميركية في نصف الكرة الغربي، والآن تبناه ترمب وأعاد صياغته ليصبح "مبدأ دونرو"، بدا واضحاً أن الرئيس الأميركي يتجه إلى إرساء نظرة عالمية تحدد مناطق النفوذ التي ترسمها القوى الكبرى.
وفي غضون أسبوعين فقط بعد بداية العام الجديد، شهد العالم سلسلة من الأحداث التي ربما تشكل نهاية للنظام الدولي القائم على القواعد، والذي شيدته الولايات المتحدة نفسها في أعقاب الحرب العالمية الثانية عام 1945 وحافظت عليه الإدارات الرئاسية الأميركية المتعاقبة منذ ذلك الحين وحتى الآن سواء كانت جمهورية أم ديمقراطية.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وعلى رغم أن النظام العالمي الليبرالي القائم على التجارة الحرة وسيادة القانون واحترام السلامة الإقليمية تعرض لانتكاسات عرضية، إلا أنه ساعد في تجنب الصراعات العالمية، وحافظ على الغرب بقيادة الولايات المتحدة مهيمناً على السياسة والاقتصاد العالمي على مدى ثمانية عقود متواصلة.
غير أن ما يشهده العالم الآن من سياسات مغايرة لإدارة ترمب، ليس مجرد سلسلة من الأزمات المعزولة، بل فرض معايير جريئة بشكل مذهل لاستعراض القوة الأميركية بطريقة يصفها الحلفاء والأعداء بالإكراه الصريح والفظ، من دون أي اعتبار للدبلوماسية المتعددة الأطراف، وهو مسار مقلق يشير إلى عالم منقسم ليس على أسس أيديولوجية، بل على معايير تتعلق بالقوة والقرب الجغرافي ومدى الخطر الماثل.
عالم تحكمه القوة
ترك ذلك كثيراً من دول العالم في حال من الصدمة، إذ يكافح الأصدقاء والأعداء على حد سواء للتكيف مع الحقائق الجيوسياسية التي تبدو متغيرة، وسط شعور بعدم اليقين في شأن ما سيفعله ترمب لاحقاً، وما إذا كانت هذه التغييرات الأخيرة ستكون طويلة الأمد أم يمكن التراجع عنها من قبل رئيس أميركي مستقبلي أكثر تقليدية.
بالنسبة إلى البيت الأبيض، فإن السياسات التي يتبعها ترمب، والتركيز على الأميركتين، واستعراض القوة العسكرية، والتشديد على ضبط الحدود، والاستخدام الواسع للتعريفات الجمركية مع جميع دول العالم تقريباً، هي البرنامج الذي انتخب ترمب من أجل تنفيذه، كذلك ترى الإدارة الأميركية أن قادة العالم يستجيبون وفقاً لهذه السياسات.
ويبدو أن ستيفن ميلر، مستشار البيت الأبيض الذي يعد من أكثر المقربين تأثيراً في الرئيس الأميركي، لخص نظرة الإدارة للعالم عندما قال لشبكة "سي أن أن" قبل أسبوعين فقط "نعيش في عالم حقيقي تحكمه القوة، ويحكمه النفوذ، وتحكمه السلطة".
وعلى رغم القلق الذي يساور الأوروبيين منذ وصول ترمب إلى البيت الأبيض بسبب الشكوك حول استعداده للدفاع عن أوكرانيا ضد روسيا، وهوسه الأخير بغرينلاند التابعة للدنمارك، عضو حلف الـ"ناتو" التي قاتل جنودها وقتلوا إلى جانب القوات الأميركية في أفغانستان في أول تفعيل للمادة الخامسة الخاصة بالدفاع المشترك في ميثاق الحلف، إلا أن إدارة ترمب لم تأبه لمخاوفهم، بل على العكس اعتبرت أن الاستحواذ على غرينلاند خطوة طال انتظارها، بخاصة في ظل التغلغل الاقتصادي والدبلوماسي الصيني في المنطقة.
نقطة بداية
وفي حين يجمع غالبية فقهاء القانون الدولي على أن عملية اختطاف رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو ومحاكمته في الولايات المتحدة بعد عملية عسكرية خاطفة، تعد خرقاً فاضحاً للقانون الدولي، وانتهاكاً لميثاق الأمم المتحدة، يبرر المسؤولون في البيت الأبيض عملية التوغل العسكري بأنها شرعية وتعيد النفوذ الأميركي بشكل صحيح عبر إطاحة مادورو، الذي اتهمه ترمب بتسميم الأميركيين عبر تدفق المخدرات غير المشروعة وإرسال المهاجرين الفنزويليين إلى الولايات المتحدة.
وكتب ألكسندر غراي، المستشار السابق للسياسة الخارجية خلال ولاية ترمب الأولى، على موقع المجلس الأطلسي وهو مركز بحثي في واشنطن، أنه بينما صدمت تصرفات الإدارة في فنزويلا العالم وأرسلت رسالة قوية إلى منافسي الولايات المتحدة في بكين وموسكو وهافانا وطهران، من المرجح أنها مجرد نقطة البداية لإعادة تقييم أطول وأكثر شمولاً للمصالح الأميركية الأساسية في نصف الكرة الأرضية الغربي.
إمبريالية جديدة
على رغم أنه خاض حملته الانتخابية على أساس شعار "أميركا أولاً" الذي يدعو إلى تجنب التدخلات العسكرية الجديدة، أظهر ترمب رغبة محمومة في ممارسة القوة الأميركية المطلقة، كما فعل في قصف المواقع النووية الإيرانية في يونيو الماضي، وتهديده بقصفها مرة أخرى لمساندة المحتجين هناك، وهجوم الثالث من يناير الجاري على فنزويلا، وتهديده باستخدام القوة العسكرية للاستحواذ على غرينلاند، وإشاراته المتكررة إلى أنه قد يتدخل مرة أخرى في نصف الكرة الغربي حيث تعهد باستعادة الهيمنة الأميركية.
وبينما يدفع ترمب باتجاه نسخة متطرفة من نظرية السلطة المطلقة، وهي فكرة أن الرؤساء الأميركيين يمتلكون سلطة مطلقة على عملية صنع القرار في السلطة التنفيذية، يتهم المنتقدون سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها، الرئيس الأميركي بخلق إمبريالية جديدة، وهو ما لم يكن مفاجئاً لكثيرين على ما يبدو، إذ يشير المستشار السابق للسياسة الخارجية في إدارة أوباما، بريت بروين إلى أن الجميع توقعوا أن يعود ترمب إلى منصبه بلهجة متغطرسة، ومع ذلك فإن هذا التدمير لأركان الاستقرار والأمن الدوليين يحدث بوتيرة مقلقة ومزعجة.
وفي أعقاب تهديدات ترمب في شأن غرينلاند، اتهم الرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير الأسبوع الماضي الولايات المتحدة بالعمل على انهيار القيم، وحث العالم على عدم السماح للنظام الدولي بالانهيار ليتحول إلى وكر لصوص، كما قال سيرغي ماركوف المستشار السابق للكرملين، إن "سرقة" ترمب رئيس دولة أخرى يظهر أنه لا يوجد قانون دولي في الأساس بل فقط قانون القوة.
وما يثير مخاوف البعض وبخاصة خصوم ترمب، أن رغبة الرئيس الأميركي في شن مزيد من العمليات العسكرية الخارجية ربما تستمر لتشمل أهدافاً تتجاوز بكثير نصف الكرة الغربي، ففي خضم التداعيات المتعلقة بفنزويلا هدد بالتدخل لمصلحة المحتجين في إيران، حيث يواجه النظام أحد أشد التحديات لسلطته منذ الثورة الإسلامية عام 1979، وهو تهديد ما زال قائماً حتى الآن في ظل إرسال حاملة الطائرات الأميركية "أبراهام لينكولن" إلى المنطقة، على رغم النبرة الهادئة التي تحدث بها ترمب قبل أيام عن وقف قتل المحتجين أو إعدامهم.
قوة عظمى مارقة
ربما يكون التحول الأكثر أهمية هو التصور العالمي الناشئ للولايات المتحدة ليس كقوة مهيمنة تخطئ أحياناً ولكنها تحتفظ بقدر من المبادئ، بل كقوة عظمى مارقة، فقد تركت الهجمات والتهديدات الأميركية الجريئة جداً والمتسارعة في كل من فنزويلا وغرينلاند وإيران، والضغط على كولومبيا والمكسيك، واحتجاز ناقلة نفط روسية، وإصدار إنذارات نهائية لكوبا، المجتمع الدولي أصدقاء وأعداء على حد سواء في حال من الذهول.
ما يميز هذه اللحظة عن الحلقات السابقة من التصرفات الأحادية الأميركية، مثل غزو العراق، أو التدخلات المختلفة خلال الحرب الباردة، هو رفض إدارة ترمب الصريح لمجرد التظاهر بالالتزام بنظام قائم على القواعد، فلا وجود لأي حديث عن نشر الديمقراطية، ولا مبررات قانونية مستمدة من قرارات الأمم المتحدة، ولا بناء تحالفات لتقاسم عبء العمل وشرعيته.
على عكس ذلك، سيطرت فلسفة جديدة صرح بها مسؤولون في الإدارة علناً، مفادها أن العلاقات الدولية تحكمها القوة والنفوذ في جوهرها، وأن القوة هي التي تملي الحق، وأن المصالح الأميركية لا تحتاج إلى أي تأييد خارجي، وهو ما يمثل تآكلاً عميقاً لما يسمى "القوة الناعمة"، أي القدرة على تشكيل النتائج من خلال الجاذبية والإقناع بدلاً من الإكراه.
تلاشي السلطة الأخلاقية
لعقود من الزمن، حتى مع امتلاك أميركا للقوة العسكرية والاقتصادية، حافظت الولايات المتحدة على رصيد من السلطة الأخلاقية المستمدة من التزامها بالمعايير الديمقراطية والقانون الدولي والتزاماتها بتحالفاتها، حتى وإن كان هذا الالتزام غير كامل في بعض الحالات.
لكن هذا الرصيد يتلاشى بسرعة حالياً، إذ يتحدث الحلفاء الأوروبيون سراً عن واشنطن كشريك غير موثوق به، وترى الدول النامية تأكيداً لشكوكها القديمة حول نفاق الغرب، ولم يعد الأعداء على رغم خوفهم من القوة العسكرية الأميركية يمنحون واشنطن الاحترام الدبلوماسي الذي كان يرافقها في السابق.
والسبب في ذلك أن المفارقة صارخة، وهي أن أميركا التي كانت في السابق تدعي أن تحركاتها مدفوعة في كثير من الأحيان بالشرعية، لم تعد مستعدة لاستخدام قوتها دفاعاً عن هذه الشرعية، وهو أمر لا يولد الاستقرار بل التقلبات، إذ تسعى الدول الأخرى جاهدة لاتخاذ الاحتياطات، وتحقيق التوازن، والاستعداد لعالم حلت فيه حال عدم اليقين الدائم محل القدرة على التنبؤ.
ماذا بعد؟
يمثل تغيير النظام في فنزويلا، والتهديد بضم غرينلاند، واقتراب إيران من الحرب، ونظرة العالم إلى أميركا على أنها دولة مارقة، وضعف خصوم واشنطن، نقطة تحول ربما تقود إلى ثلاثة سيناريوهات: أولها متفائل نسبياً، وهو أن ما فعلته إدارة ترمب كان بمثابة مناورة افتتاحية صادمة، واستراتيجية متعمدة للضغط الأقصى مصممة لانتزاع التنازلات وترسيخ الردع، وبعدها سينشأ توازن جديد. ووفقاً لهذا الرأي، سيعيد الخصوم تقييم مواقفهم، وسيتكيف الحلفاء، وسيستقر نظام دولي منقح وإن كان أكثر قسوة تهيمن فيه الولايات المتحدة بشكل مؤكد.
ويشير السيناريو الثاني، إلى أن العالم يشهد المراحل الأولى من عملية تدريجية يتفكك فيها الاقتصاد العالمي المتكامل إلى كتل متنافسة، وتعاد فيه هيكلة سلاسل التوريد وفقاً للخطوط الجيوسياسية، وتتباعد نظم التعاون التكنولوجي الأميركية والصينية، وربما الأوروبية، ويعود خطر حرب القوى العظمى كاحتمال قائم.
أما السيناريو الثالث الأكثر إثارة للقلق، فهو أن التحركات الأميركية ليست منسقة ضمن استراتيجية كبرى، بل هي ردود فعل مرتجلة مدفوعة بضرورات سياسية داخلية، ودوافع شخصية، والتزامات أيديولوجية بالقوة المطلقة بمعزل عن التماسك الاستراتيجي.
وفي ظل السيناريو الأخير، لا تعد الفوضى سمة مصممة لتحقيق أهداف محددة، بل هي خاصية ناشئة لقيادة غير مقيدة بالمعايير المؤسسية، أو مشورة الخبراء، أو الحذر التاريخي، بل سفينة بلا دفة مدفوعة بمحركات هائلة قادرة على تجاوز القيود والعقبات، ولكنها غير قادرة على رسم مسار مستدام.
التحدي الأهم
حتى الآن لم تختف الضوابط التي كانت تقيد سلوك القوى العظمى مثل القانون الدولي، وتضامن التحالفات، والترابط الاقتصادي، ومعايير الالتزامات بالسيادة، لكن تبين أنها أكثر هشاشة مما كان يفترض.
دخل العالم الآن عصراً تعمل فيه القوة بشكل أكثر وضوحاً، بعدما تآكلت واجهة النظام القائم على القواعد، ولم يعد السؤال يدور حول ما إذا كان نظام ما بعد عام 1945 سيتم إصلاحه، بل حول ما إذا كان سيبقى على قيد الحياة من الأساس.
بالنسبة إلى صناع القرار في جميع أنحاء العالم، لم يعد التحدي يكمن في التنبؤ بالاستقرار، بل في الاستعداد لحال من عدم الاستقرار المستمر، وبناء القدرة على الصمود في وجه الصدمات، ومقاومة الانجراف نحو الصراع الذي يولده عالم ثنائي القطب.
قد لا يكون القرن الأميركي قد انتهى، فالقوة الأميركية لا تزال لا تضاهى، لكن الإجماع الذي كان يصاحبه، والشرعية التي كانت تخفف من حدته، والقدرة على التنبؤ التي كانت تجعله قابلاً للإدارة، كلها اهتزت بشدة، ويبقى السؤال المحوري هو ما إذا كان ما سينتج من هذه الاضطرابات نظام جديد أم مجرد فوضى، وهو سؤال قد تجيب عنه فترة زمنية أقصر بكثير مما نتوقع.