ملخص
الغزو الأميركي لفنزويلا انتهاك صارخ للقانون الدولي فشلت كل تبريراته المتبدلة - من إنفاذ القانون إلى الدفاع عن النفس والديمقراطية - ليبقى دافعه الحقيقي السيطرة على النفط وتكريس عقيدة ترمب الجديدة كصيغة معلنة للهيمنة والاستيلاء على الموارد. ومع تمدد هذا المنطق إلى غرينلاند، تتكشف استراتيجية فوضوية تعلن الاستيلاء على الموارد بلا أقنعة أخلاقية وتغامر حتى بعلاقات الحلفاء.
شكل الهجوم الأميركي على فنزويلا انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي، إلا أنه لا قيمة للقانون الدولي في ظل النظام العالمي الجديد، كما برهن دونالد ترمب في نهاية الأسبوع الماضي. لقد بذل هو وفريقه جهوداً مضنية ومتكررة من أجل إيجاد مبرر قانوني أو حتى أخلاقي، وعلى رغم أن ترمب يكذب دائماً وأبداً، إلا أنه كثيراً ما يفصح عن أعمق أفكاره خلال خطاباته المطولة، وقد فعل ذلك هنا. وقد أوضح سلفاً أنه لا يبالي إطلاقاً بالقانون ولا بالأخلاق، وليس لديه أية خطة لإدارة دولة يبلغ تعداد سكانها 30 مليون نسمة، إنه يريد النفط.
دعونا نستعرض التبريرات المتعددة، التي جرى طرحها في الـ48 ساعة الأولى فقط التي تلت الهجوم.
أولاً، لم يكن هذا غزواً عسكرياً، بل مجرد دعم لرجال إنفاذ القانون الذين يحاولون إلقاء القبض على شخص بموجب لائحة اتهام صحيحة. ثانياً، كان هذا دفاعاً عن النفس، لأن حكم نيكولاس مادورو، الذي كان يرعى الإرهاب المرتبط بتجارة المخدرات، كان يؤدي إلى مصرع آلاف الأميركيين. ثالثاً، كنا بحاجة إلى استعادة الديمقراطية، وكان مادورو شخصاً سيئاً، وكنتم على حق حين توقعتم أنه سرق الانتخابات. رابعاً، سرقت فنزويلا "نفطنا"، وكانت هذه خطوة مشروعة لاسترداده. خامساً، كان هذا تطبيقاً سليماً لعقيدة مونرو أو نتيجته المنطقية الجديدة: عقيدة "دونرو" [نسبة إلى "دونالد" ترمب].
لا يصمد أي من هذه المبررات المتغيرة أمام أدنى تدقيق، فإنفاذ القانون لا يسمح إلا من الشرطة داخل الأراضي الأميركية (أو في حالات محدودة، على متن سفينة ترفع علم الولايات المتحدة)، وليس من خلال عمليات قصف واسعة النطاق أو عمليات القوات الخاصة التي تسفر عن مقتل 80 شخصاً (لكن بما أنه لم يقتل أي أميركي، فلا داعي للقلق). ولا يسمح لدولة أجنبية بإنفاذ القانون على أراضي دولة أخرى إلا بموافقة حكومة الدولة الأم، وهو ما لم يحدث هنا.
عندما اختطف أدولف أيخمان في الأرجنتين من إسرائيل عام 1960، أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قراراً، بدعم من الولايات المتحدة، ينص على أن ذلك يمثل "انتهاكاً للمبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي، مما يخلق جواً من انعدام الأمن وفقدان الثقة يتعارض مع الحفاظ على السلام". وبحسب المستشار القانوني لرونالد ريغان في وزارة الخارجية، فإن محاولات الاعتقال في الدول الأجنبية "لا تتمتع بأي مبرر قانوني بموجب القانون الدولي إلا في حالة الدفاع عن النفس".
ويقودنا هذا إلى التبرير الثاني، يدعي ترمب أنه كان يدافع عن الولايات المتحدة ضد إرهابيين يتاجرون بالمخدرات ممن يقتلون أميركيين بواسطة عقار الفنتانيل. دعونا نضع جانباً حقيقة أن الفنتانيل يجري صنعه بصورة رئيسة في المكسيك بمكونات صينية، أو أن شحنات المخدرات العابرة من فنزويلا، وخصوصاً الكوكايين، تذهب في معظم الأحيان إلى أوروبا. ولنضع جانباً أيضاً أن ترمب أصدر عفواً عن رئيس هندوراس الذي دانته هيئة محلفين أميركية بتهمة تهريب 400 طن من الكوكايين، وهو ما يفوق بكثير الكمية التي اتهم بتهريبها مادورو. إن الاتجار بالمخدرات يعتبر جريمة خطرة، ولكنه لا يرقى إلى أن يكون عملاً حربياً يبرر من الأساس الادعاء بالدفاع عن النفس. إن الدفاع عن النفس ليس مفهوماً شخصياً يجري تطبيقه إذا كان الرئيس يشعر برغبة في الاستعانة به. من الممكن أن يطبق فقط إذا شنت دولة أخرى، أو جهة فاعلة من غير الدول، هجوماً مسلحاً على أراضيك ذات السيادة، وفنزويلا لم تهاجم الولايات المتحدة.
إذاً، دعونا ننتقل إلى ذريعة "الدفاع عن الديمقراطية". لم يكن مادورو ديمقراطياً، وقد سرق انتخابات 2024 مع أعضاء دائرته المقربة. ويدعو ميثاق الأمم المتحدة إلى إعطاء جميع الشعوب الحق في تقرير وضعها السياسي بحرية، لذا ربما كان ترمب يساعد الفنزويليين في هذا المسار عن طريق إطاحة مادورو. دعونا نضع جانباً أنه على ما يبدو كان يسعى إلى تحقيق مكاسب شاملة في دفعة واحدة مع أعضاء دائرة مادورو الداخلية الاستبدادية وحدها، وليس عبر ماريا ماتشادو، الحائزة على جائزة نوبل للسلام التي تحظى بتأييد شعبي كاسح، أو إدواردو غونزاليس الذي ينظر إليه على نطاق واسع على أنه الفائز بغالبية ساحقة في انتخابات 2024 المتنازع عليها. حتى لو كان هدف ترمب هو إقامة ديمقراطية مثالية في فنزويلا على غرار ديمقراطية أثينا، فإن حق تقرير المصير حق أصيل لمواطني أي بلد، لا يجري فرضه بالقوة العسكرية من قوة أجنبية.
إن غضب ترمب من سرقة "نفطنا" المزعومة هو أقرب إلى السبب الجوهري للغزو (وكذلك، كما ورد، الرقص الوقح الذي أداه مادورو)، غير أن ثمة مشكلتين هنا. فمادورو لم يسرق أياً من "نفطنا"، ذلك أن النفط موجود تحت الأرض في فنزويلا. في عام 1976، حذت فنزويلا حذو عشرات الدول الأخرى فقامت بتأميم صناعة النفط، مما أفضى عملياً إلى إلغاء امتيازات لها قيمتها كانت قد منحت لشركات خاصة قبل نصف قرن. وقد ضمنت هذه الامتيازات لشركات النفط حق استخراج النفط وبيعه خلال فترة زمنية محددة، ولم تعطها حق ملكيته. وافقت شركات نفط عديدة على دفع تعويضات تقدر بنحو مليار دولار. في عام 2007، عزز الرئيس تشافيز من سيطرة الدولة على صناعة النفط، وجرى رفع دعاوى أمام المحاكم ضد فنزويلا، وصدرت أحكام وقرارات تحكيم متعددة لمصلحة شركات النفط. وإذ تتمتع هذه الشركات كأي متقاض مدني بالحق في تنفيذ الأحكام التي أصدرتها المحكمة لمصلحتهم، والسعي إلى تحصيل ما حكمت لهم به، فإنه لا يحق للدائنين المدنيين استدعاء قوات مشاة البحرية.
أخيراً، لقد غيرت إدارة ترمب اسم "عقيدة مونرو" بحيث صار "عقيدة دونرو"، وهي تطالب بما تعتبره حقها في التصرف كما يطيب لها في نصف الكرة الأرضية الغربي. هذا هو تفسير ترمب لعقيدة مونرو الذي يعود تاريخه لأوائل القرن الـ19، عندما سعى الرئيس مونرو إلى الحد من تدخل القوى الأوروبية واستعمارها في نصف الكرة الأرضية الغربي. وجاء ذلك بعد سنوات قليلة من إحراق البريطانيين للبيت الأبيض عام 1812. إلا أن أياً من "عقيدة مونرو" و"عقيدة دونرو"، لا تعد من المبادئ القانونية أو الأخلاقية، بل هما عبارة عن صيغتين للمطالبة بالسلطة وبمناطق النفوذ.
تكشف عن عقيدة دونرو حقيقة ذريعة غزو فنزويلا واختطاف مادورو وزوجته، كان مونرو يحاول منع القوى المهيمنة في عصره من التدخل في شؤون جمهورية جديدة وهشة. أما دونرو فيسعى إلى خلق استعمار جديد من جانب القوة الإمبريالية الأعظم في الوقت الحالي، [تضع يدها من خلاله] على الموارد الاستراتيجية الأساسية لعصرنا. يقول ترمب إنه "سيدير البلاد" و"يسيطر على" احتياطات النفط الفنزويلية. وأعلن ترمب في يوم الخميس أن الوجود الأميركي سيكون "لمدة غير محددة"، و"أطول بكثير من عام"، و"الوقت وحده كفيل بتقرير المدة". وفي قمة الأولويات يأتي استخدام ما يسميه وزير الخارجية ماركو روبيو "النفوذ الهائل" للولايات المتحدة من أجل نقل ما بين 30 و50 مليون برميل من النفط وجلبها إلى الولايات المتحدة لتكريرها وبيعها، وذلك من دون أية فكرة عن مصير هذه العائدات وأين ستذهب.
وقد زعم أن العمليات الأميركية المختلفة، بما في ذلك حروب الخليج، كان سببها الرئيس هو النفط. ولقد تم نفي هذه الاتهامات على أنها شكوك مبالغ فيها حول دوافع الحكومة الأميركية، إذ كانت الغايات الحقيقية هي القتال من أجل الحرية أو ضد الإرهاب. وفي ظل هذا الرئيس، ليس هناك حاجة إلى أهداف أسمى، ويجري الإعلان بوقاحة الاستيلاء على الموارد.
في عام 1954، أطاحت وكالة المخابرات المركزية الأميركية حكومة غواتيمالا، لأنها حاولت القيام بإصلاح ممارسات العمل الوحشية لشركة "يونايتد فروت كومباني"، التي مارست ضغوطاً كبيرة من أجل وقوع انقلاب. لكن، لا يتصل الأمر هذه المرة بالموز، بل بأكبر احتياطات الهيدروكربونات في العالم. وفي أعقاب الصدمة والرعب الأوليين بعد الغزو، يبدو أن ترمب لا يملك خطة لإدارة بلد منقسم بشدة يبلغ عدد سكانه 30 مليون نسمة، لكن لديه بالتأكيد هدفاً واضحاً، وقد كشف لنا عنه.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
ولا شيء يؤجج الحماسة للقيام بالغزو مثل النجاح قصير الأجل، ويظهر أن "عقيدة دونرو" قد تمددت الآن لتشمل غرينلاند، التي كانت أرضاً تابعة للدنمارك، حليفتنا في "حلف شمال الأطلسي" (الناتو)، منذ أكثر من قرنين من الزمن. ومما يثير السخرية أنه بعد احتلال ألمانيا النازية للدنمارك خلال الحرب العالمية الثانية، وسعت الولايات المتحدة نطاق "عقيدة مونرو" ووقعت اتفاقاً دفاعياً بغية منع الألمان من الاستيلاء عليها خلال الحرب.
وفي أعقاب تحرير الدنمارك، استعادت السيطرة على غرينلاند، التي جرى ضمها إلى البلاد كإقليم يتمتع بالحكم الذاتي، مع احتفاظ الولايات المتحدة بوجود أمني فيها على امتداد فترة الحرب الباردة. ولقد أدرك التحالف الغربي على الدوام الأهمية الاستراتيجية لغرينلاند، كما رحب دوماً بوجود المظلة الأمنية الأميركية. بيد أن ترمب، على عادته، يريد [الحصول على] العقارات، بما يتضمن السيطرة على المعادن الموجودة تحت سطح الأرض في غرينلاند، ويبدو أنه غير مكترث نسبياً [بتداعيات] تهديده حليف في الناتو بغزو إقليمي. ومن عجيب المفارقات، أنه بموجب المادة الخامسة، ستكون الولايات المتحدة ملزمة بتقديم دعم عسكري للدنمارك ضد أي توغل أميركي، هكذا تبدو الاستراتيجية الفوضوية والعسكرة العمياء في عالمنا اليوم.
© The Independent