Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هكذا تصنع اللغة الثانية من ذواتنا نسخا أشجع

تستدعي الكلمات في لغتنا الأم استجابات عاطفية تلقائية بينما التعبير باللغة الأجنبية يشبه التحدث من خلف زجاج عازل

يذوب اليقين وتصبح الاحتمالات أكثر مرونة في الحكم وأعمق في الفهم (أن سبلاش)

ملخص

اللغة الأم هي الوعاء الذي يحمل الصدمات أو المواقف المحرجة التي مررنا بها، واستخدام لغة غريبة يعمل كـ"درع نفسي"، فنشعر بأن الشخص الذي يتحدث الآن هو نسخة بديلة عنا، نسخة لم تختبر تلك الذكريات السيئة، مما يمنحنا شجاعة في التعبير والتفاوض أو حتى الاعتراف بمشاعر معينة.

أن تتقن لغة ثانية في عصر تتلاشى فيه الحدود الجغرافية وتتلاقى الثقافات في الفضاء الرقمي، يعني أن تقع فجأة على اكتشاف غرف فكرية إضافية في عوالم معرفية موازية، وأنك لم تعُد تسكن في غرفة ضيقة ضمن مساحة واحدة، بل أصبحت المالك لأرشيف من الرؤى والإمكانات والمآلات، فحين تفكر بلغتين، لا تعود الكلمات مجرد أدوات للتعبير، بل تصبح مناخاً كاملاً من المنطق والمشاعر والتاريخ والثقافة، فيذوب اليقين وتبرز الاحتمالات، وتصبح أكثر مرونة في الحكم وأعمق في الفهم وأوسع في التعاطف.

فهل للغة المستخدمة في التعبير تأثير كبير في أدائنا العام وطريقة تعبيرنا ولغة جسدنا وثقتنا بأنفسنا وطريقة تقبلنا للمشكلات وحلها؟ من هذا السؤال سنحاول تقديم تحليل معمق انطلاقاً من نظرية "تأثير اللغة الأجنبية".

لغة التعبير الأقوى

لاحظ متابعو حفل "جوي أووردز" كيف انتقلت المؤثرة السعودية الشابة رتيل الشهري عبر الكلمة التي تلتها عقب فوزها بجائزة أفضل مؤثرة في الوطن العربي، من حال متوترة إلى حال من الثقة المتدفقة بثوانٍ قليلة، بمجرد أنها استعانت بلغتها الثانية، قامت الشابة فعلياً بالانتقال السريع إلى اللغة الإنجليزية بذكاء فطري لافت في محاولة لمتابعة التعبير عما تريد إيصاله، بعيداً من المخاوف والشحنات العاطفية المعوقة، واستطاعت بصورة أو بأخرى اقتناص النجاح في تلك اللحظة.

والحقيقة أن للغة الأولى تأثيراً كبيراً في عاطفة الإنسان ومشاعره، فاللغة الأم عاطفية بطبعها ومقيدة، بعكس اللغة الثانية التي نلجأ إليها كمنطقة محايدة تتيح لنا التحول إلى هوية أكثر عقلانية وجدية وجرأة، وكأن المتحدث يتكلم من خلف ستار يحميه.

 

وفي حال المؤثرة الشابة، تعد لغتها الأم (العربية) في الأصل لغة عاطفية قوية جداً وحمالة لشحنات عاطفية، في حين أن اللغة الأجنبية تغذي القدرة على التفكير المنطقي واتخاذ قرارات صحيحة وجريئة، واختيار كلماتها يخفف من حدة المعنى ووقعه على النفس.

ثنائيو اللغة

تقول الدراسات الحديثة أن ثنائيي اللغة يرون العالم بالألوان بقلوب منفتحة على الحب والعلم والحكمة، إذ يتعلق الأمر بظاهرة نفسية مثيرة للاهتمام يطلق عليها "تأثير اللغة الأجنبية" (Foreign Language Effect)، تكشف لنا عن كيف تحدد اللغة التي نتقنها ليس فقط ما نستطيع قوله، بل ما نستطيع التفكير فيه وكيفية التصرف في هذا العالم المترابط، ضمن عملية تحويل جذرية لبنية عقولنا وطريقة تفاعلنا مع العالم، وتعيد تشكيل دوائرنا العصبية وتطور مرونتنا المعرفية وتجعلنا أكثر قدرة على فهم التعقيدات الإنسانية التي تتجاوز حدود الثقافة الواحدة.

في عالمِ لغتك الأم، تسير أفكارك في شوارع مألوفة مستقيمة تحكمها قوانين مرور واضحة، بينما قد تكتشف في مساحات لغة جديدة طرقاً تنبثق فيها أفكار من ينابيع في قلب الصخر أو تتدفق كالأنهار أو تتطاير كالفراش في حديقة زاهية.

هي ليست مجرد زيارة عابرة، بل بوابة عبور إلى عوالم جديدة من الفكر والإدراك، وهي أن تشرق في سمائك الداخلية شمس ثانية تمنح عالمك ظلالاً جديدة وتضيء بدفء مزيداً من المساحات المهملة، هي باختصار رحلة إلى نسخة أخرى منك.

الأم والأجنبية

يعد هذا الموضوع من أعمق وأجمل المواضيع في علم النفس اللغوي، الفرع الذي يدمج علم النفس باللسانيات، ويشير عالم النفس الأميركي دانيال كانيمان في كتابه "التفكير السريع والبطيء" إلى وجود نظامين في الدماغ، يعمل الأول بسرعة وتلقائية مع جهد قليل أو من دون جهد أصلاً، إذ لا سيطرة طوعية على عمله بل تتدفق الكلمات بصورة طبيعية من دون تفكير واعٍ، وتصل المعاني فوراً محملة بكل شحنتها العاطفية، لذا يستخدم عادة مع اللغة الأم.

من جهة أخرى تعد هذه الانطباعات والمشاعر الأصلية التي لا جهد فيها، المصادر الرئيسة للمعتقدات الظاهرة والخيارات المقصودة للنظام الثاني الذي ينقل الانتباه إلى النشاط العقلي الجهدي، بما في ذلك العمليات الحسابية المعقدة، وترتبط عملياته في كثير من الأحيان بالخبرة الذاتية والاختيار والتركيز، ولذلك ينشط أكثر عند استخدام أية لغة أجنبية لينتقل الدماغ تلقائياً إلى الوضع التحليلي، إذ يتطلب التحدث بلغة ثانية تركيزاً ذهنياً عالياً لاختيار الكلمات ومعالجة القواعد وبناء الجمل بوعي.

 

وهنا حيث الذات الواعية المفكرة التي تمتلك معتقدات وتنتقي بين الخيارات وتقرر ماذا تفكر وماذا تفعل، يقل تأثير المخاوف الوهمية وردود الفعل العاطفية المبالغ فيها، وتزداد الجرأة القائمة على المنطق والقدرة على قول أشياء يصعب قولها في اللغة الأم.

بعيداً من "الأميغدالا"

تستدعي الكلمات، في اللغة الأم (النظام الأول)، استجابات عاطفية تلقائية وسريعة، فهي ترتبط منذ الطفولة بمراكز العاطفة ومناطق اللاوعي في الدماغ مثل "الأميغدالا" (اللوزة الدماغية)، حيث لا تخزن كل كلمة نتعلمها في هذه المرحلة فقط كمعنى، بل كتجربة حسية عاطفية كاملة، إذ يعزز اكتساب اللغة الأولى الروابط بين الشبكة العصبية (المادة البيضاء) ومناطق الذاكرة، مما يمنحها تأثيراً عاطفياً مباشراً في اتخاذ القرارات.

وهي كما اسمها لغة الأم والقلب، ترتبط بعمق بذكرياتنا الأولى ومشاعرنا الطفولية وتجاربنا العاطفية الباكرة، مما يجعلها لغة مشاعر بامتياز مقارنة باللغات المكتسبة التي يقودها العقل بكفاءة، فنحن غالباً ما نتقن اللغة الأجنبية (النظام الثاني) في مرحلة تالية، لتعالج في مناطق أكثر عقلانية وتحليلاً في الدماغ مثل القشرة الأمامية الجبهية (مديرة الدماغ)، وهذا البعد يخلق بصورة ما حاجزاً نفسياً بيننا وبين الشحنة العاطفية المباشرة للكلمات، بالتالي الأمر أشبه من الناحية النفسية بالتحدث من خلف زجاج عازل، فتقلل هذه المسافة من القلق الاجتماعي وتحرر السلوك، إذ لا تصل المشاعر السلبية بالحدة ذاتها، فتصبح المواجهة أسهل والاعتراف كذلك، ويبدو النقد أقل تهديداً والرفض أقل تأثيراً.

طاقة قابلة للقياس

اللغة الأم هي الوعاء الذي يحمل الصدمات أو المواقف المحرجة التي مررنا بها، واستخدام لغة غريبة يعمل كـ"درع نفسي"، فنشعر بأن الشخص الذي يتحدث الآن هو نسخة بديلة عنا، نسخة لم تختبر تلك الذكريات السيئة، مما يمنحنا شجاعة في التعبير والتفاوض أو حتى الاعتراف بمشاعر معينة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويفسر الباحثون ذلك بأن الكلمات باللغة الأجنبية لا تمتلك الصدى الجسدي ذاته، فدقات القلب لا تضطرب بالقدر نفسه عند سماع كلمة قاسية أو محرجة أو نابية بلغة أجنبية مقارنة باللغة الأم، إذ تحمل الكلمات طاقة عاطفية حقيقية قابلة للقياس علمياً، فالشحنة العاطفية للكلمات ليست خيالاً أو شعوراً غامضاً، بل هي حقيقة فسيولوجية قابلة للقياس من خلال معدل ضربات القلب وتوسع الحدقة ونشاط "الأميغدالا" وتغير مستويات الهرمونات وزمن الاستجابة.

تحولات ذهنية

ينتقد بعضهم الكلام باللغة الأجنبية، لكن ما المانع إن كان الأمر سيحسن من أدائنا في لحظات حرجة ومفصلية، بخاصة إذا ما علمنا أن لهذه الظاهرة استخدامات مفيدة في العلاج النفسي، ففي حين يجد بعض المرضى من الأسهل لهم مناقشة صدماتهم بلغة بعيدة من لغة تجاربهم وجذر مشكلاتهم، يستخدم المعالجون طريقة العلاج بتبديل اللغة باللجوء إلى تقنية التعرض التدريجي، إذ يبدأ المريض بالحديث عن الصدمة بلغة أجنبية بغرض الحماية العاطفية، ثم ينتقل تدريجاً إلى الحديث باللغة الأم عندما يصبح جاهزاً لمعالجة أعمق، والدراسات تظهر أرقاماً لافتة في هذا السياق.

 

وعلى مدى العقد الماضي ازداد اهتمام علماء النفس باستخدام مثل هذه التحولات الذهنية، ففضلاً عن تغيير جودة ذاكرتنا، يمكن أن يؤثر التبديل بين اللغات في قراراتنا المالية وتقييمنا للمعضلات الأخلاقية، وتظهر الأبحاث أن الأشخاص الذين يتحدثون لغة ثانية أكثر نفعاً ومرونة وأقل نفوراً من المخاطرة والأنانية وأكثر تواضعاً وقدرة على التعامل حتى مع الذكريات المؤلمة.

في السياق، قد يشعر رواد الأعمال بثقة أكبر عند التفاوض بلغة أجنبية، ويمكن استخدام اللغة الثانية عمداً عند دراسة استثمارات مهمة للتمكن من تقييم الأخطار بعقلانية وموضوعية أكبر، أو عند مواجهة مشكلة شخصية، فقد يساعد وصف الموقف باللغة الثانية في تهدئة القلق وبعض المخاوف، حتى إن محاولة قراءة سياسة ما (حتى لو كانت بيئية) في صحيفة أجنبية، قد يجعلك أكثر انفتاحاً على الحقائق المتاحة وأقل تأثراً برد الفعل الفوري.

تكلمي أيتها الذكريات

في هذا الصدد يمكننا استرجاع قصة للكاتب الروسي فلاديمير نابوكوف، إذ بينما يراجع سيرته الذاتية "تكلمي أيتها الذكريات Speak, Memory" التي يوثق ضمنها طفولته الأرستقراطية في روسيا ونفيه وحياته في أوروبا بأسلوب شاعري، وجد نفسه في حال نفسية غريبة.

فالكاتب الذي يعد أحد أبرز كتاب النثر في القرن الـ20، كان كتب الكتاب أولاً باللغة الإنجليزية عام 1951، ثم طلب منه ناشر في نيويورك بعد بضع سنوات ترجمته إلى اللغة الروسية، فأغرقت لغته الأم ذاكرته بفيض من التفاصيل الجديدة المتعلقة بطفولته، ليحولها إلى لغته الجديدة في الطبعة النهائية التي نشرت عام 1966، وكتب نابوكوف في هذا السياق، "أثبتت إعادة ترجمة النص الروسي إلى الإنجليزية التي كانت في الأصل إعادة سرد باللغة الإنجليزية للذكريات الروسية، أنها مهمة شاقة للغاية، إلا أنني شعرت ببعض العزاء عندما علمت أن مثل هذا التحول المتعدد، لم يسبق لأي إنسان أن جربه من قبل".

ربما كانت تجربة نابوكوف استثنائية، لكن يبدو أن الفرصة متاحة لنا جميعاً لاختبار حال من الثراء المعرفي، عندما نغذي عقولنا بمفردات وعبارات ثقافة أخرى.

اقرأ المزيد

المزيد من منوعات