ملخص
قدمت نسرين أبو لويفة نصاً أدبياً لافتاً في مسابقة "أقرأ للعالم العربي" استطاع أن يلتقط لحظة إنسانية دقيقة، يتقاطع فيها الألم مع البحث عن اللغة.
في لحظة ما يتوقف العالم حول الإنسان، لا لأن الخارج تغير بل لأن الداخل تحرك أخيراً. تلك اللحظة تحديداً هي ما حاول آلاف المشاركين في مسابقة "أقرأ للعالم العربي" التقاطه ضمن نصوصهم هذا العام، اللحظة التي يخرج فيها الشعور من عتمته باحثاً عن اسم... عن لغة تمنحه شكله الأول.
ومن هذا العمق الملتبس، من تلك المنطقة التي تلتقي فيها الهشاشة مع الأسئلة الكبرى وُلد النص الذي قدمته المتسابقة الليبية نسرين أبو لويفة، النص الذي منحها في ما بعد لقب "قارئ العام للعالم العربي 2025".
قالت نسرين "تجلس إلى يميني سيدة تحيط بتذكرة الكشف في يدها، تكاد تسقطها، لكنها لا تفعل".
تسرق نظرة أولى، ثم ثانية، ثم تقول بصوت يشبه استكمال حديث قديم: هذا الطبيب الـ10 هذا العام. في كل مرة أخرج بلا اسم لمعاناتي. يقولون إن مرضي غريب عليهم. هذه المرة لم أعد أبحث عن علاج، أريد أكثر من اسم لهذا الشيء بداخلي.
لم تكن نسرين تكتب عن امرأة، ولا عن قصة شخصية تروى. كانت تكتب عن الإنسان حين يحاصره شعور لا يجد له لغة، عن اللحظة التي يكتشف فيها أن ما لا نسميه يثقلنا، وما لا نواجهه يربكنا، وما لا نفهمه يظل يطاردنا.
ضمن مقطعها الأدبي، فتحت نسرين نافذة على هشاشة الإنسان وقدرته على النهوض. شرحت الألم بلطف نادر، وكشفت كيف يمكن للكلمات - حين تكتب بصدق - أن تعيد ترتيب الداخل المضطرب. كانت تفكر بصوت مكتوب، وتدعو القارئ إلى رحلة لا تبحث عن النجاة بقدر ما تبحث عن الفهم... عن الاعتراف... عن التسمية... عن التخفف. لأن ما نسميه يصبح أخف، وما نفهمه يصبح قابلاً للعبور.
ذلك العمق لم يكن مصادفة، كانت نسرين تكتب من منطقة تشبه الجرح لكنها تلامس الشفاء أيضاً، من نقطة يرى فيها الإنسان نفسه بوضوح لم يجربه من قبل.
ومن بين آلاف المشاركين ضمن النسخة الـ10 من مسابقة "أقرأ للعالم العربي" التي حملت شعار "أثر القراءة لا يزول"، لفت نص نسرين أبو لويفة انتباه لجنة التحكيم بعمقه ومعناه قبل لغته. وبعد مراحل تقييم امتدت حتى الحفل الختامي الذي أقيم خلال الأسبوع الماضي بتنظيم مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء)، جرى الإعلان عن تتويجها بالمركز الأول على مستوى الوطن العربي.
لم يكن الفوز تتويجاً لنص مكتوب، بل لفلسفة كاملة "أن الكلمة تغير الإنسان... والإنسان يستطيع أن يغير العالم حين يفهم نفسه". لم تنتصر نسرين بالسرد بل بالرؤية، ولم تدهش اللجنة بالأسلوب بل بالمعنى، ولذلك ظل نصها الأكثر تأثيراً ليس لأنه قصة قارئة فازت، بل لأنه قصة إنسان سمى شعوره فأضاء طريقه.
ثمرة رحلة معرفية قطعتها بين أكثر من 500 كتاب
من بين 192 ألف قارئ وقارئة تقدموا للمشاركة في مسابقة "أقرأ للعالم العربي"، التي ينظمها مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) – مبادرة "أرامكو" السعودية – برزت نسرين أبو لويفة طالبة الطب البشري في عامها الأخير، لتتوج بلقب "قارئ العام للعالم العربي 2025".
وعلى رغم أنها لم تتجاوز عقدها الثاني، فإن فوزها جاء ثمرة رحلة معرفية طويلة قطعتها بين أكثر من 500 كتاب. ووصفت نسرين هذا الإنجاز لـ"اندبندنت عربية" بأنه تتويج لمسيرة عنوانها الشغف والاجتهاد، مؤكدة أن "القراءة فعل تراكمي يحتاج إلى صبر وطول نفس، لكن الأكيد أن هذا السعي يؤتي ثماره في النهاية".
10 أعوام من صناعة قارئ جديد
أطلق مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي (إثراء) مسابقة "أقرأ" عام 2013، لتكون إحدى أبرز مبادراته المعرفية الموجهة للشباب في السعودية والعالم العربي. وجاءت الفكرة من حاجة لمشروع يصنع علاقة مختلفة مع الكتاب، علاقة لا تكتفي بالقراءة التقليدية بل تحولها إلى تجربة تفكير وتأمل وحوار، وتعيد تشكيل علاقة الجيل الجديد بالمعنى والمعرفة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
خلال أعوامها الأولى بدأت المسابقة على نطاق سعودي محدود، قبل أن تتوسع تدريجاً وتتحول إلى فعالية عربية كاملة في دورتها الـ10 عام 2025، مع مشاركة تجاوزت 192 ألف قارئ وقارئة من مختلف الدول العربية. تقوم المسابقة على مرحلتين رئيستين، القراءة الواسعة ثم إنتاج نص يعكس أثر تلك التجربة على الإنسان، مما جعلها مختلفة عن المسابقات الأدبية التقليدية، لأنها لا تقيس القدرة على الكتابة فحسب بل تقيس عمق القارئ وقدرته على تحويل القراءة إلى معنى وسؤال ورؤية.
نجح "إثراء" عبر هذه المبادرة في خلق مساحة تحتفي بالكتب وبالإنسان الذي يقرأها، وأصبح اللقب الذي تمنحه المسابقة ثمرة رحلة معرفية تمتد لأعوام، لا نتيجة مشاركة عابرة. ومع مرور العقد الأول على انطلاقها، باتت "أقرأ" واحدة من أهم منصات اكتشاف المواهب القرائية في المنطقة، ومختبراً لتجارب تلامس الداخل الإنساني وتمنح القارئ فرصة لتحويل أثر القراءة إلى صوت مكتوب.
وفي كلمته، كشف المدير المكلف لمركز "إثراء" مصعب السعران عن تبني المركز "القراءة" قضية محورية للخمسة أعوام المقبلة، معلناً كذلك إطلاق "مؤشر القراءة العربي" لرصد واقع القراءة داخل الدول العربية. وأوضح أن بيانات السعودية ودول الخليج جرى استكمالها، فيما ستصدر النسخة الكاملة من المؤشر العام المقبل دعماً للقراء والكتاب والمؤسسات الثقافية في المنطقة.