ملخص
عن الخطأ في التركيز على النحو يبرز ما قاله عميد الأدب العربي طه حسين، "أن نظن أن إتقان النحو يُمكِّن من إتقان اللغة، أو أن تعمُّق مسائله يمكن من فهم أسرارها، إنما النحو فلسفة، وكثير منه ترف للمثقفين ليس غير. وهو من حيث هو علم مستقل، شيء مقصور على أصحابه المشغوفين به المتخصصين فيه".
تخيل أن طفلاً في العاشرة من عمره قرر رواية قصة عن الفضاء حكتها له والدته بلغته العامية المحكية، فسردها لأصدقائه مع كثير من مشاعر الدهشة والتشويق والانبهار وبطريقة مليئة بالحياة والحركة، ثم تخيل الطفل ذاته بعد دقائق في حصة اللغة العربية، يجمد إصبعه على الورقة، عيناه مليئتان بالترقب والخوف من أن يخطئ في نطق لفظ الكلمات بالفصحى، أو يتلعثم أمام سؤال عن إعراب "كان وأخواتها" وكأنه يسير في حقل ألغام نحوية، هذا المشهد المتكرر في كثير من الفصول الدراسية العربية ليس مجرد لحظة تعليمية عابرة، إنه جوهر أزمة وجودية تواجهها لغة الضاد.
إلا أن الأزمة ليست في اللغة بحد ذاتها، بل في تحميل ناطقيها أعباء الأولين ممن وضعوا قواعدها وصاغوا نحوها، ثم جاء من بعدهم من عملوا على تلخيصه وتقليصه، وأمام مناهج تتغير في البلدان العربية بتغير وزراء التربية تارة، وعدم اختصاصهم تارة أخرى، مع الأخذ في الاعتبار أن هذه المناهج التي يُدفع بها للطالب تقليدية جافة لا تضع في حسابها طريقة توصيلها وتواصل مدرسيها مع الطلاب، مما يخلق أزمة أصبحت شائعة اليوم، وهي علاقتنا العاطفية بهذه اللغة الثرية في مضمونها، الجزلة في تقديمها وتوصيلها.
النحو المرهق
تحولت العربية الفصيحة في أذهان كثير من الأجيال، من لغة هوية وحضارة وعلم، إلى مادة دراسية جافة، مقترنة بالتلقين الفاصل بين أجزائها المتعددة، إضافة إلى انفصالها عن نبض الحياة اليومية وفضاءات الإبداع، لذا فالتحدي الحقيقي لم يعد في حماية اللغة من التلاشي والضمور، بل في حماية قلوب أبنائها من النفور منها، إذ تتحول بادئ ذي بدء قواعد النحو من أداة لفهم النصوص وتذوق الجمال إلى غاية في حد ذاتها، مع تركيز على الإعراب والحفظ دون الفهم، وهذا يُنتج طلاباً يخافون الخطأ النحوي بدلاً من تشجيعهم على التعبير والإبداع.
وهناك اتفاق على أن صعوبات النحو العربي ناتجة من منهاج النحو ذاته الذي يرهق المتلقي بكثرة أبوابه وتفريعاته وأبنيته وصيغه الافتراضية التي لا تجري في الاستعمال اللغوي، وذلك بحسب أستاذة النحو والصرف بقسم اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة الطائف نجاة عبدالرحمن علي اليازجي، إذ تقول إن "ما تحتاج إليه القواعد اللغوية هو شيء من التنظيم والتنسيق وعرض المادة في أسلوب عصري يخلو مما لا حاجة لطلاب العلم به، من التفصيلات والتفريعات والتعليلات، ومن ثم إعادة النظر في قواعد اللغة، والاستغناء عما لا يفيد منها، من خلال ربط قواعد اللغة بالواقع المعيش، بدور فعّال للأسرة ووسائل الإعلام"، مؤكدة أن "الغالبية العظمى من التلاميذ، ينفرون من الدرس النحوي ويدرسونه من دون حب واستمتاع، إذ يتم تدريسهم النحو بطريقة جافة".
وعن الخطأ في التركيز على النحو يبرز ما قاله عميد الأدب العربي طه حسين، "أن نظن أن إتقان النحو يُمكِّن من إتقان اللغة، أو أن تعمُّق مسائله يمكن من فهم أسرارها، إنما النحو فلسفة، وكثير منه ترف للمثقفين ليس غير، وهو من حيث هو علم مستقل، شيء مقصور على أصحابه المشغوفين به المتخصصين فيه".
أما الدكتور شوقي ضيف فيقول في مقدمة كتابه تيسير النحو التعليمي قديماً وحديثاً "إن جميع البلاد العربية اليوم تشكو مُرَّ الشكوى من أن الناشئة فيها لا تحسن النحو، أو بعبارة أخرى لا تحسن النطق بالعربية نطقاً سليماً، وكأنما أُصيبت ألسنتها بشيء من الاعوجاج والانحراف، جعلها لا تستطيع أداء اللغة العربية أداءً صحيحاً. ونخطئ خطأ كبيراً إذا ظننا أن شيئاً من ذلك أصاب ألسنة الناشئة في بلداننا العربية جعلها تعجز عن النطق السديد بالعربية، إنما مرجع هذا العجز أو القصور إلى النحو الذي يُقدم إليها، والذي يرهقها بكثرة أبوابه وتفريعاته وأبنيته وصيغه الافتراضية التي لا تجري في الاستعمال اللغوي. وهو، مع ذلك، يغفل شطراً كبيراً من تصاريف العربية وأدواتها وصياغاتها، مما يجعل الناشئة لا تتبيّن كثيراً من أوضاع اللغة واستعمالاتها الدقيقة".
فجوة النصوص
يقول ابن خلدون في مقدمته، "إن اللغة ملَكة، وأن الملَكات لا تُكتسَب بالقواعد، وإنما تُكتسب بالحفظ والتكرار"، وهنا يأتي دور النصوص التي تعتبر كلاسيكية وتقليدية وبعيدة من اهتمامات الطالب في هذا العصر، إذ يقول المتخصصون بأن كثيراً من المناهج لا تواكب العصر، وتعتمد على نصوص تقليدية قد لا تثير اهتمام الطالب المعاصر، مشيرين إلى ضعف الارتباط بالحياة الواقعية، إذ لا يرى الطالب رابطاً بين ما يتعلمه في حصة العربية وحياته اليومية أو وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي التي يستهلكها.
وعن هذا تقول الأستاذة المساعدة في التربية الخاصة في جامعة قطر، مها الهنداوي "ترسخت الطرق المستخدمة لتعليم اللغة العربية على امتداد الزمان، مما يصعب مهمة استيعاب بعض المدرسين أي إصلاحات كبرى في المنهج المستخدم أو طرائق التدريس، وذلك لأن تعليم اللغة كان يعني دائماً تعليم النحو والبلاغة والشعر، ومن ثم فإن دعوة معلمي الفصول للتركيز عوضاً عن ذلك على النصوص المعاصرة من أجل تدريس مهارات الكتابة والتفكير الناقد يمكن أن يمثل مطلباً صعباً يستثير مقاومتهم، ومن الطبيعي والمتوقع أن تبرز مقاومة أعضاء هيئة التدريس لدى استحداث أي نهج جديد في التدريس"، وتضيف "استحداث إصلاحات تتعلق باستخدام اللغة يواجه في أغلب الأحيان بردود أفعال شائعة تراوح ما بين بواعث القلق الجمالية والعاطفية والتاريخية، علاوة على مخاوف التطبيق، ولدى تناول الطرق الراسخة لتعليم اللغة بالبحث والدرس وإعادة النظر، ينتاب بعض المعلمين إحساس بأن هويتهم نفسها باتت مهددة، ومن بواعث القلق الأخرى التي كثيراً ما تثار الافتراض القائل بأن أي تحرك نحو التبسيط المتصور في أذهانهم سيؤدي إلى إفقار اللغة والعمل الكتابي".
نفور عاطفي
ومن المشكلات التي تبرز بصورة فجة تلك المتعلقة بطرق التدريس، مثل الاعتماد على أسلوب المحاضرة التلقينية، إذ المعلم هو مصدر المعرفة الوحيد، والطالب متلق سلبي، وكذلك إهمال المهارات الشفهية، إذ يتجلى في كثير من الأحيان بحسب المختصين عدم الاهتمام بالاستماع والتحدث والمحادثة والحوار كأساس لبناء اللغة، إضافة إلى ذلك نقص التشويق والإبداع في طرق تقديم المادة، مثل قلة استخدام الوسائل التعليمية التفاعلية، والقصص والمسرح والألعاب اللغوية والتقنيات الحديثة.
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وبناءً على كل ما سبق فقد خلقت هذه الأسباب وغيرها حالاً من النفور العاطفي والسلوكي تجاه تعلم اللغة العربية من قبل أبنائها، وعن هذا يقول الدكتور محمود السيد، الذي شغل سابقاً رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق، في دراسة له عن أسباب تدني مستوى تعليم اللغة العربية، "لما كانت حاجات المتعلمين وميولهم واهتماماتهم ورغباتهم مكوناً من مكونات المنهج، كان لا بد للغة التي يتفاعلون معها أن تكون قريبة منهم، ومؤدية وظيفة لهم، ومن الملاحظ أن ثمة نفوراً من اللغة التي يتفاعلون معها في المنهج لبعدها عن الحياة النابضة الزاخرة"، ويتابع مستشهداً بكلام الدكتور مراد كامل، "وجنوحاً نحو استعمال العامية التي تخدم حاجاتهم خدمة مباشرة ما دامت معبرة بسرعة عن تلك الحاجات بدل أن تستبد بهم لغة صارمة عنيدة، وتسد عليهم مسالك الحياة، فلا تنطلق بهم ولا تدعهم ينطلقون".
الحلول ممكنة
نظراً إلى الضعف المتنامي في اللغة العربية في أوساط فئات المجتمع عامة، ومجتمع الطلبة بخاصة، فإن الحاجة بحسب المختصين تبدو ماسة الآن إلى الوقوف وقفة عربية صادقة وجدية لوضع حد لهذه الفجوة المتنامية بين اللغة والناطقين بها، ويتطلب الوضع بحسب الدكتور والأستاذ السعودي في كلية التربية صالح عبدالعزيز النصار من خلال دراسة له عن أسباب ضعف الطلبة في اللغة العربية "البحث في الحلول الممكنة لمعالجة أوجه القصور في التعليم والإعلام وفي جميع الدوائر والمؤسسات الحكومية والأهلية التي تشترك في تغذية هذا الضعف واستمراره، حتى لا تصبح اللغة العربية غريبة عن أبنائها، أو أن ينحصر استخدامها في أوساط النخبة المتخصصة أو الأوساط الرسمية الخاصة".
ويخلص النصار في دراسته إلى القول، "إن علاج هذا الضعف في أوساط الطلبة ممكن وغير عسير، لكنه بحاجة إلى وعي وإدراك بخطورة المشكلة أولاً وبسرعة المعالجة ثانياً، وبتضافر الجهود وتعاون المخلصين والغيورين على هذه اللغة في الأقطار العربية ثالثاً، وفوق ذلك، تحتاج تلك الجهود إلى قرارات سياسية شجاعة تترجم نتائجها إلى برامج ونشاطات وخطط ترتقي بتعليم اللغة العربية داخل المدرسة وتهتم بسلامتها خارج المدرسة".