Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السبيل إلى الفوز بحرب الظل مع روسيا

على "الناتو" أن يصعد من أجل الحد من التصعيد

سفينة يشتبه في أنها تابعة لأسطول الظل الروسي قرب زاسنيتس، ألمانيا، أبريل 2025 (رويترز)

ملخص

تواجه أوروبا حرب ظل روسية متصاعدة تستهدف البشر والبنى التحتية دون بلوغ عتبة الحرب المفتوحة. إن استعادة الردع تتطلب من "الناتو" وضع خطوط حمراء واضحة وردود منسقة وسريعة، تشمل أدوات استخباراتية وسيبرانية وعسكرية، لفرض كلفة باهظة تمنع الانزلاق إلى حرب شاملة.

تخوض روسيا حرباً بلا حدود. فأوكرانيا هي الجبهة المفتوحة، لكن الهدف يتجاوزها بكثير، ويتمثل في هزيمة تحالف من الخصوم، يشمل أوروبا بأكملها وشخصيات المعارضة الروسية التي وجدت ملاذاً فيها. ونتيجة لذلك، تنفذ موسكو هجمات متكررة تستهدف بشراً وبنى تحتية داخل حدود حلف "الناتو". وما كان يوصف سابقاً بـ"العمليات الهجينة" أو "الأنشطة التخريبية" في جميع أنحاء أوروبا، أصبح الآن عمليات عسكرية صريحة وفجة، لا تهدف إلى الإقناع، بل إلى تدمير الأنظمة الحيوية وتقويض استعداد القارة للمواجهة. إنها "حرب الظل": حملة منسقة من الهجمات الفعلية التدميرية الرامية إلى إنهاك الخصم من دون استفزاز ردود فعل عسكرية.

وتطول قائمة هجمات الظل الروسية شهراً بعد شهر. فقد أوقفت أساطيل الطائرات المسيرة الروسية مطارات مزدحمة في بلجيكا والدنمارك وألمانيا والنرويج، وأجبرت هذه الدول على إرسال طائراتها المقاتلة على وجه السرعة. كما أن الطائرات الروسية المسيرة التي أُسقطت ألحقت أضراراً بالممتلكات في بولندا، فيما قامت سفن مرتبطة بموسكو بجر مراسيها عبر بحر البلطيق لتعطيل خطوط الطاقة والاتصالات الحيوية. وأسفرت عبوات ناسفة زرعها عملاء روس عن تعطيل خطوط السكك الحديد ومستودعات الخدمات اللوجيستية في أوروبا. ونجا كبار قادة الصناعات الدفاعية الأوروبية بصعوبة من محاولات اغتيال، بينما لم يحالف الحظ عدداً من المعارضين الروس في الخارج.

ومع كل هجوم جديد ضمن حرب الظل، تتصاعد أخطار الانزلاق نحو مواجهة أوسع. ولتفادي اندلاع حرب شاملة مع روسيا، بات على الغرب أن يفرض تبعات جدية على هذه الهجمات. وهذا يتطلب آلية تشاور أوضح داخل حلف "الناتو"، وتعاوناً أكبر بين الحلفاء لتحديد الهجمات وقائمة أكثر وضوحاً بالردود المحتملة، تشمل عمليات استخباراتية وسيبرانية لتعطيل الشبكات الروسية، وعقوبات اقتصادية وسياسية جاهزة للتنفيذ فوراً، وتدابير عسكرية محدودة ولكن علنية عندما تتعرض الأرواح أو الأنظمة الحيوية للخطر بسبب الهجمات.

توبيخات خفيفة

تعد موسكو نفسها بالفعل في حال حرب مع الغرب، وهذه الحرب لا تتعلق بأوكرانيا فحسب، بل بمصير نظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه. وينظر الكرملين إلى جميع الإجراءات الغربية، بما في ذلك دعم كييف وفرض العقوبات وتوفير ملاذ آمن للمعارضة الروسية في المنفى، على أنها تحد متكامل لسلطته. وبما أن بوتين يعد أن الصراع وجودي، لا يفصل الكرملين بين غزو أوكرانيا وبين الهجمات السرية في أوروبا، أو بين استهداف المعارضين الروس في الخارج. فهذه، في نظره، جبهات ثلاث لحرب واحدة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في الواقع، تلجأ روسيا إلى أنشطة سرية عدائية لأنها تدرك أن الدخول في حرب مفتوحة مع خصم أقوى مغامرة غير محسوبة. وهي تعلم أن الضربات المحدودة التي تبقى دون الحد الذي يعده صناع القرار والرأي العام الأوروبي "عملاً حربياً" تتيح لها استغلال تردد الغرب وارتباكه. وفي ظل صعوبة رصد الهجوم وتحديد مصدره وتقييم خطورته، غالباً ما تأتي ردود الأوروبيين متأخرة، مما يضعف الردع ويقطع الصلة بين الفعل والعقاب.

وتتسم ردود الفعل الأوروبية بالضعف أيضاً، إذ تقتصر على الخطابات والعقوبات والقيود على التأشيرات التي لا تجدي نفعاً في ردع روسيا بصورة فعلية. وعلى رغم أن حلف "الناتو" يتتبع الهجمات الروسية ويسعى إلى تنسيق الردود، إلا أن الحلف وأعضاءه غالباً ما يتعاملون مع هذه الحوادث لا باعتبارها مسائل دفاع جماعي أو وطني، بل مشكلات يفضل أن تتولاها أجهزة إنفاذ القانون التقليدية. فعلى سبيل المثال، تعاملت الحكومات الأوروبية عموماً مع تخريب كابلات الاتصالات والطاقة البحرية في بحر البلطيق وبحر الشمال باعتباره قضية تتعلق بالسلامة البحرية أو قضية جنائية، مما أدى إلى تأخير مشاورات "الناتو" حتى عندما كانت سلوكات السفن وأوقات الحوادث وأنماط الاستهداف تشير بقوة إلى عمل عدائي تقوده دولة.

وبالمثل، تعامل الأوروبيون مع حالات الحرق المتعمد وتعطيل البنى التحتية وأعمال المراقبة المرتبطة بشبكات وكلاء روس في جميع أنحاء أوروبا من خلال تنفيذ اعتقالات وملاحقات قضائية في المقام الأول، مما أحبط مخططات محددة لكنه ترك حملة موسكو الأوسع نطاقاً من دون معالجة على مستوى الحلف. هذا النهج في التعامل مع هجمات منسقة كجرائم متفرقة يبعث إشارة ضعف، ويقوض الردع بإظهار حرص أوروبي على الحذر لا على الحسم.

وهناك، بالطبع، سبب يدفع القارة إلى التمسك بردود غامضة. فهي تريد أن توصل رسالة مفادها أن أوروبا ليست في حال حرب، بالتالي تجنب التصعيد. لكن هذا النهج يغذي سردية الكرملين عن كونه ضحية، وهي سردية تزيد بدورها من عدوانه. فكل عقوبة جديدة أو إدانة علنية تؤكد تصور موسكو بأنها تحت حصار دائم. وترسخ السلطات الروسية فكرة أن البلاد لا خيار أمامها سوى الاستثمار في القدرات العدوانية لأجهزتها الأمنية، المسؤولة في نهاية المطاف عن تنفيذ حرب الظل.

علاوة على ذلك، فإن كل رد غامض من جانب الغرب يزيد من مستوى تحمل موسكو للمخاطر، مما يزيد من احتمالية التصعيد. فمن دون ردود فعل حازمة ومتسقة من خصومه، يرى الكرملين ساحة مفتوحة لا يحدها سوى خياله وموارده. فلا عجب إذاً أن تكثف روسيا أنشطتها في حرب الظل. ووفقاً لبحث أجراه المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، فقد ارتفع عدد حوادث حرب الظل الروسية في أوروبا بنحو ثلاثة أضعاف بين عامي 2023 و2024، بعد زيادة أربعة أضعاف في العام السابق.

وأخطار هذا الوضع واضحة، فلا بد أن تخطئ موسكو في حساباتها في نهاية المطاف. قد تسقط طائرات روسية مسيرة طائرة ركاب عن غير قصد، مثلما فعل صاروخ روسي فوق أوكرانيا عام 2014. وقد يتسبب هجوم إلكتروني في انهيار نظام رعاية صحية أو نظام تدفئة حيوي. وقد يموت المئات وربما الآلاف، ليس داخل أوكرانيا بل في دولة عضو ضمن حلف "الناتو". حينذاك، سيكون الضغط على أوروبا للرد بالقوة هائلاً. وقد تفضي حرب الظل، المصممة لتجنب الصراع المفتوح، إلى اندلاع حرب فعلية.

استعادة الردع

من الواضح أن المقاربات الغربية التقليدية لمواجهة حرب الظل غير كافية ولا تفي بالغرض، فالأسلوب المعتاد يركز على بناء القدرة على الصمود من خلال التكرار وإدارة الأزمات وتخفيف الأضرار، وتبادل المعلومات الاستخباراتية مع الحلفاء وفرض عقوبات على الخصم، وتعطيل شبكات التجسس والجريمة المنظمة التي توفر التمويل واللوجيستيات والتجنيد وإمكانية الإنكار (إخفاء المسؤولية). غير أن هذا النهج القائم على منطق الردع لا يفهم طبيعة النظام الذي يحاول ردعه. يجب على صانعي السياسات الغربيين أن يتقبلوا حقيقة مرة، وهي أن الرد بالمثل من خلال التدابير القانونية لا يجدي نفعاً، وكذلك التركيز على تعزيز الدفاعات.

ما تحتاج إليه أوروبا اليوم هو جعل موسكو تدرك أن أي خطأ سترتكبه ستكون كلفته باهظة. يجب إقناع روسيا بأن استمرار حرب الظل سيجعلها تخسر الحرب، سواء في أوكرانيا أو ضمن صراعها الأوسع مع أوروبا، وربما يهدد استقرار النظام نفسه. ويتطلب ذلك تحديد خطوط واضحة تحدد طبيعة الأفعال التي تستوجب مشاورات داخل الحلف وردوداً ملموسة، إلى جانب إجراءات مضادة ذات صدقية، واستعداد للتحرك بسرعة وبصورة متوقعة.

أولاً، ينبغي لحلف "الناتو" الاتفاق على معايير واضحة لإجراءات المادة الرابعة، التي يحق لأي عضو تفعيلها إذا اعتقد أن "السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي أو أمن أي من الأطراف مهدد". وينبغي أن تكون المشاورات هي القاعدة في مواجهة عدوان الظل، لا الاستثناء. فمنذ تأسيس "الناتو" عام 1949 لم تفعل المادة الرابعة إلا تسع مرات، ولم يحدث ذلك إلا مرتين رداً على حرب الظل الروسية، حين انتهكت طائرات حربية وطائرات مسيرة روسية المجال الجوي لإستونيا وبولندا خلال سبتمبر (أيلول) 2025. وينبغي أن تصبح هذه المشاورات هي القاعدة الثابتة حتى عندما تعمل روسيا من طريق وكلاء بعيدين وشبكات يمكن إنكارها.

من الواضح أن المقاربات الغربية التقليدية لمواجهة حرب الظل غير كافية ولا تفي بالغرض

بعد ذلك، يتعين على الدول الأوروبية من خلال حلف شمال الأطلسي والمفوضية الأوروبية إعداد استجابات لا تكتفي بردع أو إحباط هجمات لاحقة فحسب، بل تقوض أيضاً قدرات روسيا. ويجب أن تشمل هذه الاستجابات عمليات إلكترونية واستخباراتية تلقائية ضد الأجهزة العسكرية والأمنية الروسية المتورطة في أعمال التخريب وأنشطة الوكلاء. ويجب أن تشمل توسيع نطاق عمليات الحظر البحري والجوي للسفن والطائرات المرتبطة بالعمليات الروسية السرية، وفرض عقوبات اقتصادية ولوجيستية فورية تحد بصورة مباشرة من قدرة موسكو القتالية، بدلاً من العقوبات الرمزية.

وعندما تعرض هجمات الظل الأرواح للخطر أو تلحق أضراراً جسيمة بالبنى التحتية الحيوية (مثل الكابلات البحرية ومرافق الطاقة وشبكات الاتصالات المدنية أو مراكز النقل)، يجب أن تتضمن خيارات حلف "الناتو" ردوداً عسكرية متناسبة، بما في ذلك هجمات إلكترونية أو ضربات عسكرية ضد الأصول الروسية. على سبيل المثال، قد تؤدي عملية تخريب مؤكدة مرتبطة بروسيا ضد كابل بحري رئيس إلى رد إلكتروني منسق يعطل أنظمة القيادة والسيطرة، أو اللوجيستيات، أو أنظمة المراقبة البحرية الروسية، كما يمكن لحلف "الناتو" مصادرة السفن أو المعدات المرتبطة بروسيا. ويعد الغموض الاستراتيجي مهماً هنا، حتى لا تتمكن موسكو من تحصين نفسها ضد الرد، ولكن خلال الوقت نفسه يجب أن تفهم القيادة الروسية حجم وخطورة الردود الأوروبية المحتملة لكي تعدل حساباتها للأخطار فيُعاد ترسيخ الردع.

ويتطلب الرد الاستراتيجي الفعال أيضاً أن يستفيد حلفاء "الناتو" من التقدم الذي أحرزه الحلف في تبادل المعلومات الاستخباراتية، لضمان الكشف السريع عن هجمات حرب الظل وتحديد مصدرها. ومن ثم، يتعين على أجهزة الأمن القومي في كل دولة عضو، أي الجيوش وأجهزة الاستخبارات وليس أجهزة إنفاذ القانون، أن تنسق الرد. ويعد ضمان هذا التنسيق أكثر إلحاحاً الآن بعدما باتت واشنطن تبدو أكثر تردداً حيال المخاوف الأمنية الأوروبية. فخلال هذا الشهر، أعلنت إدارة ترمب خططاً للانسحاب من مركز الامتياز الأوروبي لمكافحة التهديدات الهجينة، التابع لحلف "الناتو"، وهي خطوة تضعف الفهم المشترك للوضع خلال وقت تكثف فيه روسيا عدوانها في حرب الظل.

خلال المرحلة المقبلة، لن يُقاس نجاح أوروبا بصرامة البيانات أو قوة العقوبات، بل بقدرتها على منع هجمات الظل قبل وقوعها. والمهمة الآن هي توجيه رسالة لا لبس فيها إلى الكرملين بأن كل عملية من هذا النوع ستقابل برد حاسم، لا بتوبيخات خجولة كما في السابق. ينبغي لروسيا أن تدرك أن استمرار عدوانها سيجر عليها كلفاً متصاعدة لا يمكن تجاهلها.

 

صامويل غرين هو أستاذ السياسة الروسية في كينغز كوليدج لندن، وزميل بارز غير مقيم في مركز "تحليل السياسات الأوروبية" (CEPA).

كريستوفر ووكر هو نائب رئيس مركز "تحليل السياسات الأوروبية". شغل سابقاً منصب نائب رئيس الدراسات والتحليل في "المؤسسة الوطنية للديمقراطية" National Endowment for Democracy، ومحرر مشارك لكتاب "الدفاع عن الديمقراطية في عصر القوة الحادة" Defending Democracy in an Age of Sharp Power.

هذه المقالة مقتبسة من تقرير مركز "تحليل السياسات الأوروبية" بعنوان "حرب بلا نهاية: حرب الظل الروسية" War Without End: Russia’s Shadow Warfare.

مترجم عن "فورين أفيرز"، الـ20 من يناير (كانون الثاني)، 2026

المزيد من آراء