ملخص
خبراء المناخ في تونس نبهوا منذ أن كشرت هذه التغيرات عن أنيابها بارتفاع معدل درجة حرارة سطح البحر في صيف عام 2025 من إمكان وقوع فيضانات وعواصف في البحر.
اجتاحت فيضانات واسعة قبل أيام عدداً من دول البحر الأبيض المتوسط على غرار إيطاليا واليونان والمغرب وتونس، جراء إعصار "هاري" الذي أتى مصحوباً بعواصف بحرية وأمطار غزيرة وأمواج عاتية بلغ ارتفاعها 10 أمتار، فضلاً عن رياح تجاوزت سرعتها 120 كيلومتراً في الساعة.
وجراء هذه التقلبات الجوية العنيفة، أعلنت السلطات التونسية أن الفيضانات أسفرت عن وفاة خمسة أشخاص في محافظة نابل شمال شرقي البلاد، وتسببت في غرق ثلاثة صيادين في بلدة المكنين الساحلية بمحافظة المنستير نتيجة سوء الأحوال الجوية، وشهدت تونس شللاً في حركة السير وتوفقاً كاملاً للمدارس ضمن المناطق المتضررة.
شتاء أكثر تطرفاً
خبراء المناخ في تونس نبهوا منذ أن كشرت هذه التغيرات عن أنيابها بارتفاع معدل درجة حرارة سطح البحر خلال صيف عام 2025 من إمكان وقوع فيضانات وعواصف في البحر، مما يتطلب يقظة كاملة من الدولة وتخطيطاً شاملاً للتخفيف من أخطار التغيرات المناخية. فهل تونس استعدت حقيقة لسيناريوهات هذه التغيرات في المناخ أم أن ضعف تقديم حلول للتكيف معها يحتل المشهد؟
فسر المهندس البيئي والمتخصص في الشأن المناخي حمدي حشاد طريقة تشكل العاصفة "هاري" التي تسببت في الأحداث المناخية على المنطقة المتوسطية، ومن بينها تونس، وأوضح أنها "نتيجة تقاطع دقيق ومعقد بين منظومتين جوية وبحرية"، وقال في حديث إلى "اندبندنت عربية" إن العاصفة "منخفض جوي متوسطي استمد قوته وتعمقه من التقاء متزامن بين عامل جوي شديد الفاعلية في الطبقات العليا، ومخزون حراري ضخم في مياه البحر مد المنظومة بالطاقة والرطوبة اللازمة وفي قلب هذه العملية، نشط ما يعرف بـ’الولادة الإعصارية‘".
وشرح حشاد أن البحر الأبيض المتوسط يقوم في هذه الحال بدور محوري يتجاوز كونه مجرد مسطح مائي، مضيفاً أن "درجة حرارة سطحه لا تزال تسجل مستويات أعلى من المعدل بسبب التغيرات المناخية، متأثرة بتبعات صيف عام 2025 القاسي"، وتابع أن "هذه الذاكرة الحرارية جعلت البحر يضخ تدفقات حرارية ورطوبة هائلة نحو الغلاف الجوي. وعند تكاثف هذه الرطوبة، يجري تحرير ما يسمى ’الحرارة الكامنة‘، وهي الطاقة التي تعمل كمحرك نفاث يزيد من قوة قلب العاصفة ويسرع في تعميق ضغطها الجوي".
وقال "علاوة على ذلك، أسهم موقع التيار النفاث في الطبقات العليا كعامل سحب ومضخة هوائية، مما عزز التيارات الصاعدة وقوى الرفع. ومع توافر طاقة حمل حراري عالية، تهيأت الظروف لتشكل سحباً عميقة جداً قادرة على إفراغ كميات طوفانية من الأمطار في وقت قياسي، مما يفسر خطر السيول الذي يرافق العاصفة هاري في المناطق المتأثرة".
باختصار وبحسب تحليل حمدي حشاد فإن "عاصفة هاري هي نتاج تفاعل بين نظام ضغط واسع ومخلفات موجات الحرارة البحرية لعام 2025، مما حول السيناريو الشتوي المعتاد في البحر المتوسط إلى نمط أكثر تطرفاً وحدة".
الأشد فتكاً
صحيح أن الفيضانات ظاهرة طبيعية ضاربة في القدم في تاريخ تونس، لكن باحثين يؤكدون أن عددها انطلاقاً منذ عام 1900 أكثر كثافة من عدد الفيضانات طوال الفترات السابقة، وشملت خريطة الفيضانات مختلف مناطق البلاد من الشمال إلى الجنوب مروراً بالوسط والساحل.
وهنا يستعرض أستاذ الجغرافيا والباحث في علم المناخ عامر بحبة السجل التاريخي لأعنف الفيضانات التي عرفتها تونس، مشيراً إلى أن فيضانات عام 1969 تظل الأشد فتكاً بتسجيلها 542 وفاة وكميات أمطار قياسية تجاوزت 1200 مليمتر في بعض المناطق.
وتحدث بحبة عن محطات زمنية بارزة مثل فيضانات عام 1990 وكارثة نابل عام 2018 والخرى في الساحل خلال عام 2020، وصولاً إلى الأحداث الأخيرة خلال يناير (كانون الثاني) الجاري التي ضربت ولايات الشمال الشرقي والساحل مخلفة خسائر مادية فادحة وأرواحاً بشرية.
ويرجع بحبة هذه الظواهر المتطرفة علمياً إلى منخفضات القطع أو القطرة الباردة والمنخفضات الصحراوية والرجوعات الشرقية التي تؤدي عادة إلى هطول كميات أمطار في أيام معدودة تعادل المعدلات السنوية العامة أو تتجاوزها.
وسجلت تونس فيضانات أخرى، بخاصة عام 1973 في حوض مجردة وفي محافظة صفاقس عام 1982، وأيضاً فيضانات عام 1995 في سوسة، ثم محافظة تطاوين عام 2003 وفي العاصمة تونس وحوض مجردة عام 2006، وفيضانات الرديف عام 2009 وفيضانات الساحل التونسي بخاصة المهدية عام 2012 وفيضانات عام 2016 في منطقة الساحل التي هطلت خلالها كميات تراوح ما بين 100 و250 مليمتراً وتسببت في عشرات الوفيات.
ويرى المدير العام لمدينة العلوم في تونس فتحي زقروبة أن ما شهدته اليلاد خلال اليومين الأخيرين من أمطار غزيرة وما رافقها من أضرار بالبنية التحتية والطرقات والأحياء السكنية وفيضانات وتعطل بعض المرافق العامة، أهمها النقل يذكرنا بأن الأخطار المناخية لم تعُد استثناءً، بل أصبحت واقعاً متكرراً بفعل انعكاسات التغيرات المناخية التي تزيد من حدة الظواهر القصوى كالفيضانات والجفاف والحرائق والانهيارات الأرضية".
ويوضح أنه "أمام هذا المعطى الجديد، تصبح تونس، كغيرها من الدول، مطالبة لا فقط بإدارة الأزمات، بل بالتهيؤ الاستباقي والتأقلم الذكي مع الكوارث الطبيعية عبر سياسات وقائية طويلة المدى، لا بالاقتصار على ردود فعل ظرفية"، مستخلصاً أن "هذه الأحداث تمثل فرصة لمراجعة المسارات وتحسين أساليب العمل، في إطار المسؤولية وروح الشراكة بين مختلف المتدخلين".
المستقبل أخطر من الحاضر
من جانبها ترى الباحثة في الهجرة والتغير المناخي وئام بن الشيخ أن "التغيرات المناخية وتكرار الكوارث الطبيعية هي نتاج بين المسؤولية الفردية وهشاشة البنية التحتية للبلاد، موضحة أن "عاصفة هاري" التي ضربت تونس يومي الـ19 والـ20 من يناير الجاري "جاءت ضمن سلسلة من الضربات المناخية التي يتوقع علمياً أن تتكرر بوتيرة أكبر خلال العقود المقبلة بسبب التغيرات المناخية في حوض المتوسط".
وتمضي في تحليلها بالقول، "الفيضانات في تونس ليست استثناءً بل أصبحت القاعدة"، مضيفة "هي نتيجة متراكمة لبنية تحتية مهترئة وسوء التخطيط مع غياب سياسات التكيف مع التغيرات المناخية التي تعيشها البلاد".
والباحثة وئام بن الشيخ هي أيضاً من المواطنين المتضررين من الفيضانات الأخيرة التي ضربت تونس بخاصة محافظة نابل، وتقول "هذه هي المرة الثانية التي يتضرر فيها منزلنا بصورة مباشرة بعد فيضانات نابل عام 2018". وأردفت أن "الأمان الذي يفترض أن يتيح البيت يُمس للمرة الثانية. لا أعتبر ما حدث خسارة مادية أكثر من أنه اهتزاز عميق في معنى الاستقرار ذاته الذي يفترض أن نعيشه في مدينتنا ومنزلنا".
اقرأ المزيد
يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)
وتقول "ما يجعل الوضع أكثر قسوة هو أن الدراسات المناخية تجمع اليوم على أن المستقبل أخطر من الحاضر، مما يشكل في حد ذاته إنذاراً واضحاً للعائلات المتضررة بضرورة التحسب والحماية، ولكن أيضاً هو إنذار للدولة بضرورة الانتقال من منطق إدارة الكوارث بعد وقوعها، إلى منطق التكيف الاستباقي".
وتطالب "السلطات بالحضور الفعلي أثناء الأزمات، فالتدخل في وقت الكارثة وتعبئة كل الإمكانات المتاحة يجب أن يكون جزءاً من سياسة واضحة. والأهم من ذلك، تطوير سياسات تكيف عادلة وواقعية، تتماشى مع حجم الأخطار التي نعيشها،ومع الموارد المتاحة، وتضع الإنسان وكرامته في صلب الاستجابة المناخية".
الاستثمار في الكارثة
في السياق ذاته انتقدت "جبهة الخلاص الوطني" تعامل الحكومة التونسية مع التقلبات المناخية الأخيرة، وأوضحت أن عدم استباق تداعياتها يمثل تقصيراً غير مبرر، مما وصف من قبل مراقبين بأنها محاولة من قوى معارضة للاستثمار في الكارثة المناخية سياسياً.
وقال الرئيس التونسي قيس سعيد الأربعاء الماضي إن الأضرار الناجمة عن الفيضانات التي تشهدها البلاد تعود لعقود من الفساد وسوء الإدارة، داعياً إلى محاسبة حقيقية وتحميل المسؤوليات لكل من تسبب في هذه الأوضاع.
وأوضح أن "دخول مياه الأمطار إلى المنازل هو نتيجة مباشرة لتراكمات الفساد والدراسات غير الجدية، فضلاً عن البناء غير القانوني والفوضوي". وأضاف أن هناك "غشاً في عدد من الدراسات السابقة، مما أسهم في تفاقم حجم الأضرار الناجمة عن الفيضانات"، داعياً إلى "ضرورة تسوية وضعية العقارات غير القانونية".
وانتشرت مقاطع مصورة عدة عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي تظهر الحال الكارثية للمنازل والطرقات التي غمرتها المياه جراء الأمطار الأخيرة، وأرجع كثير من المواطنين الأمر إلى تقصير المسؤولين في جهر قنوات المياه وأيضاً إلى التهاون في رفع الفضلات التي أسهمت في انسدادها علاوة على اهتراء البنية التحتية، بخاصة قنوات صرف المياه.